العنف الجنسي المسكوت عنه في نزاعات المنطقة العربية

 إنّ العنف الجنسي ضدّ النساء خلال النزاعات والحروب هي ظاهرة وجدت منذ أن بدأ البشر شنّ الحروب ضدّ بعضهم البعض، وتعدّ سوزان براونميللر أوّل من أورد دليلاً على العنف الجنسي ضدّ النساء، وذلك في كتابها الصادر عام 1975بعنوان "ضدّ إرادتنا"، حيثُ تحدّثت فيه عن الاغتصاب في ملاحم هوميروس، وفي كتابات عن الحروب الصليبية، والثورتين الأمريكية والفرنسية، وصولاً إلى حرب فيتنام[1].

تتعدّد أشكال العنف الجنسي الذي يُمكن أن تتعرّض له النساء أثناء النزاعات، فيُمكن أن يأتي هذا العنف في أشكال الاغتصاب سواء أجاء مصادفة أو بناءً على استراتيجية وتكتيك حربي منظّم، ويُمكن أن يأتي كتعذيب جنسي وكوسيلة للترهيب وانتزاع المعلومات، كما يُمكن أن يأتي في أشكال الاستعباد الجنسي مثل اختطاف النساء وإجبارهنّ على الطبخ أو تقديم خدمات جنسية للجنود المحاربين أو الضغط على النساء من أجل إجبارهنّ على مبادلة الجنس بمواد الإغاثة الإنسانية أو بالحماية[2].

إنّ العنف الجنسي الذي يُمارَس ضدّ النساء في أوقات النزاعات يكون له تأثير سلبي جداً عليهنّ، وتزداد سلبية هذا التأثير كلّما كان المجتمع اللواتي يتواجدنَ فيه أكثر انغلاقاً من ناحية أجساد إناثه وكيفية تعامله معها، وهو الأمر الذي يُلاحظ بشكل واضح وجلي عند النساء اللواتي تعرّضنَ لهذا النوع من العنف في المنطقة العربية، واللواتي زادت أعدادهنّ بشكل ملحوظ منذ انطلاق ثورات الربيع العربي في أواخر عام 2010، عندما تحوّلت العديد من الدول العربية إلى مناطق حروب ونزاعات بين قوى الأنظمة والقوى المعارضة.

كما وتُلاحَظ زيادة معدلات هذا التأثير السلبي في السياق الاستعماري في فلسطين، فالاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي طالما سعى إلى تسييس أجساد النساء الفلسطينيات واستهداف جنسانيتهنّ كأدوات استعمارية، وبعيداً عن أشكال العنف الجنسي المباشر (كالاغتصاب والتحرّش) فإنّ هناك الكثير من أشكال العنف الجنسي المضمَر والخفي الكامِن في طبيعة البنية الاستعمارية للاحتلال الإسرائيلي وفي كيفية نظرته للنساء الفلسطينيات وشكل تعاملاته معهنّ[3]، ومن هذه الأشكال كيفية تصوير أجسادهنّ في خطاب المحتلّ الإسرائيلي، وهو ما تتحدّث عنه الباحثة شهد وادي في بحثها –الوارد ضمن كتاب جماعي- بعنوان "جسد المرأة الفلسطينية: ما بين البطريركية والكولونيالية" من أنّ الاحتلال ينظر نظرة فوقية إلى جسد المرأة الفلسطينية ويتعاطى معه باعتباره جسداً مجازاً يُمثّل فلسطين كلّها، ففلسطين المحتلة في هذا الخطاب هي المرأة وإسرائيل هي الرجل، أي أنّ المحتلّ الكولونيالي هو البطريركي، فبحسب وادي فإنّ فلسطين تَظهر في خطاب المحتلّ الإسرائيلي "كامرأة (تُقرأ: ضعيفة) وتحتاج إلى عون ودفاع الرجل (إسرائيل) ولكنها عندما تثور تفقد (صفاتها الأنثوية) لتصبح غير مرغوب فيها"[4].

بالإضافة إلى أشكال العنف الجنسي المضمرَ المتحكّم في كيفية نظرة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي إلى أجساد النساء الفلسطينيات، فإنّ الحرب الدائرة حالياً على غزة تُثبت بأنّ هذا الاستعمار يُمارس العنف الجنسي في أشكاله المباشرة، وهو الأمر الذي تؤكّده التقارير الأممية التي تقول بتزايد مستويات العنف الجنسي الذي يُمارسه الاحتلال على النساء في غزة[5].

وعن ذلك تكتب الباحثة مادلين الحلبي في ورقتها بعنوان "نساء غزة خلال الإبادة: النساء والحرب والمقاومة" حيثُ تورد أنّه في حرب الإبادة الدائرة حالياً في غزة، فإنّ أجساد النساء الفلسطينيات هي إحدى الأدوات الفعالة التي تستخدمها قوات الاحتلال لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية، وذلك عبر استهدافها وتحويلها إلى ساحة معركة جنسية، وعبر تعريضها للتشويه والاعتداءات الجنسية، والقصد من هذا هو خلق بيئة من الخوف والهمجية تؤثّر بشكل كبير على حياة النساء وعلى خصوصياتهنّ[6].

وضمن هذا الإطار، يجب التأكيد على أنّه سواء في السياقات العربية أو الفلسطينية، فإنّ وقوع النساء العربيات أو الفلسطينيات كضحايا للعنف الجنسي هو أمر وارد في حالات النزاعات أو الحالات الاستعمارية، ويجب على المجتمعات العربية عموماً والمجتمع الفلسطيني خصوصاً إيقاظ الوعي بكيفية التعاطي مع النساء اللواتي يتعرضّن لهذا الشكل من العنف، يجب توفير بيئة داعمة لهؤلاء النساء، وعدم التعامل مع ما تعرضنَ له كعار يجب السكوت وعدم البوح به، فإجبار النساء على السكوت في هذه الحالة يجعلهنّ ضحايا بطريقة مزدوجة؛ لحالات الاعتداء التي تعرضنَ لها أولاً وللعورات الثقافية والفكرية في المجتمعات التي ينتمينَ إليها في المقام الثاني.


[1] كارول كوهن، المرأة والحرب، ط1، دمشق: الرحبة للنشر والتوزيع، 2017، ص136.

[2] المرجع السابق، ص137-138.

[3] إسراء عرفات، الفلسطينيات والعنف الجنسي الإسرائيلي، ألترا صوت، 30/7/2023، https://bit.ly/4bMxVod

[4] عبد القادر ياسين، الحركة النسائية الفلسطينية، ط1، القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 2011، ص219.

[5] فزع أممي من حوادث اغتصاب وإعدامات لفلسطينيات، 20/2/2024، صحيفة العرب، https://bit.ly/4aSnbnz

[6] مادلين الحلبي، نساء غزة خلال الإبادة: النساء والحرب والمقاومة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2024، ص9.

إسراء عرفات

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة

شاركونا رأيكن.م