"يوسف 7 سنين، شعره كيرلي وأبيضاني وحلو"، "ما بدي حطّه بالثلاجة"، "أولادي ماتوا بدون ما ياكلوا"، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل هي كلمات تُعبّر عن حالة من العجز والألم اللامتناهي.

أتساءل كيف تتمكّن الأم الغزية من احتضان طفلها الشهيد؟ كيف يمكنها أن تعيش هذه اللحظة الفارقة؟ ماذا عن الأم التي تعيش حالة خوفٍ دائمة من أن يسرقها الموت من أطفالها وأن يعيشوا بعيدًا عن حضنها الدافئ وأمانها؟ ما هي آخر صورة تحفظها الأمهات لأطفالهن؟ ماذا ستفعل الأمهات حينما تلقي الحرب أوزارها؟ هذا قادم كقدر لا محالة. 

مصير مجهول

نتيجةً للمأساة التي ألّمت بأهلنا في غزة هناك ما يزيد عن 60 ألف امرأة غزيّة أنجبت خلال الحرب دون وجود أي إمكانية لرعاية صحية خاصة بها وبطفلها. كما أن هناك ما يقارب الـ 50 ألف امرأة حامل، منهن 5500 امرأة أنجبن خلال هذا الشهر وحوالي 180 ولادة تحدث بشكل يومي. النساء لا يعلمن أين وكيف سيلدن، لقاحات الأطفال شبه معدومة والحصول على حفاظات أمر شبه مستحيل. عشرات الآلاف من الأمهات الغزيات وأبنائهن وسط مصير مجهول. 

انتزاع الأمومة

يقول أحد الأطباء في مقابلة له مع الجزيرة إنه اضطر إلى استئصال أرحام شابات في مقتبل عمرهن لإنقاذ حياتهن بعد النزيف الّذي تعرضن له من الولادة. ويضيف أنه كان من الممكن التعامل مع هذه الحالات، لكن بسبب عدم وجود الإمكانيات اللازمة اضطر لاتخاذ هذا القرار. هذا الاحتلال لا يسرق فقط حقنا بالحياة والعيش بأمان نحن وأطفالنا، بل يسرق أيضا حقنا في ممارسة أمومتنا. 

وفي السياق نفسه، تقول الطبيبة هَيا حجازي التي تعمل ما يقارب 120 ساعة في الأسبوع في المستشفى الإماراتي في رفح: "مررنا بمواقف صعبة عديدة، نحن مُعرّضون للقصف بكل لحظة، رأيت حالات وفاة لأجنّة داخل الأرحام بسبب استنشاق أمهاتهم للفوسفور. إن أصعب موقف عشته حينما توجهت لي شابة مبتورة القدم ومشوهة الوجه، توفي جنينها في رحمها، قالت لي "عطشانة، ممكن تشربيني؟". 

حرب مضاعفة

تصف تسنيم النجّار (33 عامًا) وهي أم لأربعة أطفال وحامل في شهرها التاسع أصعب ليلة عاشتها في الحرب قائلةً: "لم أستطع سماع الانفجارات والغارات فقد كان صوت بطن أطفالي يخترق مسامعي. لم تستطع جرعة الدواء خفض حراراتهم إضافةً إلى ارتعاشهم المستمر، هذا الوضع أجبرني على الخروج بهم من الخيمة في البرد القارس. نعيش اليوم في خيمة لا تقينا برد الشتاء، الحشرات في كل مكان، المكان "بدائي" جدًا لدرجة لا يمكنني أن أصفه لكِ. إنها حروب أخرى تواجهها الأم مع أطفالها".

لا ظروف مناسبة للحوامل

"الولادة أصبحت هاجسًا بالنسبة لي، لا أستطيع تخيّل اللحظة الّتي سيأتيني بها المخاض" تقول تسنيم، وتُكمل: "أدعو دائما أن ألد في وضح النهار، الليل مرعب وخطير. الولادة صعبة في الأيام العادية فما بالك تحت ظروف الحرب؟ لا مستشفى، لا تخدير، لا اهتمام ولا رعاية. 

كما أن نفسية الأم في فترة الحمل متقلّبة ويصعُب تفسيرها، وتختلط مشاعرها. هل أستطيع الاهتمام بأطفالي رغم تعبي؟ أم بالرضيعة؟ لا توجد أي أم في هذه الدّنيا ترغب أن تكون حاملًا تحت هذه الظروف القاهرة والمميتة. 

سألتها عن أكثر شيء تخاف منه، كان جوابها: "إن احتجت إلى إجراء عملية غرز دون وجود مُخدّر.

كل ما أتمنّاه أن تنتهي هذه الحرب. هي أمنية وحيدة وبسيطة، أن ألد في بيئة صالحة للعيش. إنه حقي الطبيعي أن يتلقى أطفالي وجنيني الرعاية اللازمة".

وتُكمل:"أنا شخص يهتم بأدق التفاصيل، في ولاداتي السابقة جهّزت بكل حب أغراض أطفالي. أما في حملي الأخير فقد حُرمت من كل شيء. عندما اضطررت للخروج من منزلي بداية الحرب لم أتوقع للحظة واحدة أنه من الممكن أن يقترب موعد ولادتي والحرب مستمرة. لهذا لم آخذ أي قطعة من بيتي، لم آخذ أي شيء يخص جنيني".  

لا يمكنك أن تعيشي فترة حملك بسلام

إن كنتِ حاملًا في غزة، فهذا يعني أنه لا يمكنك أن تشعري بالوحام ككل امرأة حامل، عليك تجاهله أو تناسيه بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية. إن 95% من النساء الحوامل والمرضعات يواجهن فقرًا غذائيا حادّا. تقول تسنيم: "من الطبيعي أن تشعر الحامل بالوحام لكن هنا كل شيء غير متوفر. قضيت فترة حملي أتناول المعلبات والبقوليات التي قد تضر بصحتي. مرت خمسة شهور لم أذق فيها أي نوع من الفاكهة والخضار. للحامل احتياجات خاصة كاستخدام المراحيض بشكل كبير، وهذا الأمر صعب للغاية على وجه الخصوص حينما تضطرين للخروج "بعز البرد". كما أنه لا توجد مياه صالحة للشرب، الأشخاص من حولي يجبرون أنفسهم على شرب مياه مالحة، أما أنا فلم أكن أشرب حتى أتمكّن من الحصول على مياه معدنية.

لقد تعرضت للفوسفور المحرم دوليا وكان يُتعبني. إن المرة الأخيرة التي أجريت بها فحصًا طبيًّا لجنيني كانت في الشهر الرابع. التفاصيل صعبة جدّا في هذه الحرب، مهما وصفتها لك فلن أنجح. لقد نسينا حياتنا الطبيعية، باتت تفاصيلها سخيفة. نشتاق فعلًا لأسوأ أيام حياتنا السابقة.

الطفلة سحر الزبدة تفارق الحياة وهي ثالث حالة موت في مستشفى كمال عدوان بسبب سوء التغذية والمجاعة التي يتعرض إليها شمال قطاع غزة - تصوير: موسى سالم -28/2/24

حرب أخرى ما بعد الولادة

في مقابلة أخرى أجريتها مع سامية السوريكي (30 عام) تقول: "لدي مريم وسارة، وجاءتني سلمى خلال هذا الشهر. عدت قبل الحرب من تركيا لأنني لم أتقبّل فكرة أن أعيش بعيدًا عن غزة، إن غزة كابنتي".

أما عن أصعب موقف مرت به كأم تقول: "عجزي وعدم معرفتي ماذا أفعل. تمنيت لو أنني عرفت أن الحرب ستحصل، لم نكن إذا لنختار أن ننجب الطفل الثالث، لكن شاء الله. أتمنى لو أني عشت فترة الحمل والولادة في ظروف أفضل وأمان. ولو تمكنت بناتي من استقبال أختهن سلمى بفرحٍ. 

إنّ ظروف النزوح واللجوء والولادة ووضع المشافي سيء للغاية. خلال نزوحنا ومحاصرتنا من قبل الدبابات اضطررنا لترك المنزل، استمر نزوحي إلى الجنوب وأنا حامل في الشهر السابع 6 ساعات. لم أتوقع أن يستمر حملي، توقعت أن أعيش ولادة مبكرة أو إجهاض بسبب الضغط النفسي الذي عشته. 

خلال النزوح كنت أراقب بناتي، أتأملهن وأنظر إلى حالهن قبل الحرب وبعدها، أبكي على حالهن. فقدت الكثير من أفراد عائلتي، وأكثر شيء أخاف منه هو أن أفقد المزيد منهم. أما عن أكثر شيء أتمناه فهو أن نسمع كلمة "وقف إطلاق نار" والعودة إلى الشمال. صحيح أن بيتي انقصف، لكني أريد العودة إلى هناك وأن أنصب خيمة على ركام منزلي، هذا أفضل من النزوح الذي نعيشه أو حالة الخوف المستمرة من التهجير". 

تشرح سامية أنها مرت بالكثير من المواقف الصعبة، واصفةً إياها "كأهوال يوم القيامة". وتكمل: "أصعب شيء هو وجود ابنتين لديك، تتمنين لو أنك تستطيعين تخبئتهما في قلبك دون أن تعيشا هذه الظروف. لكن في الواقع لا تستطيعين فعل أي شيء. نحاول أن نشرح لهما أنّ ما يحصل لا يخيف، لكنه يخيفنا نحنُ الكبار، فما بالك هما؟".

أما عن ولادتها الّتي مرت بها قبل تسعة أيام من إجراء المقابلة فتقول: "كانت ولادتي صعبة جدا، يمكنني القول إنها أصعب ولادة وتجربة لي. عندما دخلت المشفى كانت حالات كثيرة ملقاة على الأرض، انتظرت حتى أصبح أحد الأسرة فارغًا. رغم هذا الوضع كانت فترة ما بعد الولادة أصعب. أنا وعائلتي وأقربائنا 32 شخصًا ونعيش معًا في مساحة لا تزيد عن 100م، لك أن تتخيلي معاناتي مع الرضاعة واستخدام المرحاض، لا وجود للخصوصية.  بالنسبة لاحتياجات الطفلة حديثة الولادة، كنا محاصرين من قبل الدبابات وخرجنا بأعجوبة، لم أستطع أخذ أي شيء يخصها. حتى الآن لا أستطيع توفير الحفاظات، أسعارها باتت خيالية".

قتل الطفولة - الطفلة هند 

من لم يسمع عن هند؟ الطفلة الشهيدة التي قُتلت عائلتها على مرآى منها وانتظرت الموت بين ست جثامين. الانتظار، 12 يومًا عاشت فيها والدة هند "على أعصابها" تناشد العالم دون أي جدوى.

هل كانت ستراقب الأم موت طفلتها ببطء وهي عاجزة؟ كلا، لا يمكن أن يقف الموت في وجه الأمومة. كيف مارست والدة هند أمومتها بينما يتربّص الموت جانبًا؟ لا أستطيع تخيل كيف شعرت هذه الأم حينما سمعت طفلتها تتوسّل إليها "أمانة لا تتركيني.. في دبابة..". لقد حاولت تهدئتها، قرأتا القرآن معًا، دعوتا الله، ووعدتها أنها لن تُقفل الخط حتى يأتي أحد لينقذها. لكن كان الموت أقوى، قُتلت هند والمسعفون الّذين هبّوا لمساعدتها.

يلاحقني طيف هند في وجوه الأطفال البريئة وكلما رأيت أطفالًا يمارسون طفولتهم تذكرت صوتها الّذي يطلب النجدة، فما بالكم بأمها؟

سياسة التجويع والقتل البطيء تطاول الأمهات والأطفال

يشهد القطاع مجاعة كبيرة ونقصًا حادًّا في المواد الغذائية الأساسية. بحسب الإحصائيات الأخيرة يعيش في غزة 3.8 مليون طفل يعاني من سوء التغذية، ووفقا للدكتور حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان: "إن المرضعات جف حليبهن ولا يوجد حليب تكميلي لإرضاع الأطفال. إضافة إلى ذلك، أغلب المواليد الجدد أوزانهم قليلة وعلامات الضعف والشحوب تبدو عليهم بسبب هزال الأمهات". 

كيف تتحمل الأم جوع ابنها؟ كيف تتصرف في هذه الظروف القاهرة؟ في المساء الّذي كتبت فيه هذه الفقرة، توقف أنين الطفل محمد في مستشفى كمال عدوان بعد شهرين على ولادته بسبب سوء التغذية والمجاعة التي يتعرض لها شمال القطاع وكانت هذه أول حالة موت في المستشفى بسبب نقص الغذاء. 

استوقفني مقطع مؤلم لرضيع وضعت والدته في فمه حبة تمر، تقول والدته: "مش قادرة أجبله حليب، ما فش مصاري، جربت أرضّع طبيعي بس ميّة". وأم أخرى أجهشت بالبكاء على طفلها، تقول "طب هاذ ابني ايش ذنبه واللهي إله أسبوع ما يحط الحليب بثمه"، وأم حملت طفلها الرضيع الّذي يحتضر إلى المستشفى بعد أن أصيب بجفاف حاد نتيجة لسوء التغذية. ألم تكن الولادة تُعلن حياةً جديدة؟ كيف تحولت إلى موتٍ من نوع آخر؟

لا حدود لأثر غريزة الأمومة 

كانت النية من هذه المقالة توثيق معاناة النساء في الحرب على غزة، لكن وجدتني أتكلّم كثيرًا عن الأمومة والأمهات. لا شك أن كل قصة في غزة تترك فينا أثرًا مستمرًا، لكن هناك أثرًا مختلفًا تتركه بي الأمومة. 

في دروب هذه الحروب التي لا تنتهي عليكِ كأم أن تكوني جاهزة في أي لحظة أن تفقدي طفلك أو أن يعيش طفلك دونك. عليك أن تتوقعي في أي لحظة أن تكوني تحت الركام مع أطفالك والعجز يُحيط بك.

هناك أمهات فقدن أطفالهن بعد سنوات طويلة من انتظار قدومهن كالطفل ياسر صلاح الدلو ابن الثلاثة شهور الّذي أنجبته أمه بعد صبر وانتظار دام 8 سنوات. هناك أطفال خدج ينتظرهم مصير مجهول، أطفال تُجرى لهم عمليات بتر دون تخدير وأمهاتٌ عاجزات. حتى هذه اللحظة هناك أمهات يفقدن أطفالهن، أجنتهن وحياتهن وهناك أطفال وخُدّج يفقدون أمهاتهم دون أي تحرك جاد ومصيري في العالم. 


الصورة المرفقة مع المقال للمصور بلال خالد.

ملاك عروق

حاصلة على لقب أول في مجال الإعلام والعلوم السياسية. ناشطة اجتماعية وسياسية. مهتمة بإنتاج الوثائقيات وكتابة المقالات

😐
مقال هام جدًا وثري، اولًا بسبب التوثيق المباشر عبرَ حديث شخصيات غزيّة تروي صِدقَ الحديث، ثانيًا، تناوُل المقال للجانب الانساني لاسيما الانثوي من هذه الابادة، حيث تبانُ الامور اعقد من زخات رصاص وضربٍ مدفعيّ. شكرًا ملاك.
الأحد 24 آذار 2024
رأيك يهمنا