هل تعرفون طفلا يحب المدرسة!؟

الرجوع

د. سامي جمال محاجنة

لا زال سؤال ابن الصف الأول لأمه يسألها متمنيا لماذا لا تلتهم الحريق مدرسته كما التهمت الكرمل والذي يبعد عن بيته أكثر من 100 كلم، يثير لدي الاستغراب ولا يثير التساؤلات. مرت سنوات ولا زال السؤال يشكل لي محورا تدريسيا حول علاقة الطالب بالمدرسة، لأنه يعكس حالة جماعية تنمو في أول لقاء للطالب/ة مع المدرسة في اول سنة.

في طيات هذا السؤال وفي أكنافه تتربص معتقدات تربوية صُوِرَت على انها امل كل فاقد لماض مجيد فتخالها السبيل الأوحد لتحقيق الخلاص من مخلفات الحياة كأقلية إثنية التي تعاني من أشكال متعددة من الاجحاف. لقد تبوأت هذه المعتقدات طيلة عقود صدارة المعتقدات والقيم التي رسمت مساراتنا المستقبلية وحددت سلوكياتنا الفورية والتي فهمنا أنها السبيل لتحقيق الأهداف والطموحات.

في هذا المكان ضيق السعة واسع الأفق سوف اتداول هذه المعتقدات والتي تلعب دوراً سلبياً في خلق عملية تعلم ذات جودة. هذا النقاش والتداول وليد تجربة بحثية يبلغ عمرها إلى أبعد من عقدين من الزمن وليست صناعة ذاتية او استنباط رؤية شخصية تبلورت إثر تعارك مع حوادث الحياة المتنوعة.

اولا يغيظني اعتراض الكثير على حقيقة ان "أولاد اليوم غير". ثم يستطردون إن "أولاد زمان" كانوا أكثر احتراما للكبار وأكثر اهتماما في التعليم. في هذا الاعتقاد جهل وتجاهل مجحف لديناميكية الحياة وتغيرها إثر مستجدات متنوعة تطرأ على حياة الإنسان بدء من الطعام واللباس ومرورا بالتغييرات التكنولوجية الهائلة التي تغير حياة الإنسان رأسا على عقب، الى حد درج تسمية مواليد كل عشرية بدءً من القرن الماضي برمز يدل على التغييرات الاجتماعية التي يمر بها كل جيل. مثلا سمي مواليد منتصف سنوات التسعين من القرن الماضي بجيل Z ويوصف على أنه جيل الذي خرج عن العادات والتقاليد كونه عاصر فترة التطور التكنولوجي الرقمي السريع. اما جيل الفا، فيتطرق لمن ولد بعد سنة 2010 ويوصف على انه الجيل الذي ولد مع الهاتف الذكي والشاشات المتعددة (بدلا من قنينة الحليب) والتي تستعمل لتهدئتهم، ولتربيتهم، ولتعليمهم. هذا ويوصف جيل الفا على انه الجيل الأكثر مبادرة والأكثر ثقافة، وان طموحات الوالدين لأبنائهم تفوق بكثير الطموحات التي كانوا يمتلكونها لأنفسهم او كان يمتلكها والداهم لهم، وان قيم جيل الفا تختلف عن تلك التي نشأ عليها والداهم.

في طيات هذا الاعتقاد درج كذلك المزج بين قيمتي الخوف والاحترام على أنهما وجهين لذات العملة، فترى الكثيرون يحتجون انه ما عاد أولاد اليوم يحترمون الكبار أو المعلمات والمعلمين. في الحقيقة، تم في هذه الحقبة الفصل بين هاتين القيمتين، بحيث أن أولاد اليوم نشأوا على ألا يخافوا لكن لم يتدرب قسم منهم الى الحين كيف يتم صنع الاحترام.

يرافق هذه المعتقدات عدم التمييز بين التعلم والتعليم، فيراها الأغلب على أنها ذات العملية التي تتبع ذات المسار. في الحقيقة، إن التعلم هو اكتساب ذاتي لمعلومات دائمة نسبيا. ام التعليم فهو محاولة لإحداث عملية التعلم بواسطة عامل آخر (المعلم/ة)، والتي ليس حتما أن تتحقق على الرغم من بذل الجهود. التعلم تدريب كمن يتدرب على السباحة، فيوما عن يوم يتقن المهارة أفضل من اليوم الذي سبقه، علما أنه لن يتقنها بالتمام والكمال. أما التعليم فهو تلقين ونقل متعب للمعلومات. يصيب التعلم مجالات النمو جميعها: الشعورية، الاجتماعية، الخلقية والتفكيرية، أما التعليم ففي الكاد يصيب الجانب التفكيري. يحدث التعلم بكل ظرف وبيئة طبيعية ويحدث التعليم بظرف محدد وببيئة مصطنعة (بيئة الصف)، في التعلم مشاركة وفي التعليم منافسة، في التعلم حركة وضجة وفي التعليم خمول وصمت، التعلم ممتع والتعليم مضجر.

في ظل هذه المعتقدات يرفع المعلمات والمعلمون راية الاستسلام بدعوى ان طلاب اليوم لا يريدون التعليم وأن ما يتعلمونه في الجامعة لا يتناسب مع ما يمارسونه في الواقع، فيعودون أدراجهم إلى طرق قديمة فيعملون بما لا يعلمون وكأن السنوات الأربع لم تكن سوى مرور مضن في شبكات المعرفة والتي لم تنجح لترتقي لمستوى السلوك والعمل.

مع ذلك، لا يحمل أحد لوحده ثقل هذا القصور، ومع كل ذلك، لقد أشير سابقا وتكرارا وبتسميات مختلفة لمسلك الأمان الذي يقود إلى الإنجاز والصلاح. سُميَّ مرةً "تعليم ذو أثر"، ومرةً "التعليم الشامل"، ومرةً "تنمية مهارات حياتية" وتسميات أخرى متعددة مرادها واحد على الاغلب.

خلاصة هذه الأفكار الفلسفية ان عملية التعلم تتكون من أربعة أبعاد متسلسلة بحيث أن تحقيق بعد منها يتعلق بتحقيق البعد الذي سبقه. هذه الأبعاد هي: البعد التفكيري المعرفي، يهتم هذا البعد أساسا في اكتساب مهارات القراءة والكتابة والحساب وتكنولوجيا المعلومات وحل المشكلات والفضول والإبداع، بحيث تتيح هذه المهارات أمام الفرد فرصة فهم أفضل للعالم من حوله. في البعد الأداتي، يتحول الاهتمام لتطبيق المعلومات المكتسبة في الحياة اليومية، فما فائدة معلومات يكون أقصى حالات استعمالها نقلها على ورقة الامتحان. أما البعد الفردي فمراده تحقيق الذات ويشمل مهارات مثل معرفة الذات، والتعامل مع الآخرين. وفي النهاية، يهدف البعد الاجتماعي الى تعزيز التكافل الاجتماعي وتحقيق العدالة المجتمعية. لا ينبغي أن يُنظر الى هذه الأبعاد على انها تتعارض فيما بينها وأنها لا يمكنها أن تجتمع لدى الفرد، لكنها تتشابك وتتداخل وتنمي بعضها البعض حتى تجتمع معا لدى الفرد الواحد.

لقد أجادت معلمة الصف الأول لابني قبل سنوات وصف هذه الوجهة التربوية حين قالت للوالدين القلقين في بداية السنة الدراسية: "لا تقلقوا جميعا، سيكتسب كل الأطفال القراءة والكتابة والحساب مع حلول شهر 12، مهمتي انا ان احببهم لبعضهم البعض وللمدرسة، وللمجتمع".


كاتب المقال: د. سامي جمال محاجنة وهو محاضر في مجالي التربية وعلم النفس في الكلية العربية الأكاديمية بيت بيرل.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب