أتحداك بأنني أستطيع أن أقنع بايدن!

 أتحداك بأنني قادرة وخلال ثلاثين دقيقة فقط على إقناع بايدن بعبثيّة الحرب على غزة. أستطيع أن أضع أمامه قائمة بالتبعات الكارثية للسيناريوهات العسكرية المحتملة، والتي ستؤدي جميعها ما لم ترتبط بحلٍ سياسيّ مُلزِم الى طريق مسدود. كما أستطيع أن أضع أمامه حلولا أكثر واقعية، تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات وخصوصية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتضمن الاستقرار ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما داخل أميركا والدول الغربية والتي بدأت شعوبها تنتفض مع فلسطين مهددة بانقسامات داخلية. كما أستطيع إقناعه بأن خيار الحرب ليس بالضرورة الأكثر ربحية ولا هو الأفضل لتوازن القوى الدولي.

وأنا هنا لا أختلف كثيرا عن ملايين النساء اللاتي يتمتعنّ، بحكم تجربتهنّ المهنية والحياتية، برؤية أمنية واستراتيجية ثاقبة تدعو إلى ضرورة عدم إهمال الاحتياجات الأمنية المدنية الناتجة عن قرارات الحرب والسلم. ولا أختلف كذلك عن ملايين الرجال الذين يتمتعون برؤية مماثلة، اللهم إلا بكوني لست رجلا. وهذا الاختلاف بحد ذاته كفيل لأن يُؤثِر بايدن، وغيره من السياسيين وصنّاع القرار، الاستماع الى رجل والأخذ برأيه على الأخذ برأيي او رأي غيري من النساء، مهما بلغت خبرتنا وتجربتنا. وهكذا يتزايد انحسار دورنا كنساء خبيرات مؤثرات، وتبقى مساهمتنا على هامش المداولات والجولات.

قد يقول البعض إذًا إن المعضلة الأساسية هنا، هي في كيفية إقناع صانعي القرار بضرورة الالتقاء معي ومع غيري من النساء والاستماع لما نطرحه من رؤى وحلول بنفس الجدّية التي يلتقون بها الرجال، وبالذات أولئك الذين يحملون الرتب العسكرية. التحدي الرئيس هو في جعل أجندة المرأة والسلام والأمن أداة، ليس فقط لحماية النساء في أوقات السلم، بل لدفع الحروب وتلافي النزاعات، وتوفير الحماية والوقاية للنساء والرجال على حد سواء.

غالبا ما ترتبط كلمة النساء في سياق الحرب بصورة نمطية نجترّها دون توقّف أو اعتراض. فهنّ الضحايا اللاتي لا حول لهنّ ولا قوّة، يُوَلْوِلْنَ وينتحبن فوق الجثامين المسجاة طالبات العون والغوث. وتتكرر هذه الصورة، باختلاف الصراع والعرق واللون، وتعجّ بها شاشات التلفاز والمنصّات الإعلامية لتعزّز الصورة النمطية للمرأة كضحية، وتضع النساء ضمن إطار مقولب ودور محدّد يُبعدها كل البعد عن أن تأخذ دورها الحقيقي واللازم في قضايا الأمن والسلام. تساعد هذه الصورة النمطية باستبعاد النساء عن أدوار الخبير الأمني والاستراتيجي، بحيث يُستهجن أن يتم الاستعانة بهنّ لفهم الصراع أو حلّه.

هكذا، وبالمجمل، نَغفل أن وراء هذه العَبرات والحزن المُبرّر نساءٌ قادرات يحتكرن القدرة على الصمود والارتجال والتأقلم وابتكار الحلول من أجل البقاء والمقاومة، الى جانب الألم والحِداد. كما نتناسى بأن هذه المرأة، التي ثكلت وليدها أو فقدت شريكها منذ لحظات، هي نفسها التي تنهض معتصرة ألمها مستجمعة قواها لتلعب دور العنقاء، تقيّم الوضع وتتأقلم مع دورها الجديد الذي فرضته عليها آلة الحرب، ببراغماتية ونجاعة. تبدأ هذه المرأة كأي خبير استراتيجي أمني واقتصادي بطرح الحلول، كما هو الحال في الحرب الحالية على غزّة، وتزيد عليها بمرحلة التجربة والتطبيق بما يتناسب مع الواقع وشحّ الإمكانيات. فإذا كانت النساء هنّ من يتحملن العبء الأكبر لأهوال الحرب فلم لا يتم الأخذ برأيهن؟ أوليس حريًا بمن يأكل العصيّ، وليس بمن يعدّها، أن يشارك في اتخاذ قرار الحرب والسلم وأن يُسأل في الطرق المُثلى لتلبية احتياجاته؟

ومن دون الدخول في متاهات التعميم، فإنني أؤمن بأن للنساء، وبحكم دورهن التقليدي التاريخي، قدرة على رؤية الواقع من زاوية مختلفة، لا أدعي بأنها رؤية أشمل او أعمق بالضرورة، ولكن اختلافها هو ما يحتّم ضرورة ضمّها الى ثلة آراء المستشارين الأمنيين من أجل فهم الواقع والصراع بشكل أشمل ولطرح الحلول الأنسب. وأنا هنا ايضًا لست بصدد الدعوة لإشراك النساء في بناء عمليات السلام فقط لدورهنّ في زيادة احتمالية نجاح المفاوضات والمداولات، بل ببساطة لأن لصوتهنّ نفس القدر من القيمة والأهمية.

ويبقى السؤال كيف نُضفي الشرعية على هذه الرؤية المختلفة في عالم ذكوري يرفض الاعتراف بدور النساء عامة ويشكك في مقدرتهن على إدارة الدفة الأمنية خاصة؟ وكيف نضمن للنساء تمثيلًا حقيقيًا وفاعلا على طاولة صنع القرار؟ هنا أنوّه إلى أن واقعنا في الشرق لا يختلف كثيرا عن الغرب، وتحضرني صور كثيرة لمحافل غابت عنها النساء كليًا أو جزئيا، فالأمر هنا وهناك سيان. ولكن، بدل أن أخوض هنا في الأسباب الكثيرة التي تقف وراء غياب دور النساء الفاعل في قضايا الأمن والسلام، أود أن أنوه إلى خلل تاريخي وقعت فيه النساء وما تزال حينما تتنحى جانبا وتسمح بأن يتم تجاوزها تحت تبريرات مختلفة مثل "الأولوية الوطنية" وتغليب "المصلحة العامة ". وهذا التساهل والتنحي، إذا ما قُرِن بأسباب أخرى مثل غياب التشريعات وعدم الالتزام بتطبيقها، هو ما يسمح للرجال باحتكار مكانة اللاعب الرئيس والاستحواذ على المشهد وبقاء المرأة رغم دورها الفاعل خلف الأضواء. وفي عالم تغلب عليه لغة القوة تواجه النساء تحديات التمييز والعنف ومحدودية الوصول الى الموارد، ويصعب الاعتراف بدور النساء في بناء السلام وخلق عالم أكثر عدلا واستقرارًا. إن التصدي لهذه التحديات أمر ضروري لضمان قدرة المرأة على المشاركة الكاملة والمساهمة في عمليات بناء السلام. ولكن بما أن المشاركة لا تعني بالضرورة القدرة على التأثير، وبما أن انتظار الدعوة بصبر لعقود مضت لم يؤتِ أُكُلَه، فإنه قد آن الأوان لنتحول نحن النساء الى صانعات قرار، وأن نشق طريقنا لطاولته دون انتظار الدعوة من أحد. يجب أن ننتقل من السلبية السائدة خاصة في النزاعات المسلحة، الى القوة في مواجهة العنف. وأن نعكس قدرتنا على اتخاذ القرارات والتصرف بأنفسنا وتحمل العواقب، والتخلص من الخطاب الذي يحكم على تجربة المرأة من منظور الضحية.

د. نداء شُغْري

محاضرة وباحثة أكاديمية في السياسة الدوليّة، محلّلة سياسية ومديرة شريكة لمركز المرأة والسلام والأمن في جمعية إيتاخ-معكِ: حقوقيّات من أجل العدالة الاجتماعية.

 

اعتدال حاج
كل الاحترام اعجبني ما كتبتِ مقال صادق وفي الصميم
السبت 1 حزيران 2024
شام
مقال رائع اهنئك
السبت 1 حزيران 2024
علي عثمان
مقال حاد ونظرة ثاقبة للدكتورة نداء
الجمعة 7 حزيران 2024
رأيك يهمنا