المرأة الفلسطينية: مرآة فلسطين؛ متينة في السراء والضراء

 النزاع هي كلمة ربما تلخص واقعًا تعيشه المرأة العربية في معظم لحظات حياتها. دونتُ سابقا عن توجهات المرأة لمصارعة تخبطات ونزاعات الحياة ضمن مقالتي بعنوان "جلد التمساح"، هناك تطرقت أكثر للتفاصيل اليومية والنزاعات العملية والجندرية - أنعتها بتهكم - 'الاعتيادية'، وعن الطبقة المجازية من جلد التمساح ترتديها المرأة كسلاح سحري للمواجهة. 

النزاع يصبح معظّمًا أكثر ويتخذ معنى وحجمًا أكبر بحجم المصائب والظروف المجتمعية، الاقتصادية، السياسية، الإقليمية والعالمية; مثلا منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزّة، اتخذ النزاع وجهًا آخر وحّد النساء الفلسطينيات بالرغم من التفاوت بين صراعاتهن. بالإضافة الى ارتباط النزاع بالاضطرابات، والدمار والمآسي، يجلب النزاع معه دائما فرصًا جديدة للقيادة والتغيير، فنرى الوجوه النسائية الفلسطينية، بارزة بقوة مستمرة بتحدي المعايير الجنسانية الراسخة، وتوطين الأمل بالمثل والفعل.

أتطرق بمقالتي هذه إلى كيفية استغلال المرأة الفلسطينية شدائد النزاع (لا يقتصر على الحرب فقط، بالرغم من طغيانها على يومياتنا) لإحداث تغييرات كبيرة في مختلف القطاعات، من التحدي وبناء السلام إلى الرعاية الصحية والتكنولوجيا، والحد من التّحيز الجنسي في مجتمعاتها.

القيادة النسائية وسط النزاع وبوجهه

تظهر القيادة النسائية على أشكال متعددة، برزت شدتها خلال الحرب الأخيرة على غزة، أحاول قدر إمكاني تلخيصها:

●     الصوت الحر: باتت القنوات الإخبارية التقليدية مصدرًا ذا أجندة، غير موثوق به. فلجأ معظمنا لمتابعة مصادر بديلة لصحفيين ومراسلين مستقلين وعدسة أشخاص محليين ينقلون الصورة والحدث كما هو من أرض الواقع، كثيرات منهم نساء فلسطينيات مهنيات قادرات، لا يرفّ لهن رمش. منصتكن يا منى العمري وسناء حمود حرة، فإن التغطية مستمرة.

●     'زوج في البيت ولا شهادة عالحيط' مثل غبي بات يتيما، فأصبح التعليم العالي هو أحد الأسلحة التي اتخذتها النساء الفلسطينيات لتحدي واقعهن المركب وغير المنصف، ولزرع التغيير بذرة بذرة. فنرى المعلمة والطبيبة والمحامية والمهندسة والمستثمرة والمبادرة والباحثة والعالمة والرائدة والمديرة والأم، تتصدر أسماؤهن عناوين النجاح تكسر القيود، تحقق بشهامة الاعتراف بفلسطين بذكاء وجد فاقا شهادة عرجاء من الأمم المتحدة خجلت منها الإنسانية.

●     بصيص أمل في مشهد تأتي به الفلسطينيات ينادين للعدل، السلام، وإعادة الإعمار؛ ينادين بالحق وتعلم معنى الحياة وسط عتمة المحنة. تلك المعلمة تعلم طلابها الرياضيات فوق أحجار مدرستهم المهدمة. اطلبوا العلم ولو (بالصين) فوق الركام!

●     امتياز لامع لنساء فلسطينيات في الجامعات عالميا وتصدرهن المنصات ينادين لوقف الحرب وإرجاع الحق. بالإضافة الى فلسطينيات بمناصب عليا في البلاد وخارجها يتخذن موقف حق ويقدن حراكًا منصفًا مسالمًا. 

●     رنين الحق: مغنيات وفنانات فلسطينيات يجندن أصواتهن، يُآزرن الألم، يشددن على الأيادي، يرسمن مشهد غد مزهر. صوتك يا رلى ميلاد عازر هو أحدهم.

ليس هذا بجديد، فاشتهرت النساء الفلسطينيات على مر التاريخ بطرقهن الخاصة بالنضال بأفعالهنّ وحتى بأغانيهن التراثية، جريئة مبتسمة قوية.

المرأة في الرعاية الصحية: الدور الرائد وبصمات التغيير

يُقال إن مولودة القدس د. زينب المحب كانت أول امرأة فلسطينية تزاول مهنة الطب (عام ١٩٥١)؛ قد تخصصت في الطب البشري والجراحة. قبلها العديد من الفلسطينيات عملن في مجالات طبية أخرى كالتمريض والخدمات الصحية. عددهن التصاعدي حتى يومنا هذا وترأسهن مناصب إدارية هامة في مستشفيات ومؤسسات طبية، هي أولى الخطوات الهامة التي تستهل مسيرة التغيير في معادلة الموازنة الجندرية في الرعاية الصحية. القطاع الصحي من أكثر القطاعات الذي يجذب النساء بطبيعتهن المربية والحامية، ولكنه أيضا من أصعب التحديات من حيث المتطلبات وشروط العمل والمسيرة التعليمية الطويلة. أكبر مثال على ذلك هو تخصص الجراحة والعلاج التدخلي، حيث نجد هناك عددًا قليلًا جدا من النساء عالميًا وليس فقط في فلسطين.

بالرغم من ذلك تكسر الفلسطينيات هذه الحواجز بغية إحداث التغيير. فكانت المقدسية د. جورجيت قديس أول جراحة مخ وأعصاب أنثى في فلسطين عام ١٩٧٩، وقد أسست أول قسم جراحة في مشفى رام الله الحكومي. وفي آب من العام المنصرم، أي قُبيل شهرين من الحرب الآنية على غزة، أصبحت د. سارة السقى أولى الجراحات في غزة متخصصة بجراحة عامة، باتت أولى تجاربها المهنية هي هذه الحرب البشعة.

هذا التغيير الجندري غير مقتصر على الطب فحسب بل تكمن أهميته أيضا في الخدمات الصحية النسائية وإيجاد العلاجات المناسبة للنساء الفلسطينيات تبعا لتاريخهن الطبي وبيئتهن. يشير مقال نشر في مجلة  'The Guardian' عن دراسة علمية إلى أن نتائج العلاجات الجراحية التي قدمتها نساء كانت أفضل من زملائهن الرجال ونسبت الأسباب للتقنيات المستخدمة، السرعة والمخاطرة. وتشير الأبحاث إلى أن الكشف والعلاجات المتاحة اليوم طورت تبعا لأبحاث تركزت على الرجل (خاصة الرجل فاتح البشرة). وهذا نزاع طبي بعينه، يحتاج الى وجود عدد نسائي كاف في المستشفيات والمؤسسات البحثية لتمثيل النساء بطرق تشخيصية وعلاجية مناسبة.

وأخيرا لا بد من تبجيل المواقف الإنسانية التي شاهدناها من طبيبات نساء تعرضت حياتهن للخطر لإسعاف مصابين وجرحى وأخريات يستخدمن قوة منصبهن لنشر الوعي.

تقنية نسائية: ابتغاء دور البطولة في ساحة الهايتك والبيوتك الرجولي

كتبت مسبقا أيضا عن أهمية وجود نساء فلسطينيات قياديات لشركات ناشئة، باحثات، عالمات، قياديات في شركات محلية او عالمية، رائدات في مجالي العلوم والهندسة، يكسرن حواجز شخصية وأخرى مجتمعية وسياسية.

ازدياد عدد النساء في مجالي العلوم والهندسة وتنصيبهن وظائف متعددة في صناعتي الهايتك والبيوتك هو أمر جيد جدا؛ فهذا أساس لدمج الأجيال النسائية القادمة بهذه المجالات، من خلال كشفهن، تحفيزهن وتمكينهن. وهذا ما نصبو اليه من خلال عملنا التطوعي في جمعية نساء عربيات في مجالي العلوم والهندسة AWSc، جمعية غير ربحية بمبادرة نسائية فلسطينية كاملة. ابتدأت مسيرتنا قبل ما يقارب عشر سنوات، نقدم للأجيال النسائية المختلفة منصة تشبيك، أدوات وفرصًا تكتسب النساء من خلالها المهارات والشجاعة للإقدام بخطوات نحو هذه المجالات. شيئا فشيئا ومعا بالتعاون مع مؤسسات عربية مجتمعية نصنع التغيير في مكانة المرأة الفلسطينية. نعلم أنها مسيرة ليست وردية بل مليئة بالنزاعات، فالأهم من التمكين التقني، هو التمكين الرقيق كمهارات النقاش والتفاوض، ومهارات التسويق الذاتي وإتقان اللعبة السياسية في العمل، في مجتمع مركب كالمجتمع الفلسطيني حيث تتداخل السياسة بالعرق والدين والأصل والفصل. لكن بشخصية المرأة الفلسطينية صفات مميزة، وبوحدتها مع زميلاتها، المسيرة نحو العدالة الجندرية حتما لامعة، تصارع الواقع المنحاز جندريا برقتها وقدراتها الذهنية.

دور المجموعات النسائية في معاركة التحيز الجندري: هل هنّ طريق الصواب؟

هنا لربما أنشق عن ذاتي وصلب ما أؤمن به للحظات، لأطرح سؤالا راودني أخيرًا ضمن تطلعي على مختلف الحراكات النسائية.

نجد أن الأكثرية من المجموعات النسائية من جمعيات ومؤسسات وحتى أحيانا صناديق الموارد المالية المخصصة للنساء مكونة بالكامل من طاقم أنثوي، أي تقوده نساء فقط.

وهنا أتساءل، هل باستطاعتنا منال التغيير بتركيبة مجردة من العنصر الذكوري، وهي تركيبة لا تمثل الواقع؟

أطرح هنا الإيجابيات والنواقص، كما أدعوك عزيزي/عزيزتي القارئ/ة لطرح رأيك في الأمر ومشاركته.

الإيجابيات: نعم! فلن يحك ظهركِ إلا ظفركِ؛ أدرج لكم أهم النقاط الداعمة:

  1. وجود أنثوي متكامل يستخدم استراتيجيات ومناهج تتناسب مع متطلبات واحتياجات النساء بشكل شمولي.

  2. الحراك غير الربحي يحتاج الى تمويل، وكثيرًا ما تشترط الجهات الممولة تركيبة نسائية متكاملة.

  3. قيادة نسائية تهتم بطرح ومعالجة مواضيع وحلول تلبي الاحتياجات المحددة للنساء والفئات المهمشة (مثلا: التركيز على الأم والطفل والأمراض النسائية). كما نجحت المجموعات النسائية في قطاعات مثل التكنولوجيا والأعمال، في إطلاق شركات ناشئة وبرامج تدريب وحملات مناصرة تعالج الفجوات بين الجنسين وتعزيز مشاركة المرأة.  ويمكن لهذه المبادرات أن تتحدى الصور النمطية وأن تثبت قدرات المرأة. تشير الدراسات إلى أن المبادرات التقنية التي تقودها نساء تعطي كثيرا من الأحيان الأولوية للشمولية وإمكانية الوصولية.

  4. أظهرت الأبحاث أن القيادة النسائية يمكن أن تحقق أساليب إدارية مختلفة تعتمد على التعاون والمشاركة المجتمعية، مما قد يؤدي إلى نتائج أكثر استدامة.

  5. غالبًا ما تقوم المجموعات النسائية بإنشاء مساحات آمنة حيث يمكن للمرأة بناء الثقة وتطوير المهارات القيادية وتبادل الخبرات. كما وتوفر المجموعات النسائية نماذج يحتذى بها للشابات والفتيات من خلال تسليط الضوء على القيادات والمهنيات النسائية ودعمهن، مما يلهمهن لتحقيق طموحاتهن وتحدي الأعراف المجتمعية. ويمكن أن يترجم هذا التمكين إلى مشاركة أكثر حزما وفعالية في المجالات المجتمعية والمهنية الأوسع.

  6. غالبًا ما تشارك المجموعات النسائية في أعمال جذرية التي تؤثر على السياسة وتعزز التشريعات التي تراعي الفوارق بين الجنسين.  ومن الممكن أن تؤدي جهودهن المركزة إلى تغييرات كبيرة في السياسات التي تعالج التحيز الجنسي.

النواقص: كلا! فلا يمكن موازنة طعام شديد الملوحة بإضافة كميةٍ موازية من السكر، لكم أهم النقاط النافية:

  1. يمكن أحيانًا اعتبار المجموعات النسائية حصرية، مما قد يعزز الفصل بين الجنسين بدلاً من تعزيز التكامل والتعاون بين الجنسين. كما وقد تفوت هذه المجموعات الفوائد المحتملة من تضمين الحلفاء الذكور الذين يدعمون المساواة بين الجنسين ويمكن أن يساعدوا في تحدي وتغيير المواقف داخل المجتمع الأوسع.

  2. قد يكون للمجموعات النسائية تأثير محدود في الصناعات التي يهيمن عليها الذكور أو هيئات صنع القرار، حيث يمكن أن يساعد وجود حلفاء من الذكور في تضخيم جهود الطرفيْن وتحقيق تغييرات أكثر أهمية.

  3. قد تواجه مجموعات نسائية تحديات في الوصول إلى التمويل والموارد، خاصة في البيئات التي يتم فيها إعطاء الأولوية للمجموعات التي يقودها الذكور أو المجموعات المختلطة بين الجنسين أو تكون أكثر وضوحًا للجهات المانحة.

  4. قد يؤدي وجود مجموعات نسائية فقط إلى تعزيز الصور النمطية عن غير قصد بأن النساء بحاجة إلى مساحات منفصلة لتحقيق النجاح، بدلاً من القدرة على المنافسة على قدم المساواة في بيئات مختلطة بين الجنسين.

  5. من خلال العمل بشكل منفصل، قد تحد هذه المجموعات من الفرص المتاحة للنساء والرجال للعمل معًا والتعلم من بعضهم البعض، وهو أمر بالغ الأهمية للقضاء على التحيّزات بين الجنسين وتعزيز التفاهم المتبادل.

  6. قد تواجه المجموعات النسائية أحيانًا مشكلات ديناميكيات داخلية، مثل الصراع على السلطة، أو الافتقار إلى وجهات نظر متنوعة، أو مشكلات الشمولية داخل المجموعة نفسها. كما وفي بعض الأحيان قد تكافح هذه المجموعات لمعالجة الجوانب المتداخلة للمساواة بين الجنسين، مثل العِرق والطبقة والهويات الاجتماعية الأخرى، مما قد يتجاهل احتياجات النساء الأكثر تهميشًا داخل المجموعة.

  7. قد تقوم المجموعات المكونة من الإناث فقط بشكل غير مقصود بتعزيز الأفكار المتشابهة دون تحديات كافية، مما قد يؤدي إلى خنق الابتكار وأساليب متنوعة لحل المشكلات.

  8. دون إشراك الرجال في المحادثة والجهود المبذولة لتحقيق المساواة بين الجنسين، قد تجد هذه المجموعات صعوبة أكبر في إحداث تغييرات مجتمعية أوسع، حيث لا يزال الرجال يتمتعون بقوة ونفوذ كبيرين في العديد من المجالات.

الخلاصة

بمجرد طرح جميع النقاط سابقا الداعمة والنافية، من الطبيعي الاستنتاج أن الحاجة ماسة لاستمرار عمل المجموعات النسائية بدورها الأساسي؛ لاعتبار حقها ومكانتها المهنية والمجتمعية والاقتصادية. لكن على هذه المجموعات أن تعي أهمية الموازنة واعتبارها؛ ما يتضمن التعاون مع المبادرات المختلطة بين الجنسين أكثر، استخدام الحوارات الشاملة كطرق لتعزيز فكر التغيير وتطويره، والتحالف مع نشطاء ذكور ملتزمين بالعدالة بين الجنسين، ومشاركة الموارد والتأكد من شمولية معالجة القضايا لتمثيل جميع النساء. كما من المهم الفصل بين المساواة والعدالة، ففي العديد من الأحيان المساواة ليست الحل الملائم لمجرد الاختلافات الطبيعية بين البشر.

متينة في السراء والضراء

أنهي مقالتي لهذا العدد مؤكدة أن دور المرأة في حالات النزاع هام جدا وجوهري، وأن المسيرة ما زالت في بدايتها، تتطلب نفسًا طويلًا، وقوة إرادة وصبرًا؛ وهذه جميعها صفات تتسم بها المرأة الفلسطينية، فهي هي مرآة لفلسطين، متينة في السراء والضراء. 


ملاحظة: أدرك أن هنالك أصعدة أخرى لم اتطرق اليها، فعجز قلمي عن الشمولية من ضمن نشرة واحدة مقتضبة، فإن نضال المرأة في مسيرتها واسع ومتعدد، من الفن والأبحاث والاعمال التطوعية والحراك السياسي وما الى ذلك. منكن المعذرة.

الصورة: للمصوّر معتز عزايزة.

د. حنان خميس

مهندسة مختصة في مجال الهندسة الطبية، مديرة منتج في شركة Siemens Healthineers  الألمانية، ومؤسسة شريكة لجمعية نساء عربيات في مجالي العلوم والهندسة AWSc.

شاركونا رأيكن.م