عندما يتساءل النائب منصور عباس: هل يريد المجتمع العربيّ العنب أم أن يقاتل الناطور؟

لقد قامت دولة إسرائيل في الأشهر الاخيرة بعدة خطوات أمنية تحت غطاء "محاربة العنف داخل المجتمع العربي"، منها على سبيل المثال إقامة وحدة المستعربين المسماة بوحدة "سيناء" ، محاولة تفويض الشاباك أي جهاز الاستخبارات لمثل هذه القضايا أو إقامة لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة نفتالي بينيت.

كخطوة إضافية، أعلنت الحكومة الإسرائيلية في الأسبوع الأخير، أنها اقرّت خطة حكومية شاملة، تقضي بأن تقوم عدة وزارات- القضاء، والأمن الداخلي، والرفاه الاجتماعي، والتربية والتعليم وحتى العمل- بالقيام بخطوات فعلية، خلال الأعوام 2022-2026 والتي من شأنها، من بين أهداف أخرى، أن ترفع من الأمان الشخصي لدى أبناء المجتمع العربي، وتقديم المشورة والمساعدة لجيل الشباب ممن لم يكملوا تعليمهم، ومساعدة إنهاء البطالة لدى أبناء هذه الأجيال، وفرض رقابة على جهاز المناقصات في المجالس المحلية العربية والعديد من الخطوات الأخرى.

لقد أثارت جميع هذه الخطوات سخط العديد من الأحزاب، النشطاء والنشيطات، وعلى رأسهم كاتبة هذه المقالة؛ لأن هذه الخطة والتفويضات لا تعكس شيئًا سوى سياسة دولة إسرائيل الإقصائية والـ- "تخوينية" تجاه أبناء المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل واعتبار شؤونه قضايا أمنية تعالَج من خلال الأذرع التي يتم استخدامها بالحرب أمام الأعداء وليس أمام مواطنين متساوين أصحاب حق.

فلا يعتذر رئيس الدولة حين يصف الإجرام – وهو بأقصى بشاعته يعتبر شأنا جنائيًّا بحتا – بالإرهاب ، هذه هي الذهنية العسكرية الذكورية بامتياز التي تتعامل فيها حكومة إسرائيل معنا كمواطنين، والتي تعكس توجها سياسيًّا ممنهجًا، واضحًا أحيانا (في التظاهرات و/او أوقات الحرب) ومبطنًا في أحيان أخرى.

اما النائب منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، حليفة الحكومة، يتساءل من أين نأتي بكل هذه العنجهية بأن نعترض على تفويض الشاباك (المقام وفقا للقانون كما شدد) لحل قضية العنف، لِمَ نعترض فعلًا على عمل هذا الجهاز السري؟! نقول للنائل عباس ومواليه إن رفضنا التام للجوء للشاباك يأتي من طبيعة هذا الجسم والذي خلق ببنود قانونية فضفاضة ليهشّم حقوق الإنسان بأبسط تجلياتها في سبيل فرض هيمنة الدولة- وغير المخوّل في مثل هذه الحالات كما أقرّ المستشار القضائي للحكومة. بالإضافة إلى أننا نرى الشاباك شريكًا أساسيًّا بكل ما وصلنا إليه من انحدار مع بؤر الإجرام، وتكوينها والتربة الخصبة التي ما زالت تغذيها.

يسألنا النائب عباس إذا كنا نريد العنب أم اننا سنقاتل الناطور. على النائب عباس أن يعرف أن هذا الناطور يستمد شرعية وجوده من خدمتنا كمواطنين، لا ندين له بشيء، وان على الناطور أن يعترف أن كروم العنب هذه تعفنت لأنه دسّها لسنوات طويلة جدا، بسماد سام نقطف نحن ثمار سمّه. ليس العنف في المجتمع العربي وليد ثقافة متخلفة أو عنيفة كما يريدنا عباس أو بينيت أن نظن، فنحمل عار جرائم الاستعمار، هذا العنف وليد السماح بتهريب سلاح الجيش الإسرائيلي لقرانا، وسرقة الموارد وتجويع الناس ومن ثم حرمان الناس من أراضيهم.

أضيفي إلى ذلك كلّه أن سخطنا هذا وليد سنوات طويلة جدا من الإهمال المقصود. فقد قام مراقب الدولة بنشر تقرير مفصل عام 2018 يشمل توصيات وتحليلًا موضوعيًّا لفشل أجهزة الشرطة بمحاربة العنف في المجتمع العربي ، وقام بالتوصية حينها بإقامة محطات شرطة جديدة وتوظيف موارد بشرية لتعزيز طواقم الشرطة في المناطق التي تبيّن أنها بحاجة لذلك. ماذا فعلت الشرطة منذ ذلك الحين؟ ماذا حسنت إقامة محطات الشرطة الإضافية؟ لا شيء. صفر.

في الحقيقة مجبرة أن أنوّه إننا، في جمعية "كيان"- تنظيم نسوي، كما في الجمعيات الأخرى كما أظن، نجد أنفسنا في العديد من المرات، نقوم بدور الدولة لتسكير الفجوات التي تخلفها الحكومة. في فترة جائحة كورونا شكلت جمعية "كيان" المرجع الأول والموثوق لكميات هائلة من النساء اللاتي توجهن لخط الدعم، طارقاتٍ باب الحاجة للمشورة والتوجيه أو الحماية من العنف الذي تزايد كالنار في الهشيم.

حتى في أوقات أخرى "عادية" من العام نجد أنفسنا، وبكل حب، نقدم الدعم والتمثيل لناجيات وضحايا المخالفات الجنائية، مثل ناجيات العنف الأسري أو عائلات المغدورات؛ لأن الدولة لا تخصص أي موارد لمتابعة هذه الناجيات، أو العائلات أو حتى أبناء الضحايا القاصرين الذين يتم القبض على الوالد المجرم وحبسه فيما بعد كما في حالات كثيرة.

على النائب عباس أن يذوّت جيدا أن مسؤولية كسب ثقة الناس تقع على كاهل الشرطة والحكومة، وأن الناطور بعد أن نهب الكروم لا يمكنه أن يتساءل لماذا لا يأتمنونني على وديانهم وسهولهم. بؤر الاجرام هذه حليفة الشرطة والشاباك وهذا ما يقوله خبراء في هذه الأجهزة ، لذلك يجب أولا أن تعترف الدولة بأنها الدفيئة الأولى والأكبر لمثل هذه البؤر.

أنا لا أدعي أننا بريئون مما آلت إليه حالنا، تربية التستّر على الأبناء من باب الإهمال في أبسط الحالات "بعدهم أولاد مش راح يسخى يعمل اشي بكرا بكبر"، أو من باب الذكورية الصافية وتعزيز الهيمنة "أصلا لولا سلاح أخوكِ كانوا من زمان ركبونا"، هذه هي منظومات الترهيب الداخلية التي كبرنا عليها والتي قضت بأن نصمت بسبب أن "الدم عمره ما بصير مي".

لقد أصبح الدم ماءً بل وترياقًا بخس الثمن.

نحن مدينات لهذا البلد الطيّب، لذا علينا أن نكون كنساء في اللجان المحلية، أن نبادر لإقامتها، أن نعمل بكل قناة متاحة، ونتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لنصل إلى هذه الوزارات المشمولة بالخطة الحكومية ونطالبها بأن تقوم بدورها، علينا أن نتكاتف بجميع أطياف شعبنا وألا نقبل أن يكون بصفوفنا، وأعراسنا ومدافننا من يصوّب سلاحه لصدر امرأة أو رجل من أبناء هذا الشعب.

زدِ على ذلك؛ الحاجة لتكوين مجموعات مهنيات ومهنيين عرب كلّ في مجالها أو مجاله. لقد شهدنا هبة توعوية مهنية خلال أحداث شهر أيار المنصرم، فمثلا عندما تم الإعلان عن الإضراب في العديد من المرافق وأماكن العمل، تنظمت مجموعات من المحاميات والمحامين، إلى جانب مؤسسات المجتمع وعلى رأسهن جمعية "كيان" وجمعيات حقوقية أخرى لتقديم المشورة والتمثيل القانوني حتى دون مقابل مادي وعلى مدار الساعة لكل من تمت إقالتها أو إقالته بسبب الإضراب، أو حتى لمتابعة ورصد كل العنصرية والتحريض تجاه المواطنين العرب في تلك الفترة (وجاهي بالأماكن العامة أو على شبكات التواصل الاجتماعي).

مجموعة من القانونيات والقانونيين من شأنها أن تقوم بدراسة أدوات قانونية، خالية من الطابع الأمني ومستمدة من العالم الجنائي، والتي من شأنها أن تشكل رادعًا حقيقيًّا وقابلًا للتطبيق فيما لو كان الدافع الأول للحكومة هو حماية المواطنين فعلا وليس حماية الدولة من العرب لكونهم "تهديدًا أمنيًّا متفاقمًا".

نحن نؤمن أن هناك أبوابًا قائمة في القانون لم يتم طرقها، على سبيل المثال المطالبة بتشغيل بند 40هـ للقانون الجنائي الإسرائيلي للعام 1977 والذي يمنح المحكمة الصلاحية لإنزال عقوبة جنائية فعلية أقصى من المتبع، وهناك حالات بحاجة لحماية الجمهور من المتهم، وفقا لشروط البند، والتي تشمل أن يكون المتهم صاحب ماض جنائي وأسبقيات، وأن يكون هناك خوف فعلي من قيام المتهم بمخالفة جنائية أخرى. حتى اليوم تم استعمال هذا البند بحالات نادرة لكنه دون أدنى شك أنسب من تفويض الشاباك والجيش لتشكيل رادع.

في النهاية، أنا ابنة هذا المجتمع، أنا امرأة وأنا أم؛ لذا أعرف في يقين قلبي لماذا نختار كنساء وأفراد ان نبعد عن الشر و"نغنيله" ولا نقوم بخطوات فعلية لكشف تفاصيل جرائم كنا شهودَ عيانٍ عليها، لكن لم يعد الشر بعيدا كما نود أن نظن. الشر والخوف، مهما كان مصدره، يتربص لكل عائلة بكل زاوية من أركان البيت.

نعي الوضع المركب الذي نحيا بظله كمجتمع عامة وكنساء خاصة، أزمة الثقة التي تسببت بها سياسات الدولة الإقصائية فنشعر أحيانا أنه لا يوجد لدينا من نتوجه إليه، كل هذا إلى جانب التركيبة المحافظة لمجتمعنا والتي كانت ولا تزال تحاول أن تحل القضايا بآليات – تعود علينا بأضرار أكبر- كالمرجعيات العائلية أو الـ- "مخاتير".

لكننا نعوّل على حب الحياة والضمير الحيّ بل والإيمان أن أبناءنا سيحصدون ما زرعنا. لا يوجد هناك أي حل سحري سوى نبذ المجرم، وعدم الاعتياد على الحياة تحت هذا التهديد الدائم، حتى لو أغلقت جميع بلداتنا.

 

احالات

  1. http://www.panet.co.il/article/3420676?edition=2021-09-24

  2. https://arabic.rt.com/world/1268426-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%A5%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

  3. انظري أقوال رئيس الدولة https://www.ynet.co.il/news/article/skjlpga11y؛ وأيضا أقوال د. ميخائيل ميلشطين من جامعة تل ابيب https://www.davar1.co.il/309718/؛

  4. https://www.mevaker.gov.il/he/Reports/Pages/640.aspx?AspxAutoDetectCookieSupport=1

  5. أرجو أن يتم اعتماد التسمية بؤر الاجرام بدلا من التسمية التلطيفية "عائلات الإجرام"، فتجاربنا داخل بلداتنا وقرانا علمتنا أن الإجرام لم يعد يقتصر على عائلات محددة، ولا يحمل داخله أي مركب من مركبات العائلة الصحية.

  6. انظري مقالة معاريف بهذا السياق

 


كاتبة المقال: نسرين مصاروة - عودة وهي محامية وناشطة نسوية وحقوقية تعمل في القسم القانوني بجمعية" كيان - تنظيم نسوي".

نسرين مصاروة - عودة

محامية وناشطة نسوية وحقوقية تعمل في القسم القانوني بجمعية" كيان - تنظيم نسوي"

رأيك يهمنا