خُذُوني إلى بيسان جولة سياحية في عاصمة فلسطين الرومانية

مدينة بيسان العريقة، سكنها الإنسان قبل أكثر من (6500) سنة، واستمر الاستيطان بها حتى يومنا هذا. ترجع أهميّة المدينة لموقعها الجغرافي الممَيّز فوق التلال، وقربها من مفترق طرق مركزي، طريق البحر (فيا مارس) ودرب الحوارنه (فيا طريانا نوفا) وكذلك لوفرة مياهها وخصوبة مروجها.

أأسِّسَت مدينة بيسان الهيلينية فوق تل المسطبة على يد أنطيوخس الرابع عام 175/170 ق.م، وسمِّيَت "نيسا سكيتوبوليس". وفق الأسطورة اليونانية دَفَنَ "ديونيسوس" إله الخمر مرضعته "نيسا" في هذا الموضع، وعين على القبر حراسًا من أصل سكيتي، واحترامًا لهم دمج اسمهم في كنية المدينة. بلغت مساحة المدينة المحصَّنة 250 دونمًا، مخططة وفق التخطيط الهيبودامي؛ شوارع متعامدة وبينها الأحياء السكنية والمباني العامة (الشكلان 1، 2). تم غزو المدينة من قبل الحشمونائيين عام 108/107 قبل الميلاد. دُمرت وحُرقت بالكامل وهُجِّرَ سكانها.

الشكل 1. نيسا سكيتوبوليس، صورة جوية للأحياء السكنية في تل المسطبة (غابي لارون).

الشكل 1. نيسا سكيتوبوليس، صورة جوية للأحياء السكنية في تل المسطبة (غابي لارون)

الشكل 2. نيسا سكيتوبوليس، رسم تصويري لحي سكني هيليني في تل المسطبة (تانيا ملتسن).

الشكل 2. نيسا سكيتوبوليس، رسم تصويري لحي سكني هيليني في تل المسطبة (تانيا ملتسن)

اُحتُلَّتْ سوريا عام 64/63 ق.م على يد بومبيوس الذي وضع حدًّا للحكم اليوناني في الشرق. وتم بناء "نيسا سكيتوبوليس" الرومانية جنوب وادي جالوت، في حوض وادي العاصيّ، وأقيم فوق تل الحصن مركز ديني وإداري. أقام بومبيوس اتحادَ المدنِ العَشرِ المعروفَ باسم "الديكابوليس" في شمال الأردن، فلسطين وجنوب سوريا لمواجهة قوة دولة الأنباط العرب، وكانت بيسان أكبرَها وأهمَّها. 

خضعت بيسان لحكم الرومان طيلة 400 عام، كان للمدينة خمسُ بواباتٍ تمَّ الكشف عن بوابتين منها: البوابة الشمالية الشرقية "بوابة دمشق"، مكونة من قوس مركزي وبرجين جانبيين، والبوابة الشمالية الغربية "بوابة قيسارية" مكونة من ثلاثة أبواب وبرجين جانبيين نصف دائريين. واجهات البوابتين مزينات بزخارف غنية بأعمدة متوّجة بتيجان كورنثية، عوارض مزخرفة وحنيات احتضنت تماثيل رخامية (الشكلان 3، 4). 

الشكل 3. رسم تصوري لبوابة دمشق وشارع الوادي (تانيا ملتسن)

 الشكل 3. رسم تصوري لبوابة دمشق وشارع الوادي (تانيا ملتسن)

الشكل 4. رسم تصوري لبوابة قيسارية (تانيا ملتسن)

الشكل 4. رسم تصوري لبوابة قيسارية (تانيا ملتسن)

شوارع الأعمدة في "نيسا سكيتوبوليس" تمتد من بوابات المدينة إلى مركز المدينة، وهي مرصوفة بألواح بازلتية وعلى جانبيها صف من الأعمدة المتوجة بتيجان أيونية وكورنثية. يرافق صف الأعمدة وعلى طول الشارع رصيف ومتنزه ومحلات تجارية مسقوفة بالقرميد (الشكلان 5، 6).

الشكل 5. شارع بلاديوس، نظرة في اتجاه الجنوب (غابي لارون)

الشكل 5. شارع بلاديوس، نظرة في اتجاه الجنوب (غابي لارون)

الشكل 6. رسم تصوري لشارع بلاديوس (تانيا ملتسن)

الشكل 6. رسم تصوري لشارع بلاديوس (تانيا ملتسن)

أقيم في مركز المدينة سوق مركزي (فوروم)، يضم بداخله دار قضاء (بازيليكا) ومعبدين (الشكل 7). شقت شوارع أعمدة حول الفوروم وعلى طولها شيدت المباني العامة الضخمة ومن بينها: مذبح عبادة القيصر، سبيل الحوريات ومعبد القيصر ماركوس اوريليوس (160-181 م) والمسرح الجنوبي (الشكل 8). 

الشكل 7. رسم تصويري لدار القضاء (البازيليكا) والمعبدين (تانيا ملتسن)

الشكل 7. رسم تصويري لدار القضاء (البازيليكا) والمعبدين (تانيا ملتسن)

الشكل 8. صورة جوية لمركز مدينة نيسا سكيتوبوليس الرومانية والبيزنطية (غابي لارون)

الشكل 8. صورة جوية لمركز مدينة نيسا سكيتوبوليس الرومانية والبيزنطية (غابي لارون)

مذبح عبادة القيصر، مبنى ضخم مربع الشكل قاعدته مرتفعة مزيّنة بحنيات مستطيلة. فوق القاعدة أقيم مبنى مكون من أعمدة متوجة بتيجان كورنثيَّة وقناطر من الرخام المستورد من آسيا الصغرى. زينت زوايا المذبح العلوية بتماثيل رخاميَّة للآلهة ولشخصيات أسطوريَّة، وفي مركزه انتصب تمثال القيصر. إلى جوار المذبح أقيم سـبيـل الحوريات وهو عباره عن مبنى فخم، واجهته مستقيمة وفي مركزه حَنِيَّةٌ نصف دائريَّة ومقبَّبة. قسمُهُ المركزيُّ مبني من طابقين ويحوي على حَنِيَّاتٍ مستطيلة ونصف دائريَّة معدَّة لتماثيل من الرخام، وواجهته من طابق واحد مزيَّن بزوجين من الأعمدة وبينهم نوافير المياه التي تنساب مياهها من خلال صهاريج إلى حوضٍ مُحاذٍ لرصيف المشاة (الشكل 9). 

الشكل 9. رسم تصويري لمذبح القيصر وسبيل الحوريات (تانيا ملتسن)

الشكل 9. رسم تصويري لمذبح القيصر وسبيل الحوريات (تانيا ملتسن)

يقع معبد القيصر ماركوس أوريليوس على تقاطع شارع بلاديوس، الشارع الشمالي وشارع البنايات الضخمة. ساحة المعبد مرصوفة بألواح من الحجر الجيريّ وفيها موضع لأربعة مذابح ثمانيَّةِ الشكل ونصبٌ على شكل عمود فوقه انتصبَ تمثال القيصر. زيِّنَ النصب بنقش يوناني: "حظا سعيدا لسكان مدينة سكيتوبوليس وهي مدينة مقدسة ومدينة لجوء، واحدة من المدن اليونانيَّة في سوريا. هذا التمثال تكريمٌ للإمبراطور ماركوس أوريليوس أنطونيوس أغسطس قام بتشييده المفوض تيودو ابن تيتوس" (الشكل 10).

الشكل 10. معبد القيصر ماركوس أوريليوس، نظرة في اتجاه الجنوب (غابي لارون)

الشكل 10. معبد القيصر ماركوس أوريليوس، نظرة في اتجاه الجنوب (غابي لارون)

أقيم المعبد فوق منصَّة مرتفعة، واجهته الشماليَة مستقيمة ومزيَّنة بأربعة أعمدة كورنثية من الحجر الجيريِّ وفوقها عوارض مزخرفة ومتوَّجة بجملون ووصل ارتفاع الواجهةِ حوالي 15 مترًا. واجهة المعبد الخلفية، نصف دائريّة وفي مركزها مكان مخصّص لتمثال الإله أو القيصر (الشكل 11). 

الشكل 11. رسم تصويري لمعبد القيصر ماركوس أوريليوس (تانيا ملتسن)

الشكل 11. رسم تصويري لمعبد القيصر ماركوس أوريليوس (تانيا ملتسن)

المسرح الجنوبي، أهم المباني الثقافيّة في المدينة، يتكون من ثلاثة أقسام رئيسيّة: بناية المنصة، الأوركسترا، والمدرج المكون من ثلاث طبقات: الطبقة الأولى، مبنيّة على الصخر الطبيعي والطبقة الثانية والثالثة مبنيتان فوق منظومة مكونة من قناطر وقباب، ويتسع لقرابة 9000 مشاهد. واجهة بناية المنصَّة مُزيَّنة بديكور مُميَّز مكوَّن من منظومة أعمدة متوَّجة بتيجان كورنثيَّة وعوارضَ وأفاريزٍ مزخرفة، جميعها من الرخام والجرانيْت المستورد من أسيا ومصر (الشكلين 12، 13). 

الشكل 12. صورة المسرح الجنوبي، نظرة في اتجاه الشمال (وليد أطرش)

الشكل 12. صورة المسرح الجنوبي، نظرة في اتجاه الشمال (وليد أطرش)

الشكل 13. رسم تصويري لواجهة بناية المنصة (تانيا ملتسن)

الشكل 13. رسم تصويري لواجهة بناية المنصة (تانيا ملتسن)

عاشت مدينة بيسان عصرها الذهبي تحت حكم البيزنطيين. دخلت إليها الديانة المسيحيَّة أعقاب زلزال عام 363 م. في أواخر القرن الرابع أصدر القيصر ثيودوسيوس أمرًا بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مقاطعات؛ فلسطين الأولى، الثانية والثالثة، وتم الإعلان عن مدينة "نيسا سكيتوبوليس" عاصمة مقاطعة فلسطين الثانية، ووصل عدد سكانها حوالي 40.000 نسمه. حُصِّنت المدينة بأسوار منيعة امتدّت بين بوابات المدينة الرومانية، وتم تجديد مركز المدينة وأقيمت فيه الشوارع، الساحات، الأسواق وحمّامان كبيران تصل مساحة كل واحد منها إلى 10 دونمات (الشكل 14). أقيمت الكنائس والأديرة خارج مركز المدينة الحضاري فوق التلال، وحافظت "نيسا سكيتوبوليس" على طابعها الهيليني-الروماني المميَّز الناتج عن مزيج حضاري شرقي وغربي. إن مخطط المدينة المعماري الحضاري، ثقافتها الدينية ولغات سكانها المختلفة، يونانيّة، لاتينيَة وآراميَة، تشهد على تعايش ثقافات نبعت من ثقافة العالم الهيليني والروماني والتقاليد القديمة للشرق.

الشكل 14. الحمام البيزنطي الشرقي العام (غابي لارون)

الشكل 14. الحمام البيزنطي الشرقي العام (غابي لارون)

تميَّز النصف الأوَّل من القرن السابع الميلادي بأحداث تاريخيّة وثقافيّة مهمة في سوريا وفلسطين، وأهمها: تراجع الإمبراطورية البيزنطية وانهيارها، الاحتلال الفارسي (عام 614 م) والفتح الإسلامي (634-636 م). نشهد في أوائل الفترة الأمويّة تقسيمًا إداريًا جديدًا لبلاد الشام وفلسطين. استعادت نيسا سكيتوبوليس، اسمها الكنعاني القديم "بيسان". أصبح المشهد الحضري لمدينة بيسان الإسلامية مميَّزًا، عبارة عن مزيج من الفن المعماري الإسلامي والثقافة الرومانيّة والبيزنطيّة. سكان المدينة المسلمون سكنوا إلى جانب السكان المسيحيّين، اليهود والسامريّين، وكانت اللغة العربية إلى جانب اليونانيّة والآراميّة لغات المدينة. أمر الخليفة هشام بن عبد الملك عام 738 م بتشييد سوق في بيسان، ضم 38 حانوتًا، وفي مركزه بوابة ضخمة، زيّن جانباها بنقوش فسيفسائية مذهّبة وهذا نصها: "بسم الله الرحمن الرحيم أمر بهذا البنيان، عبد الله هشام، أمير المؤمنين على يدي الأمير إسحاق بن كبيصة ....." (الشكل 15). 

الشكل 15. رسم تصويري لسوق هشام والنقوش (بيني أروبس)

الشكل 15. رسم تصويري لسوق هشام والنقوش (بيني أروبس) 

عام 131هـ الموافق 18 يناير 749م، تأثرت المنطقة بزلزال قوي (7-7.5 بمقياس ريختر) دمر المدينة كليًا. في الفترة العباسية، على أنقاض هذا الدمار، تم تشييد بعض الأحياء السكنية في مركز المدينة الرومانيّة، البيزنطيّة والأمويّة (الشكلين 16، 17)، وتم نقل مركز المدينة العباسيّة إلى الهضبة الشمالية الشرقية خارج مركز المدينة الأمويّة.

الشكل 16. الحي السكني العباسي فوق أنقاض الزلزال، نظرة في اتجاه الجنوب (غابي لارون)

الشكل 16. الحي السكني العباسي فوق أنقاض الزلزال، نظرة في اتجاه الجنوب (غابي لارون)

الشكل 17. رسم تصويري لبيت من الحي السكني العباسي (تانيا ملتسن)

الشكل 17. رسم تصويري لبيت من الحي السكني العباسي (تانيا ملتسن)

الخلاصة

يعتبر الموقع الأثري في بيسان واحدًا من أفضل المواقع الأثريّة المحافظ عليها في البلاد، ولقد بقيت المدينة مدفونة في التراب لقرون عديدة قبل أن يتم التنقيب عنها وإعادة إحيائها منذ خمسين سنة خلت، وتكشف بيسان عن مثال رائع للتطور المدنيَ والحضري في الشرق. تتجلى عظمة المدينة بمبانيها المتنوعة عبر الفترات. اليوم يستطيع الزائر التجوال في شوارع الأعمدة الشامخة، مباني المدينة التي تمتاز بجودة بنائها الفائق، مسارحها الكبيرة، ساحاتها وحماماتها. 

د. وليد أطرش

باحث في علم الآثار الكلاسيكية. يعمل في سلطة الآثار منذ عام 1987. باحث أول ومنقب أثار، مسؤول عن التنقيبات الكلاسيكية والإشراف الميداني على التنقيبات الأثرية وإرشاد الباحثين والأثريين. متفرغ لكتابة تقارير علميّة عن نتائج التنقيبات في بيسان وطبريا وغيرها، نشر 6 كتب علمية وأكثر من 70 مقالة، ويحرّر مجلة "حجر الزاوية" التي تُعنى بالمواقع الأثرية. نشر حتى الآن 10 أعداد كان آخرها كتاب مدينة القدس: من العصر الحجري وحتى الفترة العثمانية

د سليمان سليمان
معلومات ثمينه للغايه تستحق التقدير كل الاحترام والتقدير ننتظر مزيد من التشرات المشابه لنروي عطشنا بمثل هذه المعلومات الدقيقه الغير مزوره
السبت 1 تموز 2023
د. رزق الاطرش
بارك الله بك يا د. وليد ايها السباق في ميادين البحث والمبادره في المجالات التي لم يطرقها غيرك وباللغه العربيه العريقه. هنيئا لك ثمره كدك وهنيئا لنا بك نحن محبي العلم وفلسطين واللغه العربيه شريان حياتنا ورمز رفعتنا شموخنا وعزتنا.
السبت 1 تموز 2023
عزات عثمان ( المغار)
كل الاحترام والتقدير دكتور وليد لقد شركة في بعض المحاضرات ورحلات تعليميه لدكتور وليد فش اروع وأرقى من هيك انسان انه نهر من المعرفه ، واسلوبه سلس بسيط ومفهوم انه قدوة لمجتمعنا ، الله يكثر من امثاله
السبت 1 تموز 2023
محمد مصاروه
اضافات رائعه عن بيسان
الأحد 2 تموز 2023
زياد ابو عقصه
مقال مثري ومعلومات جيده وخاصة استعمال اسماء ومصطلحات عربيه . ام تتم الاشاره بشكل واضح الى مرحلة انتقال المدينه من التله الى المنطقه السهليه المنبسطه . يعطيك العافيه أستاذ
الأحد 2 تموز 2023
عوني العمري
مقال علمي رائع تثبته الحقائق على الارض يعطيك الف عافية دكتورنا العزيز ..
الاثنين 10 تموز 2023
احمدحسين
جميل بارك الله فيك
الأحد 24 كانون الأول 2023
وجدان مصالحة
شكرا دكتور وليد على المعلومات المثرية مقال علمي رائع عن بيسان وتاريخ هذة المدينه العريقة يعطيك العافية ومزيدا من المعلومات عن مدننا وقرانا
الأحد 31 آذار 2024
رأيك يهمنا