منظورات مستجدّة حول الفضاءات التربويّة - تعزيز التعليم وتطوير الخبرات

إن الناظر لما يشهده العالم من تحدّيات وتحوّلات سريعة، آخرها ثورة الذكاء الاصطناعيّ، لا بدّ أن يتساءل وبصدق عن التغييرات الواجبة بهدف حتلنة برامج ومنظومات التعليم في المدارس وسائر المؤسّسات التعليميّة. تستعرض المقالة بعضّا من هذه التوجهات والرؤى، مؤكدة على أهمية تلاقيها وضرورة تكاملها.

التعليم بمنظور STEAM   كحاجة وضرورة عصريّة لتعزيز المعارف والمهارات

إن واقعنا المعيش بما فيه من قضايا ومشاكل حياتيّة مركّبة؛ كالفقر، الهجرة، أزمة المناخ، الطاقة المتجددة وغيرها، يستوجب قاعدة عريضة وصلبة من التخصصات ذات الصلة لاكتساب فهم شمولي وعميق في هذه المواضيع وأبعادها. كذلك فإن السعي نحو إيجاد حلول ومخارج مناسبة لمثل هذه التحدّيات يقتضي بالضرورة امتلاك مهارات تعاونيّة وإبداعية، مقدرة على التواصل مع الآخرين، إضافة للقدرة على التفكير الناقد والتفكير الحاسوبي. وهذا ما يرمي اليه منهج تعليم العلوم، التقنيات، الهندسة والرياضيات أو ما يعرف ب"ستيم" STEM (Science, Technology, Engineering, Mathematics)

يعتبر "ستيم" نهجًا تكامليًّا يعتمد مبدأ التعلم متعدّد المجالات كفلسفة تربوية، ويركّز على تطوير طرق التفكير العلمي؛ التطبيقات العلمية والهندسية وعلم الحاسوب؛ التصميم الهندسي؛ كما يعتمد قاعدة أساسية عريضة من أسس الرياضيات كركيزة لتنمية المهارات المهنية والحياتية، وبالتالي إعداد طلبة مهيئين لحاجات ومتطلبات سوق العمل المستقبلي. تجدر الإشارة أن المصطلح STEAM، بوجود الحرف (Arts) A، يشير لأهمية دمج العلوم الإنسانية، كالأدب، المسرح، الموسيقى والفنون.

تزود برامج "ستيم" المتعلمين بالفرص والإمكانيات لاجتياز حدود الموضوع الواحد نحو تعدد المواضيع، وصولًا لفهم الصلات والعلاقات القائمة بين مجالات التعلم المختلفة، والتنقل بينها، مع السعي نحو إنشاء وتطوير علاقات تماس وتلاحم جديدة. كذلك تشدد برامج "ستيم" على توظيف استراتيجيات حل المشكلات والتعلم القائم على المشاريع في سياق حقيقي وواقعي، كضرورة لفهم الممارسات الهندسية والعلمية، والمفاهيم المتداخلة والأفكار الأساسية لحقول "ستيم"، بعيدًا عن المفاهيم النظرية المنعزلة. وما نشوء وتعاظم تخصصات عدة كالنانوتكنولجيا، الهندسة الطبية، علوم البيانات، الروبوتيكا وغيرها إلا دليل آخر على أهمية "ستيم" واتساع رقعته.   

على الرغم ممّا ذُكر أعلاه، ثمّة تحديات لا تزال تشكّل عائقًا أمام تطبيق هذه المنهجية عالميا وفي المجتمعات العربية خاصة، أهمها:

  • قلة البرامج الغنية المبنية وفق هذه الرؤيا، وغياب الخطط التعليمية الملائمة.

  • نقص ومحدودية فرص التطور المهني المهتمة ب "تعليم وتدريب" المعلمين وتطوير خبراتهم بمجالات "ستيم".

  • غياب الحيز أو الفضاءات التعليمية الخاصة التي تقدم أساليب تعليمية جديدة بعيدة عن التقليدي.

الإطار المعرفي TPACK كأساس لمواكبة سيرورة التطور المهني للمعلمين

مع الدور المركزي الذي تلعبه التكنولوجيا التربوية في العملية التعليمية، هنالك أهمية خاصة لتطوير مهارات المعلمين في توظيف التقنيات التعليمية، والتي أضحت تشكل إحدى اللبنات المركزية عند الحديث عن خصائص المعلم والتدريس الفعّال في القرن الواحد وعشرين. من هنا، فقد اقترح ميشرا وكوهلير ((Mishra & Koehler, 2006 إطارًا معرفيًّا جديدا يدعى"تباك" TPCK (Technological Pedagogical Content Knowledge) يعتمد إضافة التكنولوجيا التربوية الى نطاق نظرية شولمان المعروفة حول دمج معرفة المحتوى مع المعرفة التربوية (Shulman, (1986.

تؤكد"تباك" على أهمية وضرورة التكامل بين معرفة المحتوى، المعرفة التربوية (استراتيجيات وطرق التدريس)، والمعرفة التقنية. ولّدت نظرية "تباك" حقولًا معرفية جديدة، مثل: معرفة التكنولوجيا والمحتوى (TCK)، معرفة المحتوى والتربية (PCK)، معرفة التكنولوجيا والتربية (TPK)، والتي يستوجب على المعلم درايتها والالمام بها في سيره نحو امتلاك المعرفة المتقدمة الناتجة عن تقاطع الحقول الثلاثة: المحتوى والتربية والتكنولوجيا (TPCK). من هنا، لا يكفي بأن يكون معلم/ة اليوم والغد ملمًّا فقط بموضوعه وأساليب تدريسه، بل صار لزامًا عليه أن يكون ملمّا بالتقنيات الحديثة والتطبيقات الملائمة لتدريس محتوى موضوعه في السياق المناسب لدرسه، وملمّا بالوقت ذاته بالأساليب والاستراتيجيات المناسبة لتوظيف هذه التقنيات (وبما يتلاءم مع خصائصها ومزاياها).

ننوّه، ونحن على مشارف ثورة الذكاء الاصطناعي واسقاطاتها على مجالات التربية والتعليم، بأن الحفاظ على إطار "تباك" كموجه في بناء مسارات التطور المهني للمعلمين وكذلك في تصميم دروسهم وممارساتهم الفعلية في الحقل، يشكل بوصلة النجاة وجسر العبور الآمن للطلاب والمعلمين.

الفضاءات التعليمية كحيز معرفي- تخنوبيداجوجي لتأهيل المعلمين ودعم تطورهم المهني، ودمج الطلبة بتجارب تعلمية بمنظور "ستيم"

للبيئة التعليمية وتصميمها دور مركزي في اكتساب المعارف والمهارات والقيم المرادة من "تباك" و "ستيم". مع هذا، ليس من السهل دائمًا تصميم مثل هذه البيئات التعليمية في صف تقليدي أو عادي، بما يكفل الفائدة ويجلب المتعة والمرح. من هنا فإن الفضاءات التعليمية (الفيزيائية والتكنولوجية) المجهزة والمعدة مسبقًا بأحدث وأرقى المعدات والوسائل والتقنيات، تشكل عاملًا ميسّرًا ومحفزًا في تدعيم وخدمة العملية التعليمية-التعلمية، حيث بالإمكان توظيفها لتيسير استراتيجيات تعليم هامة كالتعلم التعاوني، التعلم من خلال البحث والتجربة، التعلم الذاتي وغيرها.

أشير وبصفتي محاضرًا ومديرًا لمركز الفضاءات التعليميّة في كلية سخنين الأكاديمية إلى كونها رائدة وسباقة في افتتاح مثل هذه الفضاءات التعليمية الحديثة، منها:

مختبر الخيال

فضاء ثلاثي الأبعاد يعتمد تكنولوجيا الواقع الافتراضي لتعزيز التعلم الغامر (الإنغماسي)، بحيث يعيش المشترك تجربة شعورية حسية، غنية بالمؤثرات الصوتية والصورية، وفقا للتجربة التعليمية التي صُمّمت مسبقا (كأن يغوص المتعلم في أعماق البحار، يتعرف على جسم الانسان، أو يحلق في مركبة فضائية، أو يهبط على سطح القمر وغيرها).

الصفوف التفاعلية

فضاء ثنائي الأبعاد يوفر بيئة تعليمية متمحورة حول الطالب، مبنية على اللعب والتفاعل الدينامي للمشترك بعيدا عن التعلم التقليدي، التلقين او المحاضرة.

مركز المحاكاة للتربية

فضاء تعليمي يعتمد استراتيجيات التمثيل ولعب الأدوار بمشاركة ممثلين مهنيين لتسليط الضوء على مضامين وقضايا جوهرية ذات طابع جدليّ أو صراعات تشغل الحقل وتحتمل أكثر من رأي أو وجهة نظر.

مركز الابتكار المجتمعي

حاضنة للتفكير ودفيئة لخلق مبادرات في المجالات التجارية والاجتماعية والتعليمية من خلال العمل والتواصل مع التنظيمات المختلفة لتعميق ريادة الأعمال وجعلها اقتصادية، مع مردود ونفع مجتمعي.

بديهي أن لكل مركز مزاياه واستخداماته، ومع هذا، تساعد وتحفز المراكز مجتمعة على بلورة فكرة وطرح شمولي برؤية "ستيم"، بحيث يؤدي كل مركز دوره الخاص ومساهمته النوعية في تعميق الفكرة، توضيح معالمها وتسليط الضوء على جانب من جوانبها.

تشكل المراكز حلقة هامة في برامج تدريب واعداد طلبة الكلية كمعلمي المستقبل، حتلنة معلمي المدارس، وكشف طلبة المدارس على تجارب تعليمية مثيرة تجلب لهم الفائدة، المتعة والإثارة وتزيد من دافعيتهم للتعلّم!


 Mishra, P., & Koehler, M. J. (2006). Technological pedagogical content knowledge: A framework for teacher knowledge. Teachers college record108(6), 1017-1054.

Shulman, L. S. (1986). Those who understand: Knowledge growth in teaching. Educational researcher, 15(2), 4-14

د. نايف عوّاد

باحث ومحاضر أكاديمي مختص في مجالات تدريس العلوم والتكنولوجيا. مدير مركز المحاكاة للتربية في كلية سخنين الأكاديمية ومسؤول استراتيجيات التعليم الحديث

رأيك يهمنا