الأسرى الفلسطينيون في غياهب السجون!

إهاناتٌ، تعذيبٌ، تنكيلٌ، اعتداءات جسدية وحتى جنسية بحقّ الأسرى في السجون الإسرائيلية، والذين بلغ عددهم منذ السابع من أكتوبر حتى شهر رمضان المبارك نحو 9100 معتقل، منهم 3558 معتقلًا إداريًا، 200 طفل و51 أسيرة. وهي زيادة غير مسبوقة في عدد الاعتقالات خلال فترة زمنية قصيرة.

وفقًا لمؤسسة ضمير فإنّ أعلى نسبة في حالات الاعتقال لعام 2023 كانت في أكتوبر الذي شهد بداية العدوان على غزة وبلغت 2070 حالة اعتقال، وكذلك كانت أعلى نسبة اعتقال في صفوف النساء.

ماذا حصل في السجون بعد السابع من أكتوبر؟

في غياهب السجون الإسرائيلية يُعاني المعتقل الفلسطيني وفقط لكونه فلسطينيًا من سياسات قمعية وإجراءات انتقامية منتظرًا عالمًا آخر يفضي به إلى الحرية.

"إنّ معاملة الأسرى قبل الحرب لم تكن جيدة، لكن لا شك أنّها اليوم أسوأ بكثير ولم يسلم منها أي معتقل"

هذا ما قالته المحامية رهام نصرة بعد توثيقها شهادات أسرى يقبعون في أقسام مختلفة داخل السجون العسكرية.

في السياق نفسه يقول الأسير المقدسي المحرر ر. ع في محادثةٍ معه:

"إنّ حالة التأهب والطوارئ رُفعت في السابع من أكتوبر بشكلٍ مختلفٍ ومغاير تمامًا. معاملتهم معنا خلال فترة الحرب غير أخلاقية، تعرضنا للتنكيل والاعتداء بشكل يومي. غزة ليست الجبهة الوحيدة في الحرب، مُعاملتهم لنا تُعلن بوضوح أنّ الأسرى هم جبهةٌ إضافية". 

في صباح السابع من أكتوبر صودر كل ما يملكه الأسير الفلسطيني من كتب، صحف، أجهزة راديو ومقتنيات شخصية ومُنع من إعداد الطعام بنفسه. منذ ذلك الحين يرتدي كافة الأسرى الملابس ذاتها، أمّا الوقت المخصص للاستحمام فهو ما يقارب ربع ساعة لجميع الأسرى في القسم، مما يعني انعدام النظافة الشخصية داخل السجون. 

نتيجةً لعدد الاعتقالات غير المسبوق وعدم اتساع السجون لها، فإنّ الأقسام التي كانت تتسع لستة أشخاص يعيشُ فيها اليوم الضعف ولا وجود لأسرّة كافية، فينام بعض المعتقلين على فِراش رقيق. كما تُترك النوافذ في بعض الأحيان مفتوحة لينخر البرد أجساد الأسرى.

سُلب الأسير حقه في الخروج إلى الفورة مُتنفسه الوحيد ومن مقابلة عائلته وزياراتهم له. هناك عائلات عديدة لا تعرف شيئًا عن أبنائها منذ بداية الحرب. لا يمكنك رؤية الشمس والعائلة، هكذا يحاول السجّان كسر الأسير وانتزاع الجدوى من حياته.

في شهادة أخذتها نصرة من أحد المعتقلين الكبار وكان قد اعتقل في الانتفاضتين الأولى والثانية، يقول:

"إنّ كافة الاعتقالات التي مررتُ بها في كفّة واعتقالي خلال هذه الحرب في كفّة أخرى، فمن لم يُعتقل بعد السابع من أكتوبر لم يذق معنى السجن".

معاملة كالحيوانات

لا ينظر السجان إلى الفلسطيني على أنّه إنسان ويعامله بمعاملةٍ لا تصلح حتى للحيوان. كان قد أخبرني أحد العاملين في مكتب الدفاع العام أنّ معتقلًا من الضفة الغربية دخل بشكل غير قانوني ليسد جوع أطفاله، بعد اعتقاله تُركَ ليلة قارسة البرودة داخل قفص دجاج في ساحة مركز شرطة عطروت.

وكانت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية قد نشرت في مارس شهادات لمعتقلين فلسطينيين مُحرّرين، قال بعضهم إنّ القوات الإسرائيلية أجبرتهم على الركوع لمدة تصل إلى 20 ساعة والوقوف بأوضاع جسدية صعبة، بالإضافة إلى الاعتداء عليهم جسديًا ولفظيّا.

حرمان من الشعائر الدينية

"نتمنى من أهلنا في بيتونيا ورافات أن يرفعوا صوت الأذان أو أن يجعلوا مكبرات الصوت قريبة لنا، فقد صادر السجان ساعتنا ومُنع رفع الأذان في السجن، فلا نعرف وقت الصلاة يا أحبتنا" هذا ما كتبه أحد الأسرى من داخل سجن عوفر بعد أن نجح بتمرير هذه الكلمات إلى الخارج مع محاميه. 

في حديثٍ مع الأسير المحُرّر ر. ع قال إنّه بعد الإجراءات الانتقامية شهدَ تمزيق المصحف والتبول عليه من قبل الجنود بمحاولة استفزازية منهم لمشاعر الأسرى والذين مُنعوا وحُرموا أيضًا من أداء صلاة الجماعة.

يُعاني الأسرى من تضييقات تمنعهم من أداء شعائرهم الدينية واستشعار لحظات السكينة الوحيدة خلال يومهم. قال أحد الأسرى المحرّرين في بداية شهر رمضان:

"رمضان قد بدأ ولم نصم لأنّنا لم نعرف".

إنّ الأسير في معزل عن العالم الخارجي والوقت عنده غير معروف، فكيف له أن يقوم بالفرائض الدينية؟

سياسة تجويع

"أتعلمين ماذا يعني أن يتقاسم عشرة رجال خيارة واحدة؟"

هذا ما قاله أحد المعتقلين لمحاميته رهام نصرة في زيارتها له. منذ السابع من أكتوبر لا يتمكّن الأسير من استخدام كنتين السجن، وكبديل له يتم إدخال ثلاث وجبات خلال اليوم بالكاد تشبع طفلًا صغيرًا.

بدأت أجساد الأسرى تضمر نتيجةً لسياسة التجويع الّتي يتبعها السجّان. تشرح لي رهام عن معتقل إداري خسر في فترة اعتقاله القصيرة بين نهاية ديسمبر وبداية مارس 37 كيلوجراما من وزنه. وفي مقابلة شاهدتها لوالد الأسير طارق كيوان أحد معتقلي هبة الكرامة، يقول:

"حاول ابني أن يطمئنني لكنني أعرف أنه ليس بخير، خسر من وزنه ما يقارب ال 20 كيلوجراما بسبب قلة الطعام".

سياسة التجويع هي أيضًا سياسة قتل بطيء للمرضى، تحديدًا لمن يعاني من السّكري. فمنذ السابع من أكتوبر يُمنع دخول السُكر إلى السجون وبالتالي كيف سيتمكن مريض السّكري من الحفاظ على توازن السُكّر في جسده؟

حرمان من العلاج 

بالحديث عن المرضى، تدهورت حالات الكثير من الأسرى المرضى بعد السابع من أكتوبر ومنهم من فقد حياته. محمود الصبار أسير من جنوب الخليل عانى من مرض مزمن، بعد السابع من أكتوبر كسائر الأسرى حُرم من العلاج والغذاء اللازمين ففقد حياته. وفي المقابلة الّتي أجريت مع والده للجزيرة وصف موت ابنه "بالإعدام".

إنّ الحرمان من العلاج اللازم لا زال مستمرًا والموت يُهدّد أسرى آخرين، قد يفقدون حياتهم في أي لحظة.

اعتداءات جنسية داخل السجون

"الاعتداءات الجنسية الّتي تمت وصلت إلى حد الاغتصاب، كانوا يُدخلون الأدوات الكهربائية الخاصة بالتفتيش في المناطق الحساسة للمعتقلين وعلى مرأى الجنديات، ثم ترينَ خمسين سجّانًا من حولك يضحكون بصوت عالٍ"، هذا ما قاله ر. ع عن مشاهدته لاعتداءات جنسية تعرّض لها بعض الأسرى من قبل السجانين.

استهداف أجساد الأسيرات كسلاح

وفقًا لتقارير خبراء من الأمم المتحدة: تعرّضت نساء غزيات لاعتقالات تعسفية وانتهاكات كمنعهن من الحصول على الفوط الصحية وتناول الطعام والدواء. وتعرضن للضرب ووُضعنَ في أقفاص تحت المطر. كما تعرضن للتفتيش العاري والتقاط صور مهينة لهن.

إضافةً إلى تعرضهن للتهديدات بالاعتداء الجنسي وما لا يقل عن معتقلتين فلسطينيتين تعرضتا للاغتصاب. هذا ما أكّده أيضًا تقرير لصحيفة الغارديان، حيث قالت لجنة الخبراء إنّ هناك أدلة على حالتي اغتصاب على الأقل.

كما وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان شهادات مروّعة لعشرات المعتقلات الغزيات حول تعرضهن للعنف الجنسي، حيث ذكرت إحدى النساء المفرج عنها:

"في المعتقل خضعت للتحقيق عدة مرات وفي كل مرة تمت تعريتي من قبل المجندات وتحرشن بي. الجنود كانوا أحيانا ينظرون ويُعلّقون، كانت هناك ألفاظ نابية لا يمكنني قولها وتهديدٌ بالاغتصاب."

لا شك أن الشهادات وعدد الانتهاكات الجنسية يفوق ما وصلنا، فليس من السهل على امرأة فلسطينية أن تُفصح عن تعرضها للتحرش أو الاغتصاب، وليس هيّنا على أسير فلسطيني أن يتكلّم حول تعرضه لاعتداء جنسي. إنّ الانتهاكات الجنسية بحق الأسيرات هي سلاح آخر يستعمله المستعمر بمحاولة منه لإذلال الفلسطيني وإضعافه.

معتقلو غزة يُعانون الأمرّين

أعتقد أن مشاهد الأسرى المدنيين والعزّل مُكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين الذين جُرّدوا من ملابسهم في غزة لا تخرج من ذاكرتنا. بعد أسابيع من التعذيب والإخفاء القسري أُفرج عن العشرات منهم وعليهم علامات العنف والتعذيب. ما يؤكّد أنّ الاعتقالات طاولت المدنيين هي مقابلةٌ أجريت مع فهمية الخالدية، امرأة ثمانينية مريضة بالزهايمر خرجت بعد شهرين من المعتقل. 

بحسب نادي الأسير هناك آلاف العمال الغزيين الّذين اعتقلوا من مناطق الداخل والضفة الغربية ولاحقًا أفرج عن جزء منهم. أمّا بالنسبة لعدد الإناث داخل المعتقلات فهو أكثر من 120 حالة، بينهن رضيعات ومسنات. 

مصير مجهول لمئات المعتقلين الغزيين وتعتيمٌ إسرائيلي كامل. تقول المحامية نادية دقة من "هموكيد"- مركز الدفاع عن الفرد:

"لا معلومات دقيقة حتّى الآن حول عدد الأسرى الغزيين لكنّه يفوق 700 معتقل. إنّ ظروف الاعتقال منافية للقوانين الدولية وما يجري هو إخفاء قسري وانتهاكات غير مسبوقة". 

أفاد المُسن "م.ن" (70 عامًا) للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان:

"اعتقلوني من منزلي في حي الأمل غرب خانيونس، أبلغتهم أنني مريض ولا أستطيع التحرك، لم يهتموا وأجبروني على خلع ملابسي، ثم نقلوني إلى بيت مهدوم، شعرت أنني استخدمت كدرع بشري. لاحقًا اعتقلوا المزيد ونقلونا في رحلة عذاب قاسية إلى معتقل عبارة عن قفص من الحديد".

يصف لي الصحفي ضياء الكحلوت من غزة تفاصيل وظروف اعتقاله العصيبة:

"صباح السابع من ديسمبر طلبوا منّا الخروج من منازلنا وخلع ملابسنا، جمعوا حوالي 300 رجل ونقلونا عبر شاحنات خارج موقع "زيكيم" العسكري. تم التحقيق الميداني معنا وبقينا في مواجهة البحر لا نرتدي سوى ملابسنا الداخلية. قضينا كل فترة الاعتقال معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي في "سديه تيمان"، حتّى خلال نومنا. لأيام عديدة أُجبرنا على الجثو مِن الساعة الرابعة فجرًا وحتى الحادية عشر ليلًا أمام عشرات الجنود والّذي كان يُحرّك جسمه ولو قليلًا يتعرّض للضرب. بدوا وكأنهم يستمتعون بإهانتنا، كما تم إجبارنا عشرات المرات على ترديد "شعب إسرائيل حي وتحيا دولة إسرائيل". قضيتُ 33 يومًا في المعتقل، تم التحقيق معي حول عملي الصحفي وتعرضت لأسلوب الشبح ولإساءات نفسية. حينما واجهتهم وتحديتهم بوجود إرهابيين بيننا كما يدّعون وضعوا لاصقًا على فمي. لم نعامل معاملة إنسانية بتاتًا، حتى كبار السن ومرضى السرطان الذين كانوا بيننا لم يُعاملوا بها. بعد الإفراج عنّا تُركنا في منطقة رفح جنوب القطاع وفُصلنا عن عائلاتنا".

وفقًا لمعطيات أفاد بها أسرى أفرج عنهم لنادي الأسير تحديدًا من سجن "عوفر" أكّدوا أنهم سمعوا صراخ المعتقلين الغزيين على مدار الساعة جراء تعرضهم لعمليات متتالية من التعذيب.

وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية قد ذكرت بداية مارس في تحقيقٍ لها أن 27 فلسطينيًا من غزة استشهدوا فيالمعتقلات الإسرائيلية، ليتعدّى عدد الأسرى الفلسطينيين الّذين استشهدوا في السجون والمعتقلات 37 فلسطينيًا.

الأسير في معزل عن الحياة

 كانت هناك محاولتا انتحار في سجن "عوفر" نتيجةً للإجراءات التعسفية والعقابية التي تستهدف الصغير والكبير في السجن دون أي علاقة للتهمة الموجهة للمُعتقل.

في نص "لوز في السجن" للأسير وليد دقة، يقول:

"لا يحتمل السجن منطقة وسطى، والسجن يقف من الحرية كما السجن على طرف نقيض مطلق. والمساحة بينهما وإن بدت حقيقة فإنها تتسع لفراغ الدنيا كلها.. فراغ موحش وروتين قاتل. وأقل مساحة هي في أحسن الأحوال أرض بكر، قد تنجح أنت الأسير بفلحها بزرع مثمر توسع به مساحة حريتك في مطلق السجن، قبل أن يحتلها السجان، في صراع يومي، بمزيد من الأسلاك الشائكة".

نجح السجّان باحتلال هذه المساحة بمزيد ومزيد من الأسلاك الشائكة عبر الانتهاكات والإجراءات التعسفية بحق كل معتقل فلسطيني ولم يعد بإمكان الأسير فلح مساحته بزرع مثمر، فلا لوز ليزهر في السجن تحت هذه الظروف القاهرة والرغبة بالانتقام وفي ظل غياب الرقابة والعدالة.

أتساءل كيف يمسح الأسرى عن أنفسهم غبار اليأس وكيف يكسرون رتابة الزمن في السجن وكيف يقفون عند عتبات المستقبل؟ ماذا يحدث أيضًا خلف جدران السجن السميكة؟ ماذا يحدث بعد ولم يصلنا؟ أسئلة كثيرة بلا إجابات.

ملاك عروق

حاصلة على لقب أول في مجال الإعلام والعلوم السياسية. ناشطة اجتماعية وسياسية. مهتمة بإنتاج الوثائقيات وكتابة المقالات

شاركونا رأيكن.م