أن تَصِفَّ من تقتلهم بأنهم "حيوانات بشرية"، وتبرر قتلهم بأنهم "أعراضًا جانبية"

صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، غالانت: "نحارب حيوانات بشرية"، هذا الوصف يشبه تماًما الوصف الذي أطلقه المستعمرون في أميركا الشمالية على السكان الأصليين، بأنهم البيئة التي تولد القمل، ووصف التوتسي بأنهم صراصير.

تصريح غالانت بأنه "يحارب حيوانات بشرية"، ينازع خطابًا يبرر إبادة الفلسطيني. يتحدث آدم جونز أن "إزالة القمامة" و"طرد الذباب" و"القضاء على الآفات"، أصبح للإبادة الشاملة خطابًا دعائيًا، يجري فيه تبرير قتل الضحايا، ليس فقط عبر التعامل معهم بدونية، وهو ما يحيلنا إلى الدونية، بل باعتبار موتهم ضرورة للبشرية، لأنهم ليسوا بشرًا، وإنما حيوانات، وحيوانات متوحشة.

أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بأن أكثر من 14,873 طفل و9,801 امرأة استشهدوا، فيما يعتبر  أكثر من 7,000 مواطن في عداد المفقودين معظمهم من النساء والأطفال، وذلك وفقاً لسجلات وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة،[1] إنها لمفارقة، ففي الوقت الذي يصف فيه غالانت بأنه يحارب "حيوانات بشرية"، وهو الفعل الذي يُحيل إلى نوع من القتال بين طرفين، نجد بأن قرابة 70% من الشهداء، هم من النساء والأطفال، يعني هذا، أن قتل النساء والأطفال ليس محض صدفة، بل بالأحرى ليس عرضيًا أو أعراضًا جانبية كما يتم تبريره في تصريحات الجيش. وإنما قتلهم هو الجزء الأهم المستهدف في هذه الحرب، وأثناء ذلك فإن الخطاب الدعائي للإبادة "حيوانات بشرية"، لا يبرر القتل، بل يعطي مسوغًا لضرورة القتل وأهميته.

أفاد تقرير استخباراتي نقلته شبكة "سي إن إن"، بأن تقييمًا للاستخبارات الأميركية، وجد أن قرابة نصف القذائف التي قصف بها الجيش الإسرائيلي غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي هي من القذائف غير الموجهة، المعروفة بـ"القنابل الغبية"، وتوصف بالغبية لأنها ببساطة تسقط على الأرض دون أن توجه نفسها إلى هدف محدد بشكل فعال،[2] وعلى غرار ذلك، نتساءل، كيف يوصف  استشهاد هذا العدد الكبير من النساء والأطفال وتبريره بوصفه "عرضيًا"، وفي الوقت ذاته تغرق غزة، مدينة المكعبات الاسمنتية، تحت قصف  القذائف العشوائية "القنابل الغبية".

غزة مدينة المكعبات الاسمنتية

غزة مدينة المكعبات الاسمنتية، تنتشر على كل شبر منها عمارات سكنية تمتلئ بالعائلات، وقد أصبح ما يقارب 70% من هذه الوحدات السكنية مدمرة كليًا أو جزئيًا منذ السابع من أكتوبر. وبنظرة سريعة، ندرك أن إسرائيل ارتكزت في حربها على قصف البنايات السكنية.

ولكن لماذا البنايات السكانية بالذات؟

كثيرة هي الأسباب، ولعل السبب الأهم في سياق هذه المقالة، هو استهداف النساء والأطفال، وبقتل إسرائيل لإمرأة واحدة، تقتل احتمالية إنجاب خمسة أطفال على هذه الأرض، إنها لحظة الانتقال من قتل المقاوم، إلى قتل الرحم الذي قد يأتي به. بالتالي: يضحي المكان الآمن "البيت"، هو المستهدف بالتدمير باعتباره صيغة للموت تستهدف النساء والأطفال الفلسطينيين بشكل متعمد، أحاول القول: إن قتل النساء الفلسطينيات في الحروب الإسرائيلية على فلسطين، سواء أكان متعمدًا أم عرضيًا، شكّل عمليًا أحد أهم الطرق لتنفيذ سياسات التخلص من المرأة الفلسطينية بسبب دورها في التكاثر وضرب قوة التكاثر كما يسميها آخيل ممبي في كتابه سياسات العداوة في سياق حديثه عن الموت والعدم: هذه القوة التكاثرية التي يملكها جسد المرأة الفلسطينية تضحي هدفًا للموت.

تدرك "إسرائيل" أن من بداخل هذه البنايات هم النساء والأطفال. تعلم ذلك، بسبب التكنولوجيا التي توظفها إسرائيل في حربها والتي تكشف بواسطتها عن أهدافها وبدقة، وهي تدرك ذلك لأن إسرائيل تعتمد في إدارة حروبها على أنماط التفكير الفلسطيني، التفكير الذي يعتبر البيت المكان الآمن للنساء والأطفال، وبالتالي، فإن المكان الآمن "البيت" الذي يتماهي في الوعي الفلسطيني، استهدفته إسرائيل عبر التدمير وقتل النساء والأطفال بالأساس، هذا يحيلنا إلى الكيفية التي تبنى فيها الحروب أهدافها بالاستناد إلى التصورات المحلية، ففي الوقت الذي تصرح فيه إسرائيل أن قيادات حماس هاربة في الأنفاق، تقصف المباني السكنية التي تحتمي بها النساء والأطفال بشكل خاص، ما يحيلنا إلى أن الهدف المهم، على ما يبدو، هو التخلص من المرأة التي تنجب الأطفال، والأطفال الذين سماهم نتنياهو في تغريدته على موقع إكس: "أطفال الظلام".

ولكن لماذا النساء والأطفال?

لأن إسرائيل عبر سعيها خلف السيادة المطلقة على الأرض، فإنها تريد هذه الأرض بلا فلسطينيين عليها. يذهب بنا هذا التوجه إلى الكيفية التي يتم فيها استخدام الأسلحة المتطورة في قتل النساء (الطائرات، الصواريخ، الدبابات، أجهزة التجسس، الوسائل التكنولوجية) وضمن حرب تقودها "دولة"، وهذا يدعونا للتفكير كيف أن الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، باعتبارها دولة حسب المنطق العالمي، يشرّع بها قتل النساء والأطفال باعتباره ضررًا جانبيًا، ويجري التعامل مع هذا الموت بوصفه أمرًا عاديًا في الدوائر السياسية، مع بعض الملاحظات التي تعطى حول تخفيف الأعداد، يدفعنا ذلك للتفكير بأن استخدام اسرائيل للقنابل الغبية التي توقع العدد الأكبر من الشهداء، وتكلفتها المادية أقل من القنابل الذكية أهم في الخريطة الذهنية الإسرائيلية من عدد من يسقطون كضحايا، لأن تبرير موتهم جاهز "أعراض جانبية وعرضيّ"، وضمن توصيف غالانت بأنهم "حيوانات بشرية".


[1]  الجهاز المركز للإحصاء الفلسطيني، د. عوض، رئيسة الإحصاء الفلسطيني تستعرض أوضاع الشعب الفلسطيني من خلال الأرقام والحقائق الإحصائية عشية ذكرى 76 لنكبة فلسطين، 2024، المصدر،   https://bit.ly/4bo0etk

[2]   حازم بدر، قنابل إسرائيل الغبية في غزة...نوايا الاحتلال بنظرة علمية، 18 نوفمبر 2023، المصدر، https://bit.ly/4bEPsP0

الصورة: للمصوّر معتز عزايزة.

نور بدر

باحثة وكاتبة فلسطينية، تهتم بتفكيك القهر النسوي في سوسيولوجيا الحياة اليومية تحت الاستعمار الإسرائيلي

شاركونا رأيكن.م