منظومة للتربية ثم التعليم

الرجوع

مروة مجادلة - بدران

منظومة التربية والتعليم، التعريف الجاف برأيي لها هو منظومة لتذويت القيم وأسس التربية السوية الصحيحة والمهارات الحياتية. والتعليم الذي يشمل الجوانب والمهارات التحصيلية العلمية والأدبية القديمة والحديثة. جوانب مهمة تمنح المنتسبين والخريجين منها أن ينطلقوا لرحلة الحياة والتعامل معها بمنح أنفسهم وبيئتهم كل ما يتلقون من تجارب ومعرفة.

لكل جانب من هذه الجوانب ثقله وأهميته، أحدهما يكمل الآخر فهذه المنظومة لكي تنشئ جيلا ومجتمعا صالحا ولكي تكن من المنظومات التي تؤثر بشكل مباشر على الازدهار الاقتصادي للدولة، يجب أن يتوفر بها عوامل عديدة مهمة لتستطيع تحقيق المرجو منها بأفضل صورة وبعض هذه العوامل، قيادة وكوادر تربوية مؤهلة ترى في التربية والتعليم رسالة. إضافة لذلك ثقافة تنظيمية عمادها الاحترام وتقبل الاختلافات وخطة عمل مضمونها يرتكز على التطور والتأهيل ومواكبة كل ما هو جديد لصالح تأهيل أجيال المستقبل وأخيرا ميزانية تدعم كل هذه العوامل وتوفر بيئة تربوية تعليمة وتحفز الكوادر على الإبداع.

من وجهة نظري هذا باختصار؛ الجانب التنظيمي المنشود لمنظومة تربية وتعليم سليمة صحية. هذا الوضع المنشود، أما الموجود لن أخوض به لأنه ليس موضوع مقالي لهذا العدد.
في هذا العدد أود اصطحابكم وإياي لتجربتي لمدة عامين مع منظومة التربية والتعليم في ميونيخ كأم أشارككم هذه التجربة ببعض من تفاصيلها لأنها طويلة ولا تتسع لمقال واحد.

برأيي لم تأتِ التربية قبل التعليم عبث، أرى أن دون أسس التربية يصعب تحقيق الجانب التعليمي. فإن أردت أخد هذا الجانب كجانب أول لمفهوم منظومة التربية قبل التعليم حيث عشناها بتفاصيلها أنا وعائلتي خلال العامين الأخيرين في ميونيخ. سأختار البدء بعلاقة المعلم/ة والطالب قبل أي جانب آخر وكيف هذه العلاقة بتفاصيلها البسيطة الأساسية تخلق علاقة احترام وثقل لمكانة المعلم في المدرسة. حيث يتوجه الطالب للمعلم/ة بمناداته/ا بالسيد/ة (Frau/ Herr) واسم العائلة الخاص به/ا. مناداة المعلمة بغير ذلك يعد إهانة لها ولمهنتها. من هنا لمست بداية التواصل السليمة، هذه القواعد متعارف عليها بمنظومة التربية والتعليم إضافة لذلك في أول لقاء بين المعلمة والأهل والطالب يتم تعريفها وتحديدها كطريقة وأسلوب في التواصل من قبل المعلمة.

جانب آخر متبع في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية على وجه الخصوص وهو احترام المبنى والحيز المدرسي، من خلال المحافظة عليه وعلى نظافته، حيث يكون لكل طالب حذاء بيتي يرتديه داخل المدرسة في حال وصوله لها وفي المكان المخصص لذلك، بعد أن يخلع حذاءه الرياضي أو الحذاء الذي وصل به إلى المدرسة. الهدف من هذا النهج الحفاظ على نظافة المدرسة وقدسيتها. هذه العادة أيضا متبعة بالبيوت ومن هنا أيضا يتم الربط بين المدرسة والبيت من حيث المسؤولية الشخصية والذاتية لممتلكاتها. إضافة لذلك يتعاون الطلاب خلال الدوام بجمع القمامة من الساحة إن وجدت، وفي نهاية الدوام ترتيب الصف وتكنيس الأرض.

من الممكن أن يتساءل البعض لماذا هذا كله إذا كان هناك عمال نظافة في المدرسة؟ في هذا النهج رسائل تربوية منها عن المسؤولية الشخصية، الانتماء لحيز المدرسة، التعاون بين الطلاب في الصف، والنظافة الشخصية، والنظافة العامة، وغيرها.
منظومة التعليم في ألمانيا تختلف كليا عن البلاد من حيث أساليب التدريس، والتقييم وغيرها. من أساليب التقييم التي أثارت اهتمامي ولاقت استحساني، هي تقييم الطالب من قبل المعلمة بمدى قدرته بالاعتماد على ذاته، خلال الدوام وفي المدرسة بأمور مختلفة. حيث يعتبر أن الاستقلالية والاعتماد على الذات من جيل الطفولة له أهميته في نجاح الطالب.

من الأمور اللافتة أيضا في منظومة التربية والتعليم هو التقييم الذاتي الذي يقوم به كل طالب لنفسه. هذا التقييم يكون بعدة مراحل خلال السنة الدراسية، خلال الامتحانات، في جلسات نهاية كل فصل مع المعلمة وغيرها. يقيم الطالب ذاته بمعايير مختلفة مثل سلوكه وتحصيله ومدى معرفته وتمكنه من المواد وغيرها من الأمور بالمقابل تقيم أيضا المعلمة الطالب بنفس المعايير ويتم أخذ المحاور التي تم تقييمها والعمل على تحسين الأمور التي بحاجة لذلك والحفاظ على نقاط القوة من خلال جلسة تعقدها المعلمة مع الطالب. هذا الأسلوب أرى فيه أهمية كبيرة لتدريب الطالب على تقييم نفسه للإدراك والمعرفة الذاتية ولتعلم كيفية التقييم الموضوعي.

جانب إضافي لفت نظري وأثار اهتمامي، كل ما يخص المهام المدرسية (الوظائف البيتية) للمرحلة الابتدائية بالذات. حيث يٌكرس للمهام المدرسية ساعة ونصف فقط فيها الطالب يقسم مهامه للقراءة والكتابة، وحل التمارين. من خلال هذه الطريقة كان الاعتماد على الكيف لا الكم.

في المرحلة الإعدادية هناك مهام من خلال المنهاج تُؤهل وتكشف الطلاب على سوق العمل. إحدى هذه المهام التي يرتكز عليها تقييم الطالب في نهاية السنة، وهي أن يمر الطالب بتجربة البراكتيكوم. حيث يندمج في سوق العمل بموضوع يختاره لمدة أسبوعين. بمصادقة المدرسة. هذه المهمة من خلالها يتم انكشاف الطالب على الجانب الحياتي واليومي في سوق العمل، ويتم التدرب على مهارات شخصية مهنية من خلال تجربته وخوضه يوم عمل اعتيادي. في نهاية البراكتيكوم يتم تقييم عملة من خلال المشغل ويرفق هذا التقييم لشهادته المدرسية.

من الأمور التي انتقدتها وما زلت في منظومة التربية والتعليم في ألمانيا (ميونيخ) أنها توظف وتسيّر وترصف مستقبل خرجيها لخدمة اقتصادها الصناعي التي تعتاش منه كدولة. هذا النهج كنظام دولة هو نهج ذكي جدا إيجابي سياسي، اقتصادي واستراتيجي. ولكن له جوانب أخرى سلبية بحسب رأيي مما يمس بحرية الأشخاص وإتاحة الفرص والمجالات العديدة لاختيارهم مهنة المستقبل، إضافة الى أنه نهج يحدد التنوع الوظيفي، ويؤدي لتقليص أو تلاشي مهن أخرى ضرورية وبالتالي تضطر الدولة لاستقطاب أصحاب اختصاص من دول أخرى كمبرمجين، أطباء... وغيرها من المهن غير الصناعية.

في كل منظومة هناك الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية، اخترت في مقالي هذا تسليط الضوء على الجوانب الإيجابية لتبنيها لمن يلاقي الأمر استحسانه. هذا المقال لم يأت للمقارنة بين منظومة التربية والتعليم في البلاد وفي ميونيخ لجلد الذات؛ بل أتى ليسلط الضوء على جوانب مهمة ومميزة بمنظوري انكشفت عليها خلال العامين اللذين أقمت بهما هناك مع عائلتي ورأيت أهمية بنقل هذه الصورة من المنظور الشخصي اليومي الواقعي كأم وكمستشارة تنظيمية تهمني منظومة التربية والتعليم في البلاد. لم أود المقارنة في هذا المقال بين المنظومتين اكتفيت بنقل الصورة وأترك لكم المقارنة بحسب معرفتكم وانكشافكم على منظومة التربية والتعليم كل من زاويته.


كاتبة المقال: المستشارة التنظيمية والمختصة في مجال الموارد البشرية مروة مجادلة - بدران.

 

 

 

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب