فيا نار كوني بردا وسلاما على قلوبنا!

تتغير أماكن مراكز الحكم في العالم وتختلف مواقعها الجغرافية نجدها تارة في الشمال وتارة في الجنوب والأوفر حظا تكون عاصمتهم في وسط البلاد! فكلما ابتعدنا عن العاصمة خف وهفت وهج نور الخير بها إلى أن يغيب تماما، فاعلم أنك قد وصلت إلى حيث من هان عليهم كل شيء إلا أمر واحد لا يفرطون فيه وهو أرضهم!

لسهولة العمل في أطراف البلاد يصطاد من أبناء جلدتهم من لا يرتوي من بحار الدنيا وإن جاؤوا بمثلها ذهبا! ليوهموهم أنهم أحذقهم وأعزهم وأعلمهم بحسن إدارة أمورهم وأن لا جدوى لمن يود التقدم للمشاركة في الحكم معهم لأن لا مقدرة لهم بمجابهة أعلاهم قدرا!

ينتعل المواطن ثوب الثقة في مفترسيه موقنا أنه أتى ذاك الزمان أن يحكم القطيع الذئب دونما غدر وخيانة ويكمل حياته البائسة بكل سرور وذلة وضياع حقه يسير بيسر من تحت قدميه! بعد أن يبلغ من العمر عتيا يفيق على واقع كئيب خاسئ وقد انحنى ظهره وشاب شعره وهو ما زال على حاله وقد استغنى من ورائه ذلك الذي حسبه أمينا حذقا عزيزا وفيهما!

آه منك أيها السرطان، تتوغل وتستوطن في أجسادنا وتستولي عليها دونما دراية منا ولا نشعر بك عند إلا عند اقتراب المنية، لست كالشوكة ما أن تقترب منا يفجعنا ألمها وبسرعة نقتلعها فلا تبقى ولا يبقى وجعها!

ذلك الصياد كان عونا للكسول المطمئن الذي لن يخذله الذئب الشره في أي أمر مهما بدا مرعبا أو غير متزن! يبعث له برسالة عقيمة على الجوال، فينجز ما طلبه على الفور!!

النقب.. يا نقب!

أكثر من ثلثي مساحة البلاد يستوطنه عدد قليل من السكان فلا يصل أفراده عربا ويهودا إلى مليون وثلاث مئة ألف مواطن!

يشترك في آماله وآلامه مع باقي سكان الدولة إلا أنه يحمل كيس الحزن الأكبر فما تبتعد عن بئر السبع عاصمة النقب حتى يبدأ انسلاخك تدريجيًا عن الحضارة والمدنية الطاغية على المثلث والشمال! ولعل الجليل الأعلى يعاني أيضا كثيرا لكن ظروف المناخ تحسن من المزاج العام، والتضاريس ووجود البحر أيضا!

على الرغم من محاولة الأهالي المستمرة في تحسين ظروف الحياة من أجل أن تحافظ على سيادتها المتعبة!

يقاوم المواطن النقباوي ظروفه الصعبة بحكمة وروية فهو لم يخرج منذ زمن طويل من حال أصعب وأحلك وما زال البيت الحديث يتوسد بحظيرة غنم كما عند أهلي! ومضافة ومطبخ وحمام، إضافة للمطبخ والصالون والحمام الداخلي أيضا كما عند أهلي أيضا!

لقد قل بشكل ملحوظ وجود حظيرة الأغنام أو اسطبل الخيل أو قن الدجاج إما بسبب القوانين الجديدة التي وضعت حديثا أو للبناء مكانها للزوج للزوجة الثانية أو لبيت الابن لكنها ما زالت.

جاءت قوانين الدولة الجديدة لتعيد كتابة ثقافة الترحال والتنقل من جديد، ربما استجابة من الأقدار لتضرع الأجداد للعودة للحياة الأصلية أو "لغاية في نفس يعقوپ" لا نعلمها!

ساهم أصحاب السلطة المنتخبين بشكل رهيب في إنجاح وانجاز هذا القرار أو القانون فها هم مثلا في بلدي رهط سرقت أحلام الشيوخ الركع ووهبت للأطفال الرضع فما إن تمر من مشروع "رهط جنوب" حتى تجد غالبيته مبان غير مأهولة بالسكان في حين تعاني البلد من أزمة سكنية خانقة وحارقة، من تسمح له ميزانيته يبدأ بالترحال كالماضي إما للبلدة اليهودية المجاورة "لهابيم" أو بلدات الضفة الغربية القريبة أو بئر السبع وغيرها. فيما سيتم نقل قرية غير معترف بها برمتها إلى رهط باتفاق سري قديم، دون علم الأهالي وموافقتهم كالعادة! كما هو حال "مخطط برافر" الذي واجهه أهالي النقب وإسقاطه إلى غير رجعة!

قد تم ترحيل عوائل من أراضيهم الى قرى ثابتة كما حدث مع السبع البلدات الثابتة الاولى! وطبعا من يستولي على الأراضي المعدة للسكن يستولي أيضا على المناقصات والوظائف المطروحة والمتاحة فيها، دون أي حق وأي خجل!

ممنوع منعا باتا على المواطنين المنهوبين المخذولين التعبير عن غضبهم الهادئ فسيخرج ثعالب السلطة بزجرهم وإخبارهم بالمعاناة التي عاشوها كي يمدونهم بالأوكسجين الذي يتنفسون والذي نسي الجميع أنه من أفضالهم الجمة وأن المواطن قليل الشكر كثير الضجر لا يستحق حكاما مثلهم، بل أكثر شراسة!

يصدق المواطن أنه غير مؤدب مع ملائكة الارض!

بدأ المواطن يلجأ إلى المحرمات كي يستمر في الحياة! فمثلا تشهد رهط في الآونة الاخيرة زيادة ملحوظة في إطلاق النيران ومن الطبيعي أن من يلجأ إلى تلك الأعمال المجرمة والمحرمة هم أراذل القوم ومن يوكل بتلك الأعمال هم شباب. خرجوا لتوهم من المراهقة وما زالت رحاها تدور بهم ليقع ضحية رصاصهم شباب مثلهم إما الى المقبرة أو زوارا دائمين في المشافي والعيادات، أما عن المروعين فحدث ولا حرج!

تكاثرت محلات الطعام وخاصة المقاهي العصرية التي تعرض الحلوى الغربية الغنية بالسكر والتي تساهم بشكل أو بآخر في رفع نسبة المرضى وبالأخص مريضات السكري في النقب بشكل كبير ومقلق جدا!

عدم توافر محلات بيع الكتب (لا أعني هُنا الكتب المدرسية) للمطالعة. لقد توفرت لدينا أغلب المعروضات في الشبكات التجارية إلا تلك العروض قد غذينا الجسد وبقيت الروح تتوق لمن يفكر بها وينميها لترتقي بأمة اقرأ. نتوق لشم رائحة الورق وتقليب قصص كشكش ولوزة! وكتب الطبخ التي لم أتعلَّم منها وصفة منطقية! فالصورة شيء والطريقة عالم آخر! ومن يرغب في اقتناء كتاب يقصد مكتبة "دنديس" أو دار العماد في مدينة الخليل. أكثر الأهالي توكل الكتب المدرسية مهمة تثقيف الأبناء، والأغلبية تعول على المدرسة بذلك في حين أن المدرسة عاجزة أيضا عن تقديم خدماتها الأساسية. إما لضعف المعلم فنسبة ليست قليلة عينت بطريقة خاطئة وكذلك المدراء! أو بسبب القوانين الخانقة التي فرضها "اللطفاء" وإن قرأت بالتاء بدل الطاء لكانت أدق لما أقصده من علماء النفس في عدم مَس الطالب بأي شكل لأن ذلك سيؤذيه واختيار معلم بالواسطة سيرفع من شأنه عاليا جدا!

نعاني من قلة الأطباء الأخصائيين واللجوء إلى عيادات الضفة الغربية وقد كانت بالإضافة إلى نجاعة العلاجات التي قدمت لنا حالات استغلال للمرضى كثيرة ومن قبل الصيادلة أيضا!

فَلو تحسنت جودة التعليم وخففت الشروط التعجيزية للمتقدمين لدراسة الطب في الجامعة وتوجيه الأهالي أبنائهم إلى رسم اختصاص معين ودراسته! كذلك لا يوجد بأي منطقة عربية معهد للتصوير الطبي وكثيرا ما نرتاد "كريات جات" و "اوفاكيم" الأصغر من رهط إضافة لبئر السبع لذلك الغرض! أرجو توفير الخدمات الطبية المختصة بالتصوير الإشعاعي وافتتاح فرع في مدينتي رهط، وأيضا من أطباء بلدي بافتتاح معهد مشابه لسد حاجة الأهالي.

بناء منتزه كبير يحتوي ألعابا مائية للتنفيس عن القلوب المتعبة صغارا وكبارا فمئة أو أكثر شخص في نفس البيت بحاجة للترويح يوميا عن نفسه في مكان هادئ ومريح يتاح الدخول إليه من قبل الجميع ولا يكون حكرا على الميسورين فقط سيما بعد طرد العامل للعرب من "منتزه لهابيم" بقوله اذهبوا حيث بلداتكم!

وبما أن النقب يفتقر إلى المساحات المائية فقد قامت البلدات اليهودية باختلاق مشروع جديد وهو صنع برك مائية تسد حاجة السكان من رؤيا الماء والتلذذ بمشاهدته! برأيي مشروع كهذا يكفر عن جزء بسيط من الأخطاء التي ارتكبت بحق المواطن الضعيف ويفيده أكثر من "برج ساعة" أو بناية مدخل البلد!

مشاريع بائدة وفانية لا فائدة ترجى من إعادة نسخها وتكرارها، النقب يعود لسابق عهده لكن ليس على هوى أهله وأهوائهم. فيا نار كوني بردا وسلاما على قلوبنا!


مصدر الصورة المرفقة للمقال.

ريتا أبو الطيف

ناشطة اجتماعية ومديرة مشاركة في منصة "هُنا الجنوب"

رأيك يهمنا