هل من "بشائر خير" في الخطة الإصلاحية لامتحانات البجروت؟

الرجوع

نسرين مرقس

مع كل انتخابات وتبدل الحكومات السريع بإسرائيل وتبدل وزراء المعارف، "نُبشر" من وزارة المعارف ببرنامج إصلاحي جديد. ففي نهاية نيسان من هذه السنة طرحت وزيرة المعارف الحالية شاشا بيطون خطتها الإصلاحية للبجروت ورغم أنه قبل نهاية هذه السنة ستنهي هي أيضا مهمتها بالوزارة كوننا مقبلين على انتخابات خامسة ولا نعلم هل ما جاءت به من أهداف وخطط لجهاز التعليم سيطبق، لكن من المهم لنا كتربويين أن نقيم هذه الخطة ونسأل الأسئلة المهمة وبالأخص ما مدى ملاءمتها لجهاز التعليم العربي وجاهزية المدارس العربية لتطبيقها. خاصة أنه قد أجري تغيير كبير غير واضح المعالم والذي نتجت عنه تساؤلات عديدة. (مرفق أدناه رابط تفصيلي لهذه الإصلاحات).

ما ينقص جمهور المعلّمين تفاصيل عديدة تتعلّق بمضمون الخطة ومنهجيّتها، كما أنّها لم تُجرّب مطلقًا وهذا بحد ذاته يتطلب من كل معنى بمستقبل طلابنا ومجتمعنا طرح أسئلة وطلب توضيح وفحص تأثيرها. وكمجتمع أقلية يحاول بكل الطرق فرض وجوده واكتساب حقوقه بشتى الطرق النضالية نرى أن التحصيل التعليمي والتقدم للجامعات والكليات يأخذ أيضا حيزا كبيرا بجانب هذا النضال بحياة الأقلية الفلسطينية هنا. وإذا أجرينا استفتاءاً عفويا نسأل من خلاله مجموعة أهال عما يهمهم وما يشغل بالهم فستكون الإجابة، تعليم أولادي وبناتي، وإرسالهم إلى الجامعة، وكسب مهنة مضمونة إلخ...أي إن هنالك فرضية (وهي بحسب رأيي صحيحة) بأن مستقبلنا هنا وحفاظنا على وجودنا وكرامتنا متعلق بمدى جودة القوى البشرية بالمجتمع الفلسطيني، هنا، والمتعلقة أولا وأخيرا بشهادة البجروت ومن ثم الشهادات الجامعية.

ببداية حزيران بادرنا بالمجلس التربوي، التابع للجنة متابعة قضايا التعليم، بعقد طاولة مستديرة شارك بها العديد من المختصات والمختصين التربويين، مدراء مدارس ومحاضرات ومحاضرين بكليات التربية والجامعات. كان هدفنا بهذا اللقاء التعمق بمعرفة الخطة وما ستكون أبعادها وطرح أسئلة واستفسارات لنعتمد عليها لإصدار موقف للمجلس التربوي ولجنة المتابعة من هذه الخطة ومناقشة المسؤولين بوزارة المعارف، بهدف استبعاد أي تأثيرات سلبية بعيدة المدى على طلابنا ومجتمعنا. هنا أسرد بعض النقاط المهمة التي يجب أن تطرح على الوزارة قبل البدء بتطبيق الخطة وأن تجري معالجة جذرية لهذه القضايا:

فقد كشفت أزمة كورونا والانتقال إلى نظام التعلم عن بعد، عن أبعاد نقص البنية التحتية التكنولوجية في المجتمع العربي، ومنها نقص المعدات الرقمية في المدارس، ومشكلات تدريب المعلمين على استخدام الوسائل التكنولوجية المبتكرة. هذا أدى إلى تسرب الكثير من الطلاب العرب من جهاز التعليم، ونتيجة لذلك اتسعت فجوات التحصيل بين التعليم العبري والتعليم العربي، فنتائج امتحانات البجروت سنة 2021 دلت على أن 70% من الطلاب العرب أنهوا دراستهم دون الحصول على شهادة البجروت.

نتيجة للقسم السابق: "فالمسارات" المقترحة في الإصلاح ليست متاحة بالتساوي للتعليم في المجتمع العربي لأن المتطلبات الأساسية للمسارين تتطلب استخدام معدات رقمية ومبتكرة، وسائل تكنولوجية وكذلك التدريب الجيد للمعلمين. ومع ذلك، فإن العديد من المدارس في المجتمع العربي وجزءا كبيرا من منازل الطلاب غير مجهزة بأجهزة تسمح بالوصول إلى المسارات الرقمية مما يؤدي في النهاية إلى اختيار معظم المدارس العربية مسارا يتضمن أقل اعتماد على الوسائل الرقمية.

وإذا اعتمدنا على القول إن التعلم هو حق متساوٍ للجميع، ماذا مع مشكلة نقص الموارد التعليمية في اللغة العربية والفجوات الموجودة في هذا المجال؟

إن وزارة التربية والتعليم مطالبة بزيادة الموارد في التطوير للموارد التعليمية والمحتوى التعليمي الرقمي باللغة العربية الذي يناسب احتياجات المجتمع العربي من أجل سد الفجوة القائمة في المجال بينها وبين المدارس اليهودية.

علاوة على ذلك، يلزم تخصيص ميزانية خاصة للمدارس لدعم عمليات البحث وتدريب المعلمين وتطوير موارد التعلم ودعم الطلاب المهمشين بخطط تعليمية وميزانيات خاصة تخرجهم من خطر التسرب.

هنالك ايضاً تخوف من خلق تراتبية بالمواضيع كون أهم ما جاء بهذه الخطة هو أن مواضيع الرياضيات واللغة الإنجليزية وغيرها، هي المواضيع التي سيمتحن بها الطلاب بالبجروت أما باقي المواضيع الأدبية والاجتماعية ستقدم كوظائف بحثية بمرافقة معلمي المواضيع ولن تحسب بمعدل البجروت، هذا يعني أن مديري المدارس سيصبون جل اهتمامهم على هذه المواضيع وبالتالي سيحظى معلمو هذه المواضيع "بمكانة" أفضل بالجهاز التربوي وسيجري إقصاء وتهميش للمعلمين "غير الحيويين" – أي معلمي المواضيع الأدبية والاجتماعية.

لكي نضمن النجاح والإصلاح فلا بد من وجود رؤية تربوية تتبعها المدرسة كون أغلب مدارسنا تعتمد نموذج التدريس والتعلم، ذا أساليب قديمة لا تخلق فرصًا كافية للاختيار والمشاركة والاستقلالية للطالب فيما يتعلق بعملية التعلم. نتيجة لذلك، لا يُسمح للطالب بخبرات تعليمية عميقة وملهمة. هذا بالإضافة إلى عدم وجود مساحة للتعبير الشخصي للطالب والمعلم والمطلوب لتحقيق هدف التعلم. نحن بحاجة لخلق جيل من الطلاب الفضوليين وهنالك حاجة لتغيير كلي للعقلية ومن وجهة نظر ترى في امتحانات البجروت وسيلة انتقائية أو مسابقة تحصيل للصفوف، إلى وجهة نظر ترى في امتحانات البجروت مرحلة تحضيرية للأكاديميا والتوظيف. التغيير مطلوب على حد سواء بين صانعي القرار في وزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم العالي ورؤساء الجامعات، وبين مديري المدارس والمعلمين والسلطات المحلية، كذلك بين أولياء الأمور والطلاب. يتطلب هذا التغيير عملية بناء علاقات ثقة بها شفافية، علاقة متبادلة حقيقية متفق بها على الأهداف التربوية لكي يتم إجراء وتطبيق الإصلاح. إضافة، يتطلب هذا التغيير تدريب المعلمين بطرق تدريبية وإرشادية غير تلقينيه وإنما طرق يمرون بها بالتجربة وتذويتها حيث تسهل عليهم تطبيق ما تعلموه مع طلابهم. لكي تطبق هذه الخطة فالمدارس بحاجة لبنية تحتية رقمية مناسبة وتدريب للطلاب، والتي من الضروري وضع ميزانيات خاصة لها، إلى جانب مناهج تجمع بين دروس تدريبية للعملية البحثية والكتابة الأكاديمية باللغتين - العربية والعبرية. هذا سيساعد الطلاب في اكتساب المهارات اللازمة للتنفيذ وبالأخص يعتمد على قدرة الأطفال والطلاب في لغتهم الأم، اللغة التي يفكرون ويدرسون ويكتبون بها. مطلوب من وزارة التربية والتعليم تعزيز دراسات اللغة العربية من رياض الأطفال إلى المدرسة الثانوية (خاصةً بسبب تفردها وخصائصها التي تتطلب استثمارًا للوقت أكثر من اللغات الأخرى)، جنبًا إلى جنب مع التغييرات الأساسية في المناهج الدراسية التي ستسهم في حب الأطفال لغتهم الأم، حيث يتعلمون عن ثقافتهم وهويتهم وتاريخهم.

إذن، فعملية الإصلاح هذه يجب أن تجري ماقبل الوصول للمدرسة الثانوية، يجب البدء بتطبيق هذا التوجه بجيل الطفولة.

لكي ننجح بتحقيق أهداف الإصلاح وخلق جيل من الطلاب الفضوليين، هناك حاجة لتغيير كلي للعقلية، تغيير طريقة التلقين والحفظ، تغيير الرؤية أن المدرسة هي إطار إجباري وواجب وليس حقا، هذا الفهم لدور المدرسة والطواقم التربوية سيجعل الطلاب يحضرون بتلهف لمدرسة تسمح وتحتوي فضولهم وحاجتهم بالبحث واحتواء أخطائهم واحتواء الاختلاف بينهم وإبداعاتهم.


كاتبة المقال: نسرين مرقس، حاملة للقب ماجستير في التربية، محاضرة وموجهة مجموعات، ومطوّرة لبرامج تربوية لا-منهجية وتعمل في كلية التربية "أورانيم" وعضوة المجلس التربوي العربي.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب