فَراشَات بِلا أَجْنِحَة

1
تَهريج
بعد يوم من التَرفيه والتَفريغ النّفسي أقامه أحد النشطاء في إحدى خيام النّزوح، اعترَض طريقي طفل في الثامنة من عمره يتجوّل بين الخيام معِّلقًا على رقبته سعدانًا مَصنوعًا من القِماش الملوَّن
استوقَفَته نَظرتي المُتسائِلة فبادَرني:
"تشتري؟ مشّان الله، أمانة عليكِ، عاوز اشتري بكيت اندومي أتغدى أنا وأخواتي. أصلًا بيخوّفني وما حبيت هاللعبة".
لأَسباب خاصّة بي أتمَمت الصفقة وَرَفَعت عن كتفيه ثِقَل السّعدان
لأَضَعَه أمام صِغاري وانتظرتُ شِجارهم المُعتاد.
- قالت صغيرتي: في حدّ بشتَري سَعدان.
2
يد واحدة
لَم تَمُد كفّها الصغيرة لتستلم طعامها قائلة لصاحب المبادرة مُشيرة بِيَدها المبتورة:
كان أَبي يُمسِك بِها عندما سَبَقني إلى الجنّة.
3
تَكاتُف
أَصَرّ الطفل مبتور القدم اليمنى على استلام زوج من الأحذية.
عَلِمْت من رفاقه أنه سيتقاسمها مع جارٍ له في الخيمة فَقَدَ قدمه اليسرى.
4
قَبران لِجُثّة واحدة
صغير يزور يوميًّا قبر أُمّه حيث دُفِن ذراعها مع أشلاء إخوتها، ومن ثم يذهب لمقبرة ثانية لزيارة رِجْلها التي دُفِنت مع رأس أبيها وأَشلاء أُمها.
5
ملائكة
يَقضي ليلَه في المقبرة، يَسمع وهو نائم ضجيج صِغاره وهم يلعبون، يتشاكَسون، يرى طائرات ورقيّة ملوّنة تحلّق فوق الشَواهِد، تعلو حدّ السماء، تحملها أيادٍ صغيرة ترفرف كأنها أجنحة تُلاحقها أقدام تَعدو، تَرتفع، تَندفع نحو السماء، يتابعهم بشوق وحنين.
يَصحو على وجهه مبللًا بالدموع، متمنيًّا أن يصبح الحلم حقيقة وتَنبت لصغاره أجنحة.
6
أنين
- سألت صغيرها لماذا امتنع عن تناول رغيفه المخبوز على الطابون لليوم الثالث على التوالي؟ أجابها بصوت خائف: أسمع صوت بكاء داخل الفرن.
وهل يبكي الحَطَب؟
كتمت بنفسها نعم، عليه أن يصرخ وهو مُغمّس بدم أخيك الذي استشهد وهو يَجمعه؛ كي لا نموت جوعًا.
7
هدنة
شارع المَقبرة طويل طويل، عكّازات تضرب الأرض، أطفال بلا أطراف يتقافزون على الرّمل، يتسابَقون لزيارة أطراف سبقتهم إلى الموت.
8
لعبة الموت
الغيوم تعصر ماء، الخيام تقتلعها ريح مجنونة، الكبار يغضبون، يطاردون الماء بالمجاريف، الصغار يتراشقون بالماء، غاص الرضيع في الوحل؛ لأنه بلا زَعانف.
9
مقايضة
بعد انتصاف النهار، خرج من طابور طويل بلا رغيف واحد، انتظره منذ الفجر؛ ليطعم إخوته الصغار، عاد إلى خيمته حافيًا بعد أن استبدل حذاءه بربطة خبز مع صغير آخر يشعر بالبرد.
10
انتهاك
هربًا من الزحام والطوابير بين الخيام.. مقاومًا الجوع والعطش.. تطاولت خطواته الصّغيرة خارج المخيم.. غَرق بالفراغ الكبير والمُعتم؛ كي لا يراه أحد.. قتلته طائرة مسيرة؛ لأنه تخطّى الحدود الآمنة.
