قضية رقم 269/69- المعتقلون محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران للمحكمة العليا: نريد أن نصوّت

ما زال موضوع منح المعتقلين والسجناء المحكومين الحق بالتصويت غير محسوم دوليًّا. فبعض الدول تجيزه دون قيود (مثل أوكراينا وإيرلندا والدنمارك وإسبانيا) وبعضها تحظره نهائيًا (مثل جورجيا وروسيا وأرمينيا وبلغاريا) والبعض يتيحه وسط قيود متعلّقة بنوع المخالفة القانونيّة التي أدين بها السجين أو العقوبة التي ترتبت عنها (مثل النمسا وإيطاليا وفرنسا).

أما في إسرائيل فقد حسم الموضوع نهائيا في منتصف الثمانينيّات (1986) بعد تعديل قانون الانتخابات الإسرائيليّ لعام 1969 بحيث أجيز لكل مواطن إسرائيلي موجود في منشآت السجون والمعتقلات ممارسة حقه بالتصويت بشكل مطلق ودون شروط. أتى هذا التعديل بعد سلسلة من الالتماسات إلى المحكمة العليا ابتداء من سنوات الخمسينيّات وحتى سنة 1984.

في عام 1959 تقدم معتقل (مواطن) إسرائيلي يدعى نويمان جيلر بالتماس إلى المحكمة العليا للسماح له بالتصويت للكنيست الرابعة إلا أن المحكمة رفضت طلبه لعدم توفر أي مخرج قانونيّ للتغلب على القانون الذي يحدد الترتيبات يوم الانتخابات وتوزيع صناديق الإقتراع وفقًا لعناوين السكن. فطالما لا يتطرق القانون لمن يتواجد بعيدًا عن مكان سكناه قسريًا (مثل المعتقلين والسجناء) فإن المحكمة لا تستطيع أن تخلق منظومة خاصة للتصويت تتناقض مع ما جاء في القانون.

بمضي 10 أعوام وعلى الرغم من عدم وجود أي تغيير على المستوى التشريعيّ وصلت قضية حق المعتقلين بالتصويت المحكمةَ العليا مجددًا. كان ذلك عام 1969 حينما التمس الحزب الشيوعيّ الجديد (راكاح) والمعتقلون محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران المحكمة العليا الإسرائيليّة مطالبين السماح لهم ولتسعة وعشرين معتقلًا آخر بالخروج المؤقت من المعتقل لممارسة حقهم بالتصويت للكنيست الإسرائيليّ بالدورة السابعة للانتخابات آنذاك. ويستدل من قراءة قرار المحكمة (التماس رقم 269/69) بأن كل المعتقلين كانوا من مرشحي الحزب الشيوعي أو من نشطائه والذين، بتخميني، تم اعتقالهم عشية يوم الانتخابات لأسباب سياسيّة ومن هنا يمكن التخمين بأن تقديم الالتماس جاء كرد فعل سياسيّ على ممارسات قمعية بحقهم استهدفت تقويض عملهم السياسيّ خلال فترة الانتخابات وحقهم في التصويت يوم الانتخابات. أقول بتخميني لأنه لم يتم ذكر أي خلفية لاعتقال النشطاء بقرار المحكمة وسأتناول أهمية الأمر لاحقًا.

رفضت المحكمة العليا الالتماس مستندة إلى ما جاء في قضية نويمان أعلاه مشددة بأن حرمان المعتقلين درويش وآخرين لم يستهدفهم شخصيًا وإنما هو نصيب كل المعتقلين وحتى المرضى بالمشافي الذين لا تصلهم صناديق الاقتراع. على ما يبدو فإن طمأنة المحكمة المعتقلين بأن حرمانهم حق التصويت لا ينحصر فقط عليهم لم يأت من فراغ وإنما من ادعاء الملتمسين بأنه تم اعتقالهم بشكل تعسفي ليس إلا من أجل تقويض نشاطهم السياسي خلال الفترة الانتخابية وحرمانهم من الحق بالتصويت للحزب الشيوعي علمًا أن انتماءاتهم الحزبية واضحة جدًا. لم يتطرق قرار المحكمة بتاتًا لخلفية اعتقال الملتمسين الأمر الذي قد لا نراه بأي قرار يعنى بقضايا الأسر والاعتقال بحيث تقوم المحكمة عادة بتشويه قضية الفرد الحقوقية بطريقة غير مباشرة يتم فيها استعراض أعماله أو الشبهات المنسوبة إليه وخلق حالة من النفور المسبق منه، على الرغم من أن لا علاقة بين الشبهات المنسوبة او التهم التي أدين بها وبين المطلب الحقوقي العيني. أما في قضية محمود درويش والمعتقلين الآخرين فيبدو أن هشاشة الشبهات وخلفيتها السياسيّة منعت المحكمة العليا من عرض تفاصيلها إما لأنها لن تشوه سمعة المعتقل وإما لتخوّفها من أرشفة وتأريخ الاعتقالات السياسيّة قضائيًا. أكاد أجزم بأن المحامية التقدمية فيليتسيا لانغر التي ترافعت عن المعتقلين ادعت أمام المحكمة كتابة وشفويًا بأن الحديث عن اعتقال سياسي مبيّت؛ الغرض منه تقويض العمل السياسيّ وضرب الحزب الشيوعي بما في ذلك التقليل من عدد المصوّتين له وإقصاء البارزين منه عن الساحة السيّاسية والعمل الميدانيّ عشية يوم الانتخابات. وإن صح تخميني أعلاه فعندها لا عجب من تجاهل ادعاء الاعتقال السياسيّ والامتناع عن ذكره حرفيًّا في القرار لا بل الاكتفاء برد تطييب الخاطر والذي غيّب خصوصيّة القضية بالمقولة "مش بس انتم محرومين من حق التصويت إنما أيضًا كل المعتقلين" وكأن لا علاقة بين سبب الاعتقال والنيّة المؤسساتيّة للحرمان بواسطته من الحق بالتصويت. إن استناد المحكمة العليا بقضية درويش على مسوغات قضية نويمان (1959) وتجاهل ادعاء الملتمسين السياسيّ ما هو إلا محاولة لتجريد القضية من جوهرها السياسيّ وتجنب توثيق الملاحقة السياسية مستعينة بقضية نويمان. ففي حين طرحت قضية نويمان موضوع حق المعتقل بالتصويت عامة أتت قضية محمود درويش لتطرح سؤالًا مغايرًا: هل يجوز أن نحرم معتقلًا من حقه بالتصويت حينما تكون دوافع اعتقاله هي بذاتها سلب حقه بالمشاركة السياسيّة والتصويت؟ وهل يجوز التعامل مع اعتقال نشطاء سياسيين عشية الانتخابات كاعتقال لص حاول سرقة حانوت ملابس ليلة الانتخابات أو معتقل بشبهات جنائية أخرى كالمعتقل نويمان؟

وصلت قضية تصويت السجناء للمحكمة العليا للمرة الثالثة عام 1981 ورفضت المحكمة الالتماس بادعاء أنه قدم باللحظة الأخيرة مما لا يترك أي مجال للتمعّن والخوض بالسؤال الدستوري الجوهري. إلا أن أحد القضاة أشار بملاحظة هامشيّة أن على المشرع أن يقوم بتعديل القانون من أجل إتاحة فرصة التصويت للسجناء والمعتقلين. وفي العام 1984 تم للمرة الأخيرة تقديم التماس بنفس القضية كانت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل من بين الملتمسين فيه (337/84). وكان هذا الالتماس هو الأول الذي بتت فيه المحكمة بالقضية المبدئية بإسهاب وأقرت بالإجماع أن للسجين الحق بالتصويت ووجب على المشرع تعديل قوانينه بالشكل الذي يضمن للسجين ممارسة حقه وهذا ما تم تبنيه بالفعل سنة 1986 بالكنيست الإسرائيلي ليتم السماح من بعدها للسجناء والمعتقلين المواطنين بالتصويت للبرلمان الإسرائيلي.

وبهذا يكون خطاب المحكمة المبتور والمشوّه للحقائق قد أدرج قضية محمود درويش وسميح القاسم ضمن القضايا الحقوقيّة التي تناولتها المحكمة الإسرائيليّة والتي طالب فيها المعتقلون ممارسة حقهم الليبرالي بالتصويت كمواطنين في حين أن درويش ورفاقه لجأوا للمحكمة ليس من محل اعتراف بحق سلب بشكل تلقائي مع الاعتقال كما حال الآخرين بل حق دستوري حرموا منه بواسطة الاعتقال عنوة وبشكل متعمد. قد يكون المنبر القضائي الملائم لإثارة الموضوع هو المحكمة التي تناولت الاعتقالات السياسية للنشطاء بادعاء أنها سياسية وباطلة وليس المحكمة العليا. لا أعلم إن كان الموضوع قد أثير ضمن جلسات تمديد اعتقال درويش وباقي النشطاء. كل ما أستطيع تكهنه الساعة أن اللجوء للمحكمة العليا سنة 1969 على يد نشطاء فلسطينيين والمحاربة من أجل التصويت للكنيست الإسرائيليّ لا بد أن يكون رد فعل قانونيا سياسيا مقاوما ضد محاولات قمع سياسيّة لم تر المحكمة العليا داعيًا حتى أرشفتها ولو من باب الإنصاف التاريخيّ والنّزاهة.


المحامية عبير بكر

محامية ومستشارة قانونية متخصصة في مجال حقوق الإنسان

رأيك يهمنا