قبل يومين، في تزامنٍ عَرَضيٍّ مع ما أطلقت عليه الأمم المتحدة اسم "اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني" [ال-29 من تشرين الثاني (نوڤمبر)], والذي يصادف كذلك الذكرى الـ-75 لقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، أقيم في مقرّ الأمم المتحدة حدث خاص يعنى بتأثير الاعتداءات والتحرشات الجنسية على صحة النساء والرجال المعتدى عليهم. إلى هذا الحدث، الذي انطلق برعاية منظّمة الصحة العالمية، دُعيت وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي بدورها لم تتوانى عن الحضور ودعوة نساء ناشطات في مجال الجندر وحقوق المرأة، من ضمنهن مديرة اللوبي لمحاربة العنف الجنسي التي ألقت هناك كلمة تفاخرت بها بالتقدّم الذي حققته دولتها، إسرائيل، في التعامل مع تبعات التحرش الجنسي على صحة ضحاياه، وسط تجاهلٍ تام للمتضررات والضحايا الفلسطينيات. لهذا، ولرمزية التاريخ، لا بد من الوقوف هنا لنسأل عن أي تقدّم تتحدث إسرائيل؟ ما الذي يستدعي الفخر في تاريخها الحافل بانتهاك حقوق النساء، خصوصًا الفلسطينيات؟ وكيف يمكن لدولة مستعمِرة اغتصب جنودها وعناصر في أجهزتها الرسمية وتحرشوا وأعدموا - على مدار سنوات وجودها ولغاية يومنا هذا - نساء فلسطينيات، أن تجاهر بإنجازات "وردية"؟

"أمسكوا بـ52 رجلًا وقيّدوهم، وحفروا حفرةً وأطلقوا النار عليهم، 10 منهم كانوا لا يزالون ينازعون الموت، وجاءت النساء، وتوسّلن للرحمة، ووجدن 6 جثث، ثم 61 جثة، وثلاث حالات اغتصاب، إحداهن فتاة عمرها 14 سنة، أطلقوا النار عليها وقتلوها…". هذا ما كشفته صحيفة "هآرتس" في تموز 2019، في تقريرٍ نشرته أربع سنوات بعد عثور المؤرخة تمار نوڤيك على وثيقة في أرشيف ياد يعاري في چڤعات حبيبا، تتعلق بالمجزرة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في قرية الصفصاف الواقعة في الجليل الأعلى، في أواخر عام 1948. يُذكَر أن نوڤيك كانت قد تقصّت مصداقية الوثيقة وتأكدت منها بعد تلقّي شهادة مماثلة، إلا أنها عندما عادت للأرشيف لم تجدها، وحين سألت عن مكانها قيل لها إن وزارة الأمن وضعتها في صندوق آمن.

أيضًا في النكبة، وتحديدًا في تموز عام 1949، أفادت الفتاة يسرى محمد من الناصرة، التي بلغت حينها 15 عامًا، أن ثلاثة جنود إسرائيليين خطفوها من بيتها، أحدهم اغتصبها مرّتين. لاحقًا أغلقت الشرطة العسكرية ملف التحقيق، مدّعيةً أن شابًا عربيًا من المدينة هو من اغتصبها.

في شهر آب من العام ذاته، خطف جنود إسرائيليين فتاة فلسطينية بدوية، اغتصبوها وقتلوها. كبار القادة الإسرائيليين، وعلى رأسهم داڤيد بن چوريون، علموا بهذه الجريمة، التي تم الكشف عنها في الصحافة العبرية بعد عامٍ على وقوعها، إلا أنها اختفت من التاريخ لسنوات طويلة بعدها، حتى عام 1996.

في عام 1950 اختُطفت فاطمة، 12 عامًا، في جيب عسكري، اغتُصبت وقُتلت. الجندي المشتبه به، داڤيد پاليك، أُطلق سراحه بادّعاء عدم وجود أدلة كافية لإدانته.

في حادثة أخرى وقعت في العام ذاته، ثلاثة عناصر من الشرطة الإسرائيلية اعترضوا امرأة فلسطينية أثناء محاولتها عبور الحدود رجوعًا لفلسطين واغتصبوها. بعد اعترافهم بجريمتهم تمت إدانتهم بالاغتصاب وحكم عليهم بالسجن لمدة لا تتجاوز العام ونصف العام.

رغم أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تنفي تورّط عناصر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باغتصاب فلسطينيات منذ عام 1950، إلا أن الواقع يُظهر غير ذلك.

نحن في عام 1968، ما بعد النكسة. امرأة فلسطينية من سكان غزة اتهمت ضابط في الجيش الإسرائيلي باغتصابها. لاحقًا تمت تبرئته لأن "العربية لم تقدّم شكوى بشأن الاغتصاب فورًا بعد حدوثه"، وأيضًا لأنّ "أحدًا لم يلحظ سلوكًا شاذًا" لدى الضابط.

في كتابها "أحلام بالحرية"، تقول الأسيرة المحررة عائشة عودة أنها لا يمكن أن تنسى ليلة العاشر من آذار (مارس) عام 1969؛ الليلة التي أقدم بها محقق إسرائيلي على اغتصابها باستخدام عصا. الأسيرة المحررة رسمية عودة، التي اعتُقلت في ظروف مماثلة تلك الفترة، أفادت هي الأخرى بأنها قد تعرضت للاغتصاب خلال التحقيق معها.

وشهدت السيدة دولت السيد علام في إطار تقريرٍ أصدرته هيئة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 1970، أن الإسرائيليين جاءوا إلى منزلها حيث تواجدت مع زوجها البالغ من العمر خمسة وستين عامًا وأطفالها الثمانية. تم اصطفافهم وطلب بطاقات هويتهم. بعدها ضرب الجنود الإسرائيليون زوجها بوحشية، في حين كانت مقيدة وحاول الجنود اغتصابها. كان ابنها البالغ من العمر خمسة عشر عامًا قد استولى على سكين وهاجم الجنود الذين قتلوه، ومن ثم اغتصبوها. هذا وقد اغتصبها جنود إسرائيليون للمرة الثانية عندما حاولت الوصول إلى مصر.

وبعدها توالت الشهادات فيما يتعلق بارتكاب عناصر أمن إسرائيليين جرائم اغتصاب وتنكيل ضد نساء فلسطينيات. في عام 1990 قُدّمت للجنة الخاصة للتحقيق في الممارسات الإسرائيلية بالأراضي المحتلة، المنبثقة عن الأمم المتحدة، شهادة سرّية تفيد بمحاولة جنود اغتصاب سيدة فلسطينية في قرية عبسان. وفي عام 1996 تقدّمت امرأة فلسطينية من بلدة صوريف بشكوى لوحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحاش)، ضد شرطيٍّ إسرائيليّ من وحدة حرس الحدود حاول اغتصابها ثمّ فرّ هاربًا. بعدها بثماني سنوات، عام 2004، قدّمت سيدة فلسطينية شكوى ضدّ عناصر من شرطة حرس الحدود قاموا باغتصابها، بينما ادّعوا هم ردًا على الشكوى أنهم لم يغتصبوها، بل أقاموا معها علاقة جنسية بموافقتها. بناءً على ذلك لم يتم حتى فتح تحقيق في الواقعة. في عام 2012 أفادت سيدة فلسطينية أن شرطيًا من حرس الحدود اغتصبها داخل غرفة التحقيق. بعدها بعشرة شهور أغلقت وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة الملف، ذلك دون إعلام المشتكية بالأمر ودون توقيف أي مشتبه.

مخطئ من يعتقد أن ما سبق ما هو إلا أحداث فردية مضى عليها الزمن. في شهر نيسان (أبريل) 2021 كشفت صحيفة "هآرتس" تفاصيل وإفادات تعود لعام 2015، وتشير إلى تورّط مجموعة من أصحاب المناصب في الجيش وجهاز المخابرات الإسرائيلي، منهم قائد فرقة وقائد كتيبة ومركّز منطقة في الشاباك، في انتهاك جسد معتقلة فلسطينية خلال التحقيق معها، تخلل العبث في أعضائها الحساسة. تقرير "هآرتس" كشف كذلك عن إغلاق ملف التحقيق ضد المتورطين في الجريمة - ثلاثة من جهاز الشاباك وثلاثة ضباط في الجيش - وعن ترقية أحدهم، في الشاباك، في وقتٍ لاحقٍ. في مطلع هذا العام استأنفت الضحية (ليست معتقلة اليوم) على القرار، وطالبت بمحاسبة كافة المتورّطين وإدانتهم بالاغتصاب. أما في تشرين الثاني (نوڤمبر) المنصرم، فقد كُشِفت ورقة الموقف التي قدّمتها النيابة العامة قبل إغلاق الملفّ، والتي ادّعت فيها أنه "لا يجب النظر للقضية بمنظور جريمة الاغتصاب، حتى ولو تحققت أسس الجريمة حسب نصّ القانون"، وأوصت بعدم ملاحقتهم قانونيًا.

الأمثلة المذكورة أعلاه لحالات اعتداء عناصر في قوات الأمن الإسرائيلية جنسيًا على نساء فلسطينيات هي بمثابة غيضٍ من فيض، والأمر المؤكد أن ما خفيَ أعظم وأبشع. ناهيك عن جرائم شبيهة ارتُكبت كذلك بحق رجال فلسطينيين (والتي هي أيضًا غالبّا ما تبقى طيّ الكتمان لحساسية الموقف وقسوته وصعوبة التعامل معه)، وعن الأشكال الأخرى للعنف الذي تمارسه المؤسسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيات والفلسطينيين - نفسيًا، جسديًا، لفظيًا وإلخ. إسرائيل التي تحتجز بسجونها وفي ظروفٍ مزرية ما يزيد عن 30 أسيرة فلسطينية، من ضمنهن أمهات وثلاث أسيرات إداريات لم تُقدَّم بحقهن لوائح اتهام ولم يُحاكَمن قط؛ إسرائيل التي تنكّل بنساء وأطفال منطقة مسافر يطّا جنوبي الخليل بهدف تهجيرهم وتشريدهم ومحو بيوتهم وذكرياتهم؛ إسرائيل التي تحاصر وتخنق نساء غزة، وتمنع بعضهن من تلقّي العلاج بمشافيها؛ إسرائيل التي تلاحق الصحافيات الفلسطينيات وتستهدفهن؛ وإسرائيل التي تستخدم النساء كوسيلة ضغط على المعتقلين الفلسطينيين أثناء التحقيق معهم - هي ذاتها إسرائيل التي في يوم التضامن العالمي مع الشعب الذي تستعمره، تتفاخر في الأمم المتّحدة بتقدّمها في منع العنف تجاه النساء، وتناقش تأثيره على صحّتهن. يالها من مهزلة!

الأمثلة أعلاه تُظهِر كذلك، وبشكلٍ واضحٍ، تستّر المؤسسة الإسرائيلية على جرائم قواتها والوقوف خلف عناصرها حتى عند اعترافهم بجرائمهم. غسيل إسرائيل الوردي لن يسعفها في تلميع سياساتها الجندرية، دون الخوض في تلك المتعلقة بالصحة، الجسدية أو النفسية. لا منابر الأمم المتحدة ولا غيرها بإمكانها إخفاء حقيقة كون إسرائيل بعيدة كلّ البُعد عن رعاية أمان النساء وصّحتهن. لا عزاء لاستعمارٍ بكلمةٍ في المحافل الدولية تلقيها ناشطة نسويّة.


كاتبة المقال: المحامية هديل عزّام جلاجل وهي ناشطة حقوقيّة ونسويّة.

هديل عزّام - جلاجل

محامية وناشطة حقوقية ومديرة مشروع المستشارات في جمعية إيتاخ معكِ

رأيك يهمنا