سياسات حكومة نتنياهو تجاه الفلسطينيين: بين الفوقية العرقية والتهديد بنكبة جديدة

بعد تأدية حكومته الجديدة اليمين الدستورية في 29 ديسمبر 2022 مباشرةً، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو عبر تغريدة له على حسابه الشخصي على تويتر، عن أهدافه الأربعة الرئيسية جاعلًا من مسألة عرقلة برنامج إيران النووي هدفه الوجودي الأول، ثم اختار في المرتبة الثانية استعادة الأمن والحكم المستقر اللذين فشلت الانتخابات التشريعية الأربع السابقة في تحقيقهما، بسبب عدم إفضائها إلى تشكيل حكومة إسرائيلية فاعلة ودائمة. وبعدها، وعد نتنياهو المواطنين الذين أدلوا له بأصواتهم بالتركيز على إيجاد حل لمشاكل إسرائيل الاقتصادية والإسكانية المزمنة كهدف ثالث لحكومته؛ واختار أخيرًا، في المرتبة الرابعة، موضوع توسيع دائرة السلام مع جيرانه العرب.

لقد أثبت نتنياهو من جديد دهاءه السياسي بعد انتخابه للمرة السادسة كرئيس للوزراء، عبر اختياره أربعة أهداف استراتيجية يجمع حولها أكثرية، ولو بسيطة، من الناخبين الإسرائيليين اليهود، وخصوصًا في هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الدولة العبرية. أما من الناحية العملية، فقد كشف نتنياهو أنه ما زال يمارس، بامتياز، سياسة التدجيل وازدواجية الحديث والتلاعب بالألفاظ في الحلبة السياسية الإسرائيلية المضطربة والمهيأة أساسًا لاستيعاب مناوراته ومبالغاته، دون أي تساؤل أو تردد. إن الطبيعة المتطرفة لحكومته الائتلافية الجديدة، وهي أكثر الحكومات الاسرائيلية تشددًا منذ عام 1948 حيث تشمل شخصيات وأحزابًا سياسية اعتبرت على نطاق واسع خلال العقود الأربعة الأخيرة أنها خارج التيار الإسرائيلي السائد فيما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية ولا سيما في مواقفها من القضية الفلسطينية.

إن الوزراء الثلاثة والثلاثين الذين اختارهم نتنياهو شركاء له في حكومته يشكلون خليطًا من أتباع التيار القومي اليهودي المتشدد والأحزاب الدينية المتطرفة الذين لم نشاهدهم من قبل بهذه الكثافة تحت المظلة السياسية نفسها في إسرائيل. فإن أمثال بتسلئيل سموتريتش، إيتمار بن غفير، آرييه درعي، ميري ريغيف، آفي ديختر، عيديت سيلمان وآفي ماعوز، هم جميعًا من قادة الحركات الفاشية الإسرائيلية والعنصرية والمتعصبة دينيًا، ولذلك يصنفهم الكثير من المحللين السياسيين، داخل إسرائيل وخارجها، بأنهم في الواقع "إلى يمين نتنياهو"، الزعيم الروحي المهيمن حاليًا على اليمين الإسرائيلي، بدون منافس. فحكومته الجديدة غير مهيأة اليوم، ولا في المستقبل القريب أو البعيد، أن تسعى جديًا إلى توسيع دائرة السلام الإقليمي، كما يدعي نتنياهو، وخصوصًا بالنسبة للقضية الفلسطينية بجميع جوانبها، والتي ما زالت جوهر الصراع العربي-الإسرائيلي رغم سياسات التطبيع مع إسرائيل التي تنتهجها بعض الدول العربية حاليًا ورغم سياسة الإهمال والتغاضي عن جرائم إسرائيل التي تتمسك بها الإدارة الأمريكية.

وسرعان ما أدرك نتنياهو، بعد أيام قليلة من تسلمه زمام السلطة من جديد، أخطار القنبلة الموقوتة التي صنعها بنفسه فحاول نزع فتيلها عبر شن حملة دعائية نشطة في محاولة بائسة من طرفه للتخفيف من المخاوف المحلية والإقليمية والدولية الناجمة عن الطبيعة المتطرفة لشركائه في الحكومة، محاولًا طمأنة الأصدقاء والأعداء، على حد سواء، مدعيًا بأن "الأطراف الأخرى هي التي تنضم إلي، أنا لا أنضم إليهم". وباشر يكرر كالببغاء "أنا مسيطر هنا!" بمعنى أنه هو المسؤول عن سياسات حكومته، وليس أي من الوزراء المتطرفين الذين اختارهم شركاء له.

لكن محاولات نتنياهو تبييض سمعته وسمعة شركائه لم تحقق بالنتائج التي كان يتوقعها. فالمعارضة القوية التي واجهته داخل إسرائيل وخارجها، حتى في صفوف الجالية اليهودية في الولايات المتحدة والمعروفة تاريخيا بتأييدها المطلق للحكومات الإسرائيلية المتتالية، وضعته في موقف دفاعي محرج، لكنها حتى الآن لم تؤثر بعد وبشكل ملحوظ على أهدافه وتصريحاته ومواقفه المتشددة المعلنة، رغم الانتقادات اللاذعة والتحذيرات العلنية من مؤسسات وشخصيات يهودية بارزة، داخل إسرائيل وخارجها، أبدت تخوفها من الخطوات السياسية والقانونية التي يهدد نتنياهو وزمرته بتطبيقها، وذلك لأسباب يهودية محضة لا تتعلق بالضرورة بالموضوع الفلسطيني، لا من قريب ولا من بعيد. فعلى سبيل المثال، كتب يوسي كلاين هليفي، وهو زميل بارز في مؤسسة "هارتمان" للسلام في القدس، أن حكومة نتنياهو هي "أكثر الحكومات تطرفًا، وأكثرها فسادًا أخلاقيًا وأكثرها عداءً للحكم الصالح في تاريخ إسرائيل بأجمعه"، ناعتا إياها بـ"العار التاريخي" لأنها، من وجهة نظره، تشكل خطرًا وجوديًا على "شرعية النظام" وسلامة مؤسساته. 

 أما بالنسبة للقضية الفلسطينية مباشرة، فترتكز الأجندة السياسية لحكومة نتنياهو الحالية على مبدأ استعماري عنصري قديم، رغم طرحه حاليًا بأسلوب "جديد ومحسَّن" للتسويق والاستهلاك العام، وهو مبدأ تمتع الشعب اليهودي "بالحق الحصري وغير القابل للمناقشة على كل أرض إسرائيل". واستنادًا إلى ذلك، يؤكد نتنياهو وزملاؤه، دون أي تردد أو ضبابية، على اعتزام حكومتهم "تشجيع وتطوير الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل – في الجليل والنقب والجولان ويهودا والسامرة". كما أضاف نتنياهو في، رده على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 31 كانون أول/ديسمبر 2022، حول ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، إن "الأمة اليهودية ليست محتلة في أرضها وعاصمتها الأبدية، القدس". إذًا، حكومة نتنياهو لا تعترف بوجود أي احتلال للأراضي الفلسطينية ولا ترى أي فرق في فرض سيادتها وتكثيف نشاطها الاستيطاني في الجليل والنقب والضفة والقطاع، لأنها كلها، على جانبي الخط الأخضر، "حق حصري للشعب اليهودي."

إن هذه التصريحات ليست مجرد استفزاز لمشاعر العرب والفلسطينيين في إطار الحرب النفسية والدعائية التي تشنها إسرائيل ضدهم، إنما هي تحد مباشر للقانون الدولي يجعلها بمثابة إعلان حرب على الشرعية الدولية وعلى جميع الفلسطينيين، سواء داخل إسرائيل أو في الضفة الغربية، وبضمنها القدس، أو قطاع غزة المحاصر، أو في الشتات. وأضاف عضو الكنيست اليميني المتطرف تسفي فوغل الذي يمثل حزب "القوة اليهودية،" بكلام أقل حنكة ودبلوماسية، ولكن أكثر صراحة من حليفه نتنياهو قائلًا: "اعتبارًا من الآن، أصبح الاحتلال دائمًا. واعتبارًا من الآن أود الاستمرار في فرض السيادة الإسرائيلية على جميع المناطق التي أستطيع فعل ذلك فيها."

ولم يترك الإسرائيليون أي مجال للمحللين المتفائلين والساذجين للتشكيك في نوايا الحكومة الجديدة تجاه الفلسطينيين، فجاءنا مؤخرًا عضو مجلس بلدية القدس يوناتان يوسف، الذي يقود حركة تهويد القدس الشرقية وغزا حي الشيخ جراح في القدس بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي وهو يصرخ عبر مكبر الصوت على مسمع من السكان الفلسطينيين: "نحن نريد النكبة الآن!". فهذا هو بالتمام هدف حكومة نتنياهو التي تعترف علنًا بأنها حكومة الفوقية العرقية والدينية دون أي خجل أو تردد!


الصورة: من أرشيف ""المكتبة الوطنية"" في القدس."

د. خليل جهشان

أستاذ العلاقات الدولية ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن

رأيك يهمنا