المشهد الأجمل في مدينة القدس

في عام 2004 أغلق مسار الجدار العنصري العازل الطريق الذي يصل القدس بأريحا، وبجسر اللنبي وبتنا ندخل القدس من خلال نفق الجامعة العبرية. لم نعد نرى وجه المليحة ولا نلتفح بتيار السّماء، تبدل المشهد الّذي كان يبادرك وأنت على مشارف البلدة القديمة.

أنه المشهد الأجمل للمدينة عند المنعطف؛ بالقرب من جامع محمد الفاتح في راس العمود. بعد أي غياب عن القدس طال أم قصر وبعد اجتياز محنة نقطة الحدود الّتي أقامها الاحتلال الإسرائيلي على نهر الأردن بعنوان جسر اللنبي وفي آخر ميل من الرّحلة عندما تجتاز السّيارة المنعطف تبرز البلدة القديمة وقبة الصّخرة المشرفة أمامك كأن تيارًا سرى من السّماء وطيّر الخمار عن وجه مليحة وارتد عليك ليلفحك في الحنايا، لتجد نفسك تقول للسائق في كل مرة "هوا القدس غير" في كل مرة يومئ السّائق بالموافقة، هو الهوا أم الهوى الّذي يلفحك أم يلفك سيان؟ يتعزّز الشّعور ويكبر عند المرور أمام كنيسة الجسمانية وكنيسة المجدلية ذات القباب الذهبية، وعندما تنحني السّيارة قليلًا لتقترب من سور المدينة وتسير بمحاذاته قاصدة باب العمود.

وأنت تخرج من النّفق حاليًا يطل أمامك مشهد مستعمرة كرم المفتي لصاحبها "موسكوفيتش"، محاطة بغابة من المباني الحجريّة الحكوميّة الإسرائيليّة الّتي تشبه الاستحكامات العسكريّة؛ لتحجب عنك رؤية المدينة وأهلها بالكامل. وبعدها تنعطف السّيارة يسارًا لتدخل المنطقة الصناعية، تأنس النّفس قليلًا لنبض الحياة العربيّة في المكان إن لم يكن لوجهه الشّعث.

تقف خلف بيت المفتي على جبل "سكوبيس" حيث أطل الغزاة على المدينة في الماضي، بيوت بملامح عربية يبرز بينها قصر إسعاف النّشاشيبي قبل 1948بيت المفتي وقصر إسعاف النّشاشيبي المتجاورين كان لهما في القدس حياة اجتماعيّة ثقافيّة متقدمة حتى على برلين حاليًا، كانت القدس مثل حيفا العربيّة اليوم "أحلى من برلين".

ما تحجبه مستعمرة "موسكوفيتش" في بيت المفتي المغتصب عن النّاظر القادم إلى القدس من نفق الجامعة العبرية هو حي الشّيخ جراح العربيّ الفلسطينيّ أو كرم الجاعوني، فهي تعدّ العدة للانقضاض على أهله لسرقته وتجريفه وتحويله إلى ملحق لأملاك "أرفينغ موسكوفيتش" الخاصة لعزل البلدة القديمة عن محيطها العربيّ الفلسطينيّ بدائرة استيطان إسرائيليّة محكمة الإغلاق.

الجنرال واللوردات والملياردرات اليهودية يجتمعون في الأقبية المظلمة لعقد صفقات عقارية في فلسطين، والعين مسلطة على المدينة المقدسة حيث الأرض لا تقدر بثمن دنوي. يتساءل القارئ ما علاقة جسر اللّنبي والدّخول إلى القدس والصفقات العقارية باسم الدّين؟

دعني أوضح: دخل الجنرال الإنكليزي اللنبي القدس محتلًا مغتصبًا مدينة القدس في أواخر عام 1917 مباشرة بعد صدور وعد من اللّورد بلفور وزير خارجية بريطانيا العظمى في 2 نوفمبر من نفس العام يسلم بموجبه فلسطين والقدس كاملة للورد إنكليزي آخر اسمه "روثشايلد"، هذه كانت أوّل صفقة عقاريّة بين ممثل دولة عظمى ورأسمالي يهودي تقاضت بموجبها بريطانيا العظمى الثّمن من تحت الطاولة دائمًا باسم الدّين.

ما أشبه اليوم بالأمس، رأسمالي يهودي أميركي صاحب شبكة أفعوانيه من صالات القمار حول عالم اسمه "شيلدون ادلشتاين"، حصل على صفقة جديدة من رئيس الدّولة الأعظم في العالم تعترف أمريكا بموجبها بالقدس عاصمة لإسرائيل وتنقل سفارتها إليها من تل أبيب، هذه الصفقة تمت على الطاولة وعلى مسامع وأنظار العالم أجمع.

"ارفينغ موسكوفيتش" طبيب يهودي أميركي وصاحب صالة قمار في كاليفورنيا، هو أبو جميع الصّفقات الأميركو يهوديّة صهيونيّة وملك إسرائيل الميت.

ولكن ورثته لا يزالون يغدقون "التبرعات" بملايين الدّولارات على جمعيات استيطانية صهيونيّة "خيرية دينية" مسجلة في أميركا، بتبرعهم هذا يحصلون في أميركا على تخفيضات ضريبيّة على ثروتهم الطائلة من صالة القمار. يغدقون المال على جمعيات صهيونيّة "خيرية دينية" مسجلة في أميركا ك"عتيرت كوهانيم" وغيرها، الأخيرة بدورها تشتري الأملاك العربيّة من ضعاف النّفوس بمال عام وتقوم باستئجار مرتزقة من غلاة المتدينين اليهود الصّهاينة القادمين من بروكلين اصلًا لقيموا فيها مؤقتًا بأجر، إلى حين اكتمال خطة استثمارها لصالح الملياردير رب صفقتهم لإقامة مستعمرة إسرائيليّة كملاك خاص. تتقاضى الجمعيات "الخيرية الدّينية الصّهيونية" الأجر المباشر بالإضافة إلى أرباح لقاء بيعها العقارات الّتي تستحوذ عليها لمستثمرين يهود أمريكان يتلاعبون على سلطة الضّرائب الأميركية.

هكذا استباحت بريطانيا العظمى فلسطين وشعبها والقدس ومقدساتها باسم الدّين. فهم من أدخل يهود أميركا وملايينهم وسلطانهم ونفوذهم إلى بيتي.

باسم الدّين مرةً أخرى وبعد "سلام ابراهيم "عليه السّلام، يدخل هذه المرة أمير إماراتي ملياردير تحت التّدريب ليشتري الأملاك العربيّة المصادرة "للصالح العام" من قبل بلدية الاحتلال الإسرائيليّة، في المنطقة الصّناعية في القدس لتجريف المصالح التّجارية الفلسطينيّة فيها تمهيدًا لإقامة "وادي السيليكون" الإماراتي في أكبر صفقة عقارية في القدس حتى الآن…

لا يوجد أبلغ من الحوار القصير الّذي دار بين منى الكرد والمستوطن المأجور المقيم في بيتها عندما تقول له "أنت تسرق بيتي" فيرد عليها: "إن لم أسرقه أنا فسيسرقه أحدًا غيري"...

لا تصدق يا ولدي إن اسم بلدك قد أصبح "اورشليم"! كان اسمها القدس وبقي اسمها القدس.

فسلامٌ عليها وسلام عليك وأنت تهب لنصرتها، أنت أسقطت جميع الصّفقات بصدرك العاري.

 


كاتبة المقال: امل غالب النشاشيبي وهي ناشطة في الشأن العام من القدس.

تصوير:  امل النشاشيبي

أمل غالب النشاشيبي

ناشطة في الشأن العام من القدس

رأيك يهمنا