لنْ أَخرجَ من كُحلي

أو لونِ أحمر شفاهي...

لن أخطّ من جديد لونَ عينيَّ.

أو لون شعري.

سأمشي كما أعرف،

أرفعُ من صوتي بقدرٍ يكفي لمن يريد

أن يسمعَ كلامي.

إذا صرخْتُ،

اِعلموا أنَّ جَديلتي سجينة!

في رحمي أَسرارُ الحياة

وفوق كتفيّ تغفو قبيلة..

 

كلّما جاء آذار، تذكّرتُ ذاك الوجع الدفين، انهالت عليَّ الذكريات كوابلٍ من رصاص العدم. لِمَ لا.. والجسدُ يحمل في كلِّ نقطة منه ذكرى؟! ليس آذار وقت للتوصية، لعلاج الإحباط، الوجع وسكرات الخذلان المتكرّر. هو وقتٌ على المرأة فيه أنْ تحتفل كما يجب، لذلك فقط عليَّ أن أخوضَ الكتابة، لتحرّر من بعض الترسّبات. لربّما، لست أمرُّ بكوارثَ طبيعيّة كزلازل أو فيضانات، لست أعيشُ على حوافّ الطرقات، استجدي معونة... نعم، لستُ كذلك، لكنّي أحتوي مجتمعًا كمجتمعي "يخاف سوء السمعة"، ويختبئ تحت "بساط الشرف والأصول"، وتنطوي عاداته الكثيرة على خذلان المخلوق المسمّى "امرأة".

لربّما أُبالغُ أحيانًا كثيرة في مشاعري، لكنَّ مشواري المنقضي خلال متابعتي تعليمي العالي، المشوار الذي بدأته منذ اللقب الثاني حتّى اللحظة الّتي سلّمتُ فيها رسالة الدكتوراة علّمني الكثير. لقد صنع من جِلدي سطحًا لكوارث طبيعيّة، فأَضْحَت تقلُّباتي المزاجيّة أَحد عوارِضه. قَد يتساءَل جمهور القارئين من الرجال؛ "هل يا تُرى تقع المسؤوليّة على الرجل في مشاكل المرأة؟! وأجيب بصدقٍ وافر: لا! لا تعاني المرأة في حياتها بسبب عيشها في مجتمع ذكوريّ في الغالب، فنحنُ، في هذه الآونة على الأَقلّ، نعيش مرحلة من زيادة وعي الرجال بما تحقّقه المرأة من إنجازات على المستوى المجتمعيّ والسياسيّ.

إذا، أين تكمن عللُ هذه المشاعر؟ وما هي مسبِّباتها؟ لا أعرف إذا كان بَوْحي بأسباب هذه الحالة العنفوانيّة يُعتبَر خيانة لبنات جنسي، لا أَعرف إِذا كانتْ بعضُ أَفكاري قدْ تودي إلى لَبْسٍ أَنا بغنى عنه. لكن، على الحقيقة أنْ تُقال وتُسمَع رغم صعوبتها. برأيي، ما زالت تقبع أسباب مشاكل النساء في أيّامنا في المرأة نفسها أو في امرأة أخرى. نصاب المجتمع الذكوريّ غير محمولة على كاهل الرجال فقط، للمجتمع الذكوريّ مرسِّخات حقيقيّات منهنّ الغارقات في هموم رسمْنَها لأنفسهنّ كطول أظافرهنّ، لون شعرهنّ وعلوّ كعبهنّ. آه منهنّ! إنّنا، معشرَ النساء، من نوافق على "تشيئتِنا"، نحنُ من نوافق على تحويلنا إلى سلعةٍ تروّج لها الشركات العالميّة. لستُ مِنَ المدعيّات أن تخرجَ المرأة بأبشع الأشكال وأسوئها إلى العمل صباحا، بل أنا من الراغبات بنشر وعي لأَهمّيّة أن تهتمّ المرأة لعقلها وروحها قبل شكلها.

وإذا وقفتُ عند الشريحة الأخرى من النساء، هؤلاء اللواتي يحملْن راية الحفاظ على "أصول المجتمع وتقاليده" وبعض "فنون التدبير المنزليّ" وشيء من "فنون الطبخ"، أنوّه، أنّي لست أقول إنّ هذه ليست من مهامّ المرأة، على العكس تماما. لكنْ، ما رأيكم ورأيكنّ؟! بنساء تجالسنَ أخريات في جلسة قهوة صباحيّة يكونُ موضوعها "الكنّة العفنة"، أو جلسةٍ أخرى فيها "لفّ ورق ونقر كوسا" موضوعها "العروس الّتي لا تُجيد قليَ بيضةٍ للآن!"، لأنّها مشغولة بدراستها تعيش على مؤونة أمّها من الطعام! نعم، إنّها أحاديثُنا، نحنُ النساء عن النّساء. ولو اختارت إحداهنّ، من المتزوّجات، أن تتابع تعليمها، فسيكون أوّل ما تسمع عندما تعرضُ الفكرة أمام بعضِهنَّ "ربّي أَولادك بالأوّل...هنّي أولى بوقتك"؛ ومن قال إنّ علم المرأة وتثقّفها يعني بالضرورة إهمالها لأولادها، أليس جميلًا أن تسمع ولدها يسألها: "ماما، عن شو عم تدرسي بالماجستير؟!" أو أن تذهبَ معهم إلى الجامعة في رحلةٍ لجلب مؤونتها من كتبٍ ومراجع.

لنْ أدعو أن تغفرَ لي النساء الأخريات من قارئات هذه المقالة، بقدر ما سأدعو إلى فهمي ونشر الوعي الّذي قد تخلقه امرأة لأخرى. إذا كانَ الأذى الّذي تلقاه من رجلٍ صعبًا، فإنَّ الأذى الّذي ستلقاه من امرأة أخرى جرّاء عدم تفهّم أو مراعاة للشعورٍ سيكون أصعب بكثير. يتحقّق رأيي في قولِ الشاعر ناظم المعلّقة طرَفة بن العبد في بيتٍ شهيرٍ:

وَظُلْمُ ذَوي القُربى أَشدُّ مضاضةً عَلى المرءِ من وقعِ الحسامِ المهَنَّد

وإذا نظرنا إلى برنامج المرأة اليوميّ كتحضير طعام اليوم، كانتهاك قواها في أكوام الغسيل الّتي لا تنتهي... في غسلِ أطباقٍ تتراكم عنوة، في كيّ أقمشةٍ قد لا تعدّل مسارَها أبدًا... في الكثيرِ، الكثيرِ...  في هذه المتواليّة المشحونة بتنكّرات للنسويّة تذوب الكثير من أفكارها، خاصّة تلكَ الّتي تحتاج إلى جلوسٍ متواصل، وقراءة مُمعِنة. وهنا أترككنّ مع أسئلة لا زالت تؤرقني: هل حقّا خُلقِت المرأة لتفكّر فقط في "كيفيّة ضبّ الملوخيّة (خضراء أم مسلوقة)؟ هل خُلقَت لتجلس ساعات تلفّ أوراق العنبِ وتحشو الكوسا لتؤكَل هذه في غضونِ ربعِ ساعة أو دقائق معدودة؟ هل حقّا، تَكَوَّنَ هذا المخلوق المسمّى امرأة، ليُثبِثَ للعالم من حولها، خاصّة غيرها من النّساء "كبيرات السنّ"، بأنّها طاهية ممتازة ومنظّفة "شاطرة" لا تتركُ أثرًا للغبار فوق أثاث منزلها أو لبعضِ العفنِ صعب الرؤية فوق مرحاض بيتها...

والحقيقة أنّني ما زِلتُ أفكّر، في مقاييسنا المُجتمعيّة المقيِّمة للمرأة، وما زلت أَهذي في ذاتي "هل حققتُ نجاحًا، بحسبِ هذه المعايير الطاغية؟!"، قد يقول البعضُ إنّني "نِسويّة متطرّفة في أفكارِها"، لكنّي لستُ كذلك، بقدر كوني محتاجة لوقتٍ أكون فيه ذاتي... بعيدة عن كلّ هذه المقاييس. إنَّني أَطمحُ بأَلّا يبقى الغُبار فوقَها، وألّا تتعفّن ذواتنا وهي تُقيّم بحسبها، فتصبحُ قابعة في قاعِ مجتمعٍ زائف!

شيرين تناصرة - برغوت

معلمة لغة عربيّة، شاعرة وطالبة اللقب الثالث في اللغة العربيّة

جورج زيدان
معلمة رائعة و مقال جميل ورائع
الأربعاء 1 آذار 2023
غدير عبد النور
ليس بالامكان اروع وابدع مما كان
الأربعاء 1 آذار 2023
اليس برغوت
اهنيك واهني كل من كان يقف بجانبك ويدعمك
الأربعاء 22 آذار 2023
رأيك يهمنا