الأَصلانيّة في القانون الدُوليّ وسياسات الهيمنَة

تتزايد في السنوات الأخيرة محاولات لتعزيز الخطاب القانونيّ لحقوق السكّان الأصليّين للمجتمع البدويّ في النقب جنوبي إسرائيل وفي منطقة "ج" في الأراضي المحتلة منذ عام 1967. تستند هذه المحاولات إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصليّة (فيما يلي: الإعلان)، وتسعى إلى الحصول على الاعتراف بالحقوق الثقافيّة وحقوق الملكيّة للبدو في مواجهة السلطات الإسرائيلية، من خلال سياساتها طويلة الأمد المتمثلة في التهجير والإخلاء وهدم البيوت والمنشآت الزراعية وسلب الأراضي، كنهج أساسي من عملية الاستعمار الاستيطاني المستمرة.

ليس بوسعي، في مقالة الرأي القصيرة هذه الخوض في تاريخ تطور إعلان الأمم المتّحدة ومميزاته. اكتفي بأن أشير إلى أن الإعلان يصب في صميم العلاقة المندمجة بين الشعوب الأصليّة ودول الاستعمار الاستيطانيّ. فهو يشير إلى الحقّ في تقرير المصير الثقافي أساسا، بشكل يحظر "أيّ عمل من شأنه أن يؤدي، كلياً أو جزئيّاً، إلى تقويض أو إضعاف السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسيّة للدول المستقلّة وذات السيادة" (المادة 46(1) للإعلان) وهو يستوجب التعاطي والاندماج مع مؤسسات الدولة وقوانينها من أجل وضع الإطار الملائم "لحقوق" الشعوب الأصلية. حيث ينصّ الإعلان أنّه على الدول أن تتّخذ، "بالتشاور والتعاون مع الشعوب الأصليّة، التدابير الملائمة، بما فيها التدابير التشريعيّة، لتحقيق الغايات المنشودة في الإعلان" (المادة 38 للإعلان).

بكلمات أخرى، نحن نتحدث عن إطار قانون دوليّ يتعايش ويتفاعل مع النظام السياسيّ القائم في ظلّ قوانين وشروط الاستعمار الاستيطاني في كلّ دولة ودولة، ولا يطرح إطار بإمكاننا أن نتحدّى من خلاله ماهيّة النظام، بل تحسين الظروف الحياتيّة الثقافيّة من خلاله في أحسن الأحوال. من باب المقارنة، عَرّف إعلان الأمم المتحدة بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المُستَعمرة، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1960 (القرار 1514)، الاستعمار في حد ذاته باعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة.

من أجل الخوض في فحص تبعات الإطار القانوني للإعلان في السياق الفلسطيني والبدوي على وجه التحديد، يجب قراءته من خلال ثلاثة محاور جوهرية تتعلق بالنظام الاسرائيلي. الاول هو تأطير النظام، وهنا تميز العقد الاخير في مركزية الخطاب النقدي الذي يحلل إسرائيل كنظام استعماري استيطاني يهدف إلى الهيمنة الجيو ديموغرافية والسياسية في كافة أنحاء فلسطين الانتدابية، ودسترة طبيعة النظام تلك أيضاً من خلال قانون اساس القومية الذي سنّته الكنيست الاسرائيليّة في العام 2018 . الثاني هو إدراك أهم استراتيجيات تعاطي النظام الإسرائيلي مع الشعب الفلسطينيّ من خلال تبني التجزئة والشرذمة الجغرافية والقانونية كأساس له، كما ورد في تقارير مفصلة لمنظمة الحق، بتسيلم والتقارير الأخيرة لمنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش حول الفصل العنصري - وقد كتبت [1] في السابق حول ماهية الاعلان وكيف يمكن لاستهلاكه في السياق الفلسطينيّ أَنْ يؤدّي إلى تشرذم وتفكك ذاتيّ للهويّة السياسية الفلسطينيّة. والثالث هو الدور الفعّال للجهاز القضائي الاسرائيلي في الفضاء السياسي للنظام وأهدافه الاستراتيجية منذ النكبة مرورا بالاحتلال منذ العام 1967 وبشكل مشابه على جانبي الخط الأخضر.

وهنا أودّ التعقيب باختصار حول دور الجهاز القضائي الاسرائيلي، كونه الفضاء الأساسي من خلاله يُؤطَّر التفاعل مع "الحقوق" المنصوص عليها في الإعلان. بعض القراءات النقدية للقانون والجهاز القضائي الاسرائيليين تشير على أنه في سياق الاستراتيجيات الجيوسياسية الإسرائيلية، لا يمكن الفصل بين الفعل السياسي والقانوني. القانون وتفاعل الجهاز القضائي معه يصبان في لبّ الفعل السياسي وذلك صحيح على مدار التاريخ القانوني للأجهزة الاسرائيلية في كافة مناطق فلسطين الانتدابية. من خلال هذا الفعل الجيو قانوني يقوم الجهاز القضائي، من ضمن استراتيجيات كثيرة اخرى، بعملية تسخير للتميز الثقافي للبدو، بشكل خاص، من أجل شرعنة وعقلنة سلب الأراضي والإخلاء وترسيخ الاستيطان اليهودي على أراضيهم.

تمثل ذلك في الفترة الاخيرة بقرار المحكمة العليا القاضي بإخلاء قرى مسافر يطا في الضفة الغربية، حيث سخرت المحكمة نمط حياة البدو القاطنين في المنطقة من أجل تبرير إخلاءهم بادعاء بأنّ نمط حياتهم يشير الى انعدام ما سمته المحكمة "بسكن دائم" في قراهم. أمثلة أخرى مشابهة تتمثل بقرارات المحكمة العليا في سياق تهجير عرب الكعابنة والجهالين وغيرهم. ذات المنطق القانوني المستند إلى أنماط التملك البدوي العشائري للأرض يشكل منذ سنوات اساس لقرارات المحاكم واللجان التابعة للإدارة المدنية القاضية بسلب أراضي القبائل البدويّة في النقب والضفة الغربيّة على حد سواء. مثال من السنوات الاخيرة نراه في القرار بسلب أراضي العقبي في النقب والذي من خلاله رفضت المحكمة العليا الاعتراف بملكيتهم للأرض، خلصت أيضا إلى أنّ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصليّة (UNDRIP) ليس قانونًا دوليًا ملزمًا في إسرائيل، وأنه في ضوء هذا الاستنتاج، لم يكن هناك سبب يدعوها للتداول بشأن مطالبة البدو الاعتراف بحقوقهم كسكان أَصليّين. قرار المحكمة العليا بإخلاء قرية أم الحيران يشكل مثالا آخر سخّرت فيه المحكمة التميّز الثقافي البدويّ من أجل تبرير عدم إمكانية دمجهم كمجموعة اجتماعية موحدة ومتكاملة كحي في البلدة اليهودية المخططة على انقاضها (أم الحيران). لا بد من الذكر هنا أنّه على المستوى الأكثر شموليّة، يسخّر القانون الإسرائيلي معيار الملاءمة الاجتماعية والثقافية من أجل الاستمرار في جهاز الفصل العنصري في السكن من خلال ما هو معروف بقانونِ لجان القبول والتي رفضت المحكمة العليا إبطاله في العام 2014.

الأمثلة أعلاه تشير بشكل واضح بأنّ التصميم الجيوقانوني الإسرائيلي للهيمنة اليهودية يعتمد بشكل كبير ليس فقط على التجزئة، بل ايضا على التميّز الثقافي والاجتماعيّ كإحدى سيروراته. فالجهاز القضائي الإسرائيلي صاغ المفهوم القانوني للتميز الثقافي البدوي بشكل لا يمكن فصله عن علاقات ومساقات القوة الاستعمارية والهيمنة التي يتميز بها النظام الإسرائيلي. في هذا السياق، تقول لنا طاطور [2]، وبحقّ، أنه عندما نرتكز على التميز الثقافي للبدو، فإننا نعزل الأصلانية من الظروف السياسية التي جعلتها فئة ذات صلة في المقام الأول. في ظل هذا الفضاء القانوني، فإن أي محاولة للهروب من السياسيّ إلى الثقافيّ، من خلال الإعلان الدوليّ لحقوق السكّان الأصليّين، ليس فقط محكوم عليه بالفشل، لا سيما في قضايا المتعلقة بالأراضي التي تكمن في صميم المشروع الاستيطاني اليهودي ومن باب الايديولوجيا الصهيونية في أساس هذا المشروع، بل يُخضعنا ذلك طوعاً تحت كنف المهيمن دون الخوض في سؤال شرعية شاكلة أسرائيل الاستعمارية الاستيطانية.

انطلاقاً من هذا الإدراك، ومن أجل الشروع في تحقيق جادّ في الهياكل الاستعماريّة ومحاولة تفكيكها، علينا ليس فقط تحليل القانون الاستعماري وآثاره على الشعب الفلسطيني ومشروعه التحرري من أجل إحقاق حقه في تقرير مصيره، ولكن أيضًا الشروع في تحليل خيارات الاستهلاك القانوني، لا سيما الأطر القانونية التي تصب في لب العلاقة بين المُهَيمِن والمُستَعمَر. من هنا، اللجوء إلى التميز الثقافي من خلال إعلان الأمم المتحدة، من الممكن أن يدخلنا في عملية تفاعل غير متحدي بطبيعته، إن لم يكن متناغم، مع بعض المشكلات التي تحيك الهيمنة ضد الشعب الفلسطيني. في حين أن تحدي الهيمنة لا بد أن يخوض في العديد من الأسئلة مثل نموذج السيادة وشرعية الدولة الاستعمارية الاستيطانية ومعنى المطالبة بالأرض وتقرير المصير والفروقات بين السيادة وتقرير المصير والحكم الذاتي والكثير غيرها التي لا يتيحها إطار إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية.

الاحالات:

https://assafirarabi.com/ar/16943/2017/05/15/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%8a%d9%85%d9%83%d9%86-%d9%84%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d9%85%d9%88%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a3%d9%86/

https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13642987.2019.1609454

كاتبة المثال: سهاد بشارة وهي المديرة القانونية لمركز "عدالة" ومرشحة لنيل درجة الدكتوراه في كلّيّة الحقوق في "كينجز كوليدج- لندن" (KCL). يشار إلى أنّ المقال يعبّر عن رأي الكاتبة الشخصيّ.

الصورة: من موقع "فلسطين أون لاين".

المحامية سهاد بشارة

المديرة القانونية لمركز "عدالة" الحقوقي ومرشحة لنيل درجة الدكتوراه في كلّيّة الحقوق في "كينجز كوليدج- لندن" (KCL)

رأيك يهمنا