ما بين قتلة موسى حسونة وميليشات بن غفير

في ليل 10.05.2021، زمرة من اتباع البؤرة الاستيطانية في اللد يطلقون خلال بضع دقائق ما يزيد عن 40 رصاصة حية باتجاه مجموعة من الشبان العرب، فيردون الشاب موسى حسونة شهيداً ويصيبون شابين آخرين بجروح متفاوتة. الشرطة، التي تصل إلى المكان بعد إطلاق النار مباشرة، تقوم خلال ساعات الليل وصباح اليوم التالي باعتقال مستوطنين من سكان اللد على ذمة التحقيق، وبعد أقل من 24 ساعة تطلق سراحهم، وذلك بضغوطات مباشرة من أصحاب مناصب رفيعة في الحكومة الإسرائيلية، على رأسهم وزير في إحدى الوزارات، وبتواطؤ مسؤولين كبار في جهاز الشرطة، من ضمنهم مسؤول مختبر الأسلحة. كما أن إطلاق سراح المشتبهين تم تحت أعين المحكمة الإسرائيلية وبقرار منها.  

تمضي بضعة شهور وتقوم النيابة العامة الإسرائيلية بإغلاق الملفات ضد المشتبه بهم بالقتل بذريعة "الدفاع عن النفس". وحين تقوم عائلة الشهيد بتقديم استئناف مفصّل ضد إغلاق ملف التحقيق وإظهار الإشكاليات العميقة التي تشوب التحقيق الشكلي غير النزيه الذي أجرته الشرطة، تؤجل النيابة البت بالاستئناف لما يقارب السنة وتتذرع، مرة تلو الأخرى، بحجة "الضغط الكبير في العمل" للمماطلة وتأجيل القرار. 

هكذا تماماً يبدو تشابك وتكاتف أذرع ومؤسسات الدولة في سعيها للدفاع عن المستوطن الذي قام بقتل الفلسطيني، وبذلها لجميع السبل الممكنة، القانونية منها وغير القانونية، لضمان إفلاته من العقاب. فالمؤسسة لا ترى بالمستوطن مجرماً، بل على العكس تماماً، المنظومة بأكملها تتماهى مع الفعل الذي قام به القاتل، وتعتبره كمن قام - في أقل تقدير - بما يمليه عليه دوره كيهودي مواطن الدولة. 

تبدأ أحداث ليل 10.05.2021 حين قررت مجموعة من أفراد البؤرة الاستيطانية في مدينة اللد تنظيم وقفة رفع أعلام إسرائيلية في منطقة محاذية للأحياء العربية في المدينة. جاء ذلك على حد تعبيرهم تماهيًا مع ما يسمى بـ "يوم القدس" ومسيرة الأعلام الاسرائيلية التي نظمت في اليوم ذاته في شرقي القدس. كما أتت الوقفة كمبادرة من المنظمين لـ "رد اعتبار العلم الإسرائيلي" بعد أن تم رفع علم فلسطين في وسط مدينة اللد، وتعبيراً منهم عن تضامنهم مع عمل الشرطة الإسرائيلية.  

لم يغب عن بال المنظمين والمشاركين في الوقفة الاستفزازية، التي تخللها ترديد شعارات عنصرية ضد العرب، التوافد إلى المكان وهم مزودون بأسلحتهم المرخصة من قبل الدولة، وذلك - وفق تعبيرهم – "إدراكا منهم لحالة التوتر في البلاد ككل، وفي اللد على وجه التحديد". وبالفعل، عندما حدث احتكاك بينهم وبين مجموعة شبان عرب من سكان اللد، تخلله رشق حجارة متبادل بين المجموعتين وادعاءات حول محاولة شبان عرب إحراق ممتلكات، وبعد أن تأخرت الشرطة في الوصول الى المكان، قام المستوطنون بإطلاق النار باتجاه مجموعة الشبان العرب مباشرة، مما أسفر عن مقتل الشهيد حسونة واصابة آخرَين، ومن ثم الهرب من المكان فور وصول الشرطة ومحاولة طمس الأدلة التي تربطهم بالجريمة. 

في التحقيق معهم، لم ينكر أي من المشتبه بهم استخدام السلاح، بل منهم من اعترف بتصويبه مباشرة نحو الشبان العرب وعدم الاكتفاء بإطلاق النار إلى أعلى "لتفريقهم". ومنهم أيضاً من اعترف بأنه لم يكن جزءاً من الوقفة أساساً بل نزل إلى الشارع استجابةً للرسائل النصية التي وصلت مجموعة الواتس-أب الخاصة بسكان الحي، والتي تدعو كل من بحوزته سلاح للنزول إلى الشارع والتصدي للعرب. كما أن هنالك اعترافات منهم بشأن التنسيق فيما بينهم قبيل إطلاق النار، التشاور والتوجه لأعضاء البلدية الذين تواجدوا في المكان لأخذ موافقتهم على إطلاق النار. وأكثر من ذلك، هنالك أدلة كافية لربط الرصاصة التي استقرت في قلب الشهيد بأحد الأسلحة التي تم استخدامها من قبل أحد المستوطنين. ولكن ذلك لم يكن كافياً للنيابة لتقديم أي منهم للعدالة. وقد كان طوق نجاة المشتبه بهم للإفلات من العقاب سردية "الخطر الذي شكله العرب المخربون على المستوطنين المهددين"، وحاجتهم للدفاع عن حياتهم، بقولهم من خلال التحقيقات: "كانوا يصرخون الله أكبر"، "لو لم نعمل على إيقافهم لهجموا على بيوتنا"، "من أجل مواقف مماثلة قامت الدولة بتسليحنا"، "أنا مستاء من استدعائكم لي للتحقيق كمتهم بالقتل، بينما كنت متأكداً من أن التحقيق معي اليوم هو لعدم قيامي بتصفية مخربين في حدث آخر".، وما إلى ذلك من الأقوال التي تضعهم في دور الضحية أو البطل، وتبعدهم عن دور القاتل الجاني.  

هذه السردية هي التي تبناها المحقق اليهودي، وجهاز الشرطة ككل. فحين رفض مسؤول مختبر الأسلحة طلب المحققة معاينة الأسلحة التي استخدمها المشتبه بهم من أجل تحديد هوية القاتل برّر رفضه بالقول: "لن أقوم بفحص أية أدلة مركزية، أنا أيضاً من سكان اللد. ولفرط تماهي المؤسسة مع هذه السردية، لم تقم الشرطة بجمع أية إفادات من الشبان العرب لمحاولة تسليط الضوء على حقيقة ما حدث تلك الليلة. بل على العكس تماماً، أوغلت الشرطة في اعتقالاتها لشبان اللد في الأيام والاسابيع التالية، بالتعاون مع جهاز الشاباك، ووجهت لهم تهماً قاسية وقامت بربطها بمجمل الحالات مع خلفية مقتل الشهيد حسونة بشكل مباشر.

وها نحن الآن، بعد عامين على هذا الحدث، لا زال القتلة حراراً، وفي كل يوم تتضاءل الفرص لتحقيق العدالة. في المقابل، بناء على العبر التي استخلصتها المؤسسة من هذا الحدث على وجه التحديد، وتجربة "هبة الكرامة" ككل، ما كان منها إلا تكثيف دعواتها لتسليح المواطنين اليهود. كما أقرت تشكيل "حرس قومي" يتجند لصفوفه، إضافة للوحدات الخاصة، مواطنون مسلحون وتكون إحدى مهماتهم العمل في البلدات المختلطة في حالات الطوارئ، على شكل ميلشيات مسلحة. 

أي اننا سنرى سيناريو قتلة الشهيد حسونة بشكل مكثف مستقبلاً، ولكن تحت غطاء قانوني منظم. فما قام به مستوطنو اللد بشكل عشوائي في أيار 2021، حين عملوا كقوة شرطية دون أي صلاحية قانونية، سيغدو من الآن فصاعداً ممنهجًا ومصادقًا عليه من قبل المؤسسة. كما أن فعلهم الاجرامي الذي تم إدراجه في خانة "الدفاع عن النفس" سابقًا لتبريره، سيصبح منذ الآن وفقاً للقانون وبصلاحية منه، ولن نشهد الا استمرار وتعزيز الحصانة الممنوحة من قبل الدولة لكل من يقوم بسفك الدم الفلسطيني. 


تصوير: شاي كندلر sk.

المحامية ناريمان شحادة - زعبي

محامية بوحدة الحقوق السياسية المدنية في مركز "عدالة"

شاركونا رأيكن.م