اللغة العربية والتنوّر اللغوي

الرجوع

د. راوية جرجورة - بربارة

اللّغة العربيّة هي لغة الأمّ، واللّغة القوميّة للمواطنين العرب في إسرائيل، ولغة التدريس الرسميّة في كلّ المدارس العربيّة، وهذا ما أسهم في الحفاظ عليها حي نابضة في المشهد اللّغويّ في البلاد.

بما أنّ لغة الأمّ هي لغة الحياة، وهي اللّغة الّتي تؤثّر على طرائق التفكير والتعبير، وبالتالي تؤثّر على مدى تطوّر الإنسان مهنيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، نسعى لتمكين التلميذ من مهارات التنوّر اللّغويّ المطلوبة حسب وثيقة سِمات خرّيج 2030:


ونسعى في كلّ ما نعدّه من مناهج جديدة، ووحدات تعليميّة محوسبة، وطرائق تعليم مختلفة إلى بناء إنسان متنوّر لُغويًّا؛ والتنوّر اللّغويّ يعني القدرة على استخدام اللغة للتكلُّم والكتابة في مجالات مختلفة اجتماعيّة، تعليميّة وشخصيّة. وتتضمّن القدرة على فهم وتقييم نصوص مسموعة ومكتوبة والتعامل معها، التعبير عن الأفكار والمشاعر، صياغة الأفكار والآراء والدفاع عنها، تقديم وعرض المعلومات بشكل واضح ومترابط، وإدارة تواصل جيّد مع الآخرين. بشكل يلائم المناسبة والظروف، المُتلقّين وجمهور الهدف، من خلال معرفة باللغة وقواعدها وكنوزها المتعلّقة بالثقافة والحالة الاجتماعيّة.

لقد مرّ تدريس اللّغة العربيّة بتغييرات جمّة أسوةً بما حصل من تغييرات في تدريس لغة الأمّ على مستوى العالم، إذ لم يعد يقتصر تعليم اللغة العربيّة على النصوص الأدبيّة، لكونها لغة التفكير والتعبير في كلّ مجالات الحياة؛ لذلك أطلقنا عليها التربية اللّغويّة العربيّة، لأنّ لغة الأمّ هي اللّغة التي تساعد الإنسان على تطوير مهاراته الحياتيّة واليوميّة، من طرائق واستراتيجيّات تفكير؛ استنتاج وتصنيف ومقابلة ودمج وما إلى ذلك، كما وتساعده على التعبير عن أفكاره وآرائه ومشاعره، هذا إضافةً إلى تنمية التذوّق الأدبيّ، وتعزيز انتماء التلميذ لتراثه وحضارته العربيّة، وترسيخ القيَم الجيّدة في كلّ سيرورة التعليم والحياة.

يبدأ تعليم التربية اللغويّة العربيّة من رياض الأطفال، وعدا عن المنهج الصادر سنة 2008/ والذي نحن الآن بصدد تجديده بما يتلاءَم مع متطلّبات العصر، نجد في رياض الأطفال "رزمة لتضييق الفجوات في البستان في اللّغة والتنوير القرائيّ، تتضمّن مادّة ونماذج عن موضوع الكفايات اللغويّة (القاموس اللّغويّ والتداوليّة، الوعي الصّرفيّ، الوصف والمقارنة ومهارات التصنيف)، وموضوع الوعي الصّوتيّ ومعرفة الحروف، وموضوع الإقبال على الكتاب، ذلك أنّ الأطفال في رياض الأطفال والبستان والصفّيْن الأوّل والثاني يحصلون خلال السنة الدراسيّة مجانًا على قصص مكتبة "الفانوس"، فيبني الطفل مكتبته الأولى بحصوله على 24 قصّة حتّى نهاية الصفّ الثاني (4 قصص خلال السنة الدراسيّة لكلّ مرحلة عمريّة)، عدا عن مرشد للأهل في كيفيّة القراءة لأطفالهم، وفعّاليّات للمربيّة.

تنصّ رؤيا المنهج للمرحلة الابتدائيّة على أنّ التلميذ في الصفّين الأوّل والثاني "يتعلّم كي يقرأ"، وعليه طوّرنا مع "راما" السلطة الوطنيّة للقياس والتقييم، فحصَي القراءة للصّفيْن الأوّل والثاني، ويتمّ من خلال المهامّ الفرديّة أو الجماعيّة فحص مدى تمكّن كلّ تلميذ من المهارات المطلوبة منه، وبناء خطط تدخّل علاجيّة فرديّة حتّى نتأكّد من تمكّن التلميذ من القراءة الدقيقة السريعة الأوتوماتيكيّة ليتمكّن من الوصول إلى فهم المقروء.

سيحصل التلميذ خلال السنة الدراسيّة وللمرّة الأولى، على فحص جديد للقراءة في الصفّ الثالث، وذلك كأداة تقييم وتعليم تساعد المعلّم/ة على متابعة فحص أداء التلاميذ، واستمرار بناء خطط علاجيّة؛ عدا عن فحص التعبير الكتابيّ الذي سيصل إلى الصفوف الثالثة والرابعة.
نحن نتعامل مع التقييم التكوينيّ كأداة لبناء سيرورة التعليم بناءً على معطيّات صفيّة وفرديّة، وعليه، نجري فحصيْن خارجييْن قطريين أحدهما للصفوف الرابعة، وثانيهما للصفوف الثامنة، تحصل في أعقاب تنفيذهما كلّ مدرسة على تقرير عن أداء تلاميذها حسب 4 مستويات أداء في المهارات المختلفة، لبناء خطط تدخّل تساعد التلاميذ على تخطّي الصعوبات في فهم المقروء والتعبير.

أمّا في المرحلة فوق الابتدائيّة فنحن نفحص مستوى تلاميذ الصفوف السابعة في اللّغة العربيّة حسب فحص "عميت" الورقيّ أو الرقميّ، والذي تُبنى في أعقاب نتائجه خطط تدخّل علاجيّة بمساعدة مرشد خاصّ "مصحح أداءات التلاميذ"، والذي يساعد معلّم اللغة العربيّة.

خلال السنوات العشر الأخيرة تمّ فصل نموذج بجروت اللّغة عن نموذج بجروت الأدب، ثمّ تمّ فصل مواعيد الامتحانات، عدا عن المركّب الأهمّ وهو تغيير مبنى الامتحانات، وإدخال قسم فهم المقروء كنصّ خارجيّ، ما لم يكن سابقًا، والتعامل مع مادّة القواعد كمادّة مهمّة للفهم والتعبير ممّا أدّى إلى أنجاز كبير تمثّل في انخفاض نسبة الراسبين، ارتفاع نسبة المتفوّقين، والأهمّ من هذا كلّه، لم تعد اللّغة العربيّة تشكّل عائقًا أمام التلميذ في حصوله على شهادة الاستحقاق، وهذا إنجاز يساعد على تطوير مجتمع صحيّ أكثر.

التحدّيّات أمامنا كثيرة، من الديجلوسيا/ الازدواجيّة في اللّغة ما بين المحكيّة والفصيحة، وثنائيّة اللّغة في دولة تُعتبَر فيها العبريّة هي اللّغة الرسميّة، عدا عن التغيّر الجمّ في متطلّبات سوق العمل ممّا يفضي إلى أهمّيّة إحداث تغييرات في تمكين التلاميذ من مهارات مختلفة تمكّنهم من الاندماج في سوق العمل المحليّ والعالميّ في عصر الأتمتة، مثل مهارة العمل في مجموعات، البحث العلميّ، غربلة الموادّ وتصنيفها، طرح الأسئلة، وحلّ المشكلات وما إلى ذلك، كلّ هذا يتطلّب تضافر القوى من كلّ الهيئات المجتمعيّة بدءًا بالعائلة الصغيرة وانطلاقًا إلى كلّ مؤسّسة تربويّة يقع على كاهلها مسؤوليّة تنمية أبنائنا من أجل التكيّف الاجتماعيّ، ومن أجل حياة أفضل.

كلّ هذا نسعى إلى تحقيقه على أحسن وجه إضافةً إلى مسابقات كثيرة نجريها في اللّغة العربيّة تهدف إلى تعزيز ثقة التلميذ بنفسه، وتنمية إنسان معتزّ بلغته وانتمائه، قادر على التفكير والتعبير؛ عدا عن تخليدنا لذكرى كبارنا الذين أُطلقَت المسابقات على أسمائهم مثل البروفيسور جورج قنازع، بروفيسور فاروق مواسي، بروفيسور محمود غنايم، شاعرنا حنّا أبو حنّا، شاعرنا شكيب جهشان، شاعرنا حنّا إبراهيم وغيرهم، في مسابقات مثل الخطابة، المناظرة، التعبير الإبداعيّ، لغتي إبحار ومرساة، مسابقة الشّعر وغيرهم.


كاتبة المقال: د. راوية جرجورة - بربارة، المفتّشة المركّزة للّغة العربيّة- وزارة التربية والتعليم؛ محاضرة لطلّاب الدراسات المتقدّمة/ اللغة العربيّة وآدابها كليّة أورانيم؛ أديبة وباحثة أكاديميّة.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب