أبٌ وابنُهُ في بِلاد الوَاق وَاق

أعزائي القرّاء، أكتب هذا المقال، وأنا أرتَعِب من الدّاخل. لطالما وَدَدت أن أكتُب عن أبٍ وابنِه في بلاد الواق واق. تلك البلاد الّتي أصبَحَت تَحكُمها لغة السّلطة والمحسوبيّة. بلادُ "كلّ من إيدُه إله" أو بلاد "خُذْ حقّك بإيدَك". تلك البلادُ التي لا نَعرف كيف تحوّلت من بلادٍ تحمل أسمى القضايا الإنسانية في العالم، لبلادٍ أصبحت تَنهَش لحم أبنائها يمينًا ويسارًا. ولعلَّ أن هذا النّهش والبَطش والعنف، يتوقّف عند أوّل حاجزٍ يقف عليه جنديٌ جاء من بلاد الحبَشة، لا يستطيع أن ينطق كلمةً واحدةً من لغة الضاد، لتبتلع عنفًا من نوعٍ آخر!
في أَحَد الأحياء الجميلة التي تَسكُنها الذّكريات الجَميلة بين الجيران، والتي تَحفَظُ جدرانُها أسرارَ الحُب والتّعاون بين أَطفالها، ظَهَر طفلٌ أشقر الشَّعر، قادمًا من منزلٍ يفيض بالقوّة والسّطوة المطلَقة. لم يكن له يدٌ في اختيار أبيه، لكنّه كان الوريث المحتوم لإرث ثقيل من الطُغيان والاستبداد.
أبوه، الذي حَمَل لقبًا مستعارًا من بلاد الكِنانة، لم يكن إلا صورةً مكثّفةً للاستبداد في أبشَع تجلّياته. استمد قوّته من موقعه داخل أَحَد الأجهزة الأمنيّة في بلاد الواق واق، حيث تحوّل منصبه إلى سيفٍ مسلّط على رقاب الناس، ودرعٍ يحميه من كلّ مساءلةٍ أو عقاب. لم تكن السّلطة بالنسبة له مسؤولية، بل كانت امتيازًا يتيح له أن يقرّر مَن يعيش ومَن يموت، مَن يَبقى في بيته ومن يُطرد إلى الشارع.
نشأ الطفل يَنظر لتصرفّات أبيه داخل بيته وفي الشّارع. رأى بعينَيه كيف خَرَج والده إلى الشّارع في لحظة غضبٍ وأطلق النار على أخيه، كيف صَرَخ المارّة، وكيف أفلتَ والده مِن العقاب. لم يكن هذا المشهد غريبًا على الطفل، بل كان جزءًا من حياته اليومية. كان والده، كلّما غضب، يثور كإعصار، يقتحم المنازل، يستولي على أملاك غيره دون تردّد، ثم يَعود إلى بيته ليجلس متفاخرًا بِسَطوته، يروي قصصه كأنّها بطولات، بينما يَسخَر من عجز الآخرين.
في هذا المناخ المُشبَع بالخوف، بَدأ الطفل يتعلّم دروسه الأولى في الحياة. لم تكن المدرسة مَن تعلّمه، بل كان بيته هو الصف الأوّل في مَدرسة العنف والسُّلطة المطلَقة. كان يرى والده يعامل الناس كما لو أنهم عبيده، يَصرخ في وجوههم، يقرّر مصائرهم، يعاقِب من يعارضه، ويكافئ من يَخضع له. كان المنزل ساحة تَدريب، حيث الطّاعة العَمياء هي الفضيلة الوحيدة، والخضوع هو القانون.
أحيانًا، أُصادف هذا الطّفل في الحيّ. أراه يَمشي كأنما يَحمل عباءة أبيه، يتحرّك بثقةٍ مُفرطة، تتجاوز سنوات عمره القليلة. عيناه تُراقِبان كلّ شيء: كاميرات المراقبة المنتشرة في الحيّ، سيارات الجيران، وحتى الأطفال الذين يلهون في الشارع. هناك شيءٌ مختلف في نظرته؛ ليست نظرة فضولٍ بريء، بل نظرة فاحصة، متفحّصة، أشبه بعيون الصّياد الذي يدرس فريسته قبل الانقضاض.
بدأتُ أَلاحِظ كيف يتعامل مع الأطفال الآخرين. لم يكن يلعب، بل كان يفرض سلطته. كان يقف متفرّجًا إذا نَشَب شِجار، يراقِب بعناية وكأنه يتعلّم كيف تسير الأمور، وأحيانًا، يتدخل ليحسم الأمر لمصلحة من يَخشاه أكثر. لم يكن يبحث عن أصدقاء، بل عن أتباع.
أَدركتُ حينها أن العنف لا يحتاج إلى تعليم مباشِر، بل يتسرّب إلى النفس مثل ماءٍ يروي شجرةً ضارّة. لم يكُن هذا الطفل بحاجة لأن يُخبِرَه والده كيف يكون قاسيًا، فقد تعلّم ذلك من خلال المشاهدة، من خلال امتصاص كلّ ما يدور حوله.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لَوم هذا الطفل على ما أَصبح عليه؟ هل هو مسؤول عن هذا الإِرث الثّقيل الذي حَمَله قَبل أن يَعي معنى المسؤولية؟ أم أن المجتمع بأَسرِه مسؤول عن السّماح بنشوء هذه البيئات التي تُنتج مستبدّين جددًا؟
العنف لا يولَد من العدَم، إنه سِلسلة متّصلة، تبدأ من فردٍ يقرّر أن قوّته تمنحه الحقّ في سَحق الآخرين، ثم تنتقل إلى أطفاله الذين يكبُرون وهم يَرون هذا السّلوك على أنه أمرٌ طبيعي. تتكرّر القصّة مع كلّ جيل، حتى تصبح القسوة عادة، والبطش أسلوب حياة.
يُمكن أن يختار الطّفلُ طريقًا آخر، لكن كَم يحتاج من قوةٍ ليكسِر هذا القيد؟ كيف يمكن أن ينمو في بيئةٍ مختلفة وهو محاصرٌ بقبضة أبيه الحديديّة؟ وحتى لو استطاع أن يشقّ طريقًا مختلفًا، فهل سيسمح له المجتمع بذلك، أم أن الجميع سيحكمون عليه بأنه مجرّد نسخة جديدة من والده؟
اليوم، هو طفلٌ صغيرٌ يراقب، يتعلّم، يختبر سلطته على مَن هم أضعف منه. لكن غدًا، سيكون رجلًا، فماذا سيكون دوره؟ هل سيعيد سيرة والده، أم سيتمرد على إرثه؟ هل يمكن أن يتحوّل من جلادٍ محتَمَل إلى شخصٍ يختار العدل بدلًا مِن القهر؟
الاحتمالات كلّها مفتوحة، لكنّ الواقِع يقول إن الطّغاة لا يَسقُطون من السماء، بل يُصنعون في بيوتٍ مثل هذا، في أجواء مثل هذه، تحت تأثير آباءٍ مثل هذا الأب.
إن السؤال ليس فقط عن هذا الطفل، بل عن المجتمع الذي سَمَح لهذا الأب بأن يصبح ما هو عليه، والذي يغضّ الطرف عن مِثل هذه البيئات التي تُنتج المَزيد من العُنف. لو أَرَدنا كَسْر هذه الحلقة، فعلينا أن نتساءَل عن جذورها، لا أن ننتظر حتى تتحوّل إلى كارثة لا يمكن إيقافها.
ربما، إن أتيحت للطفل فرصةٌ لرؤية عالمٍ مختلف، ولو لحظةً، فقد يختار طريقًا آخر. لكن إلى أن يحدث ذلك، فإن هذا الطفل سيظلّ يسير في الحيّ، يراقب الكاميرات، يُعاين السيارات، ويرمق الأطفال الآخرين بنظراتٍ شريرة، يحمل في داخله إرثًا لم يَختره، ومستقبلًا لم يُحسم بعد.
ملاحظة ختامية: إن أيّ رَبْطٍ بين هذه المقالة وأيّ حالة واقعيّة، هي مُجرّد صُدفة ولا تَمتّ للحقيقة بِصِلة.

أحمد ياسين
ناشط شبابي من مدينة رام الله، حاصل على شهادة الماجستير في تنمية المجتمعات الدولية، بتركيزٍ على تأثير الحركات الاستعمارية على المجتمعات وطرق تنميتها. يعتبر أحمد أحد الممثلين عن الشباب الفلسطيني في المحافل المحلية والدولية، وقد تحدّث عن فلسطين والقضية في مجلس الأمن، ومقر الاتحاد الأوروبي، وغيرها من المنصات الدولية والمحلية. يترأس أحمد مجلس إدارة مؤسسة الرؤيا الفلسطينية في القدس، وينشط مع مؤسسات الأمم المتحدة للمشاركة في تعزيز دور المرأة العربية والفلسطينية وتمكين مشاركتها.