ثنائية المشاركة والمقاطعة وخيار التصويت

الرجوع

د. جمال زحالة

عشيّة كلّ انتخابات يدور نقاش حول المشاركة والمقاطعة من النّاحية المبدئيّة. تدل كل استطلاعات الرّأي أنّ نسبة الذين ينوون المقاطعة من منطلق رفض المشاركة في الانتخابات مبدئيًا لا تتعدى 10%، وفي أغلب الاستطلاعات هي أقل من 5%، ومع ذلك اعتقد أنَّ هذا نقاش مهم وجدير أنّ نخوضه، فالمشاركة في انتخابات الكنيست ليست أمرًا مفروغًا منه، وهناك أسباب تدعونا للمشاركة وأخرى للمقاطعة، ومسألة المشاركة أو المقاطعة ليست محسومة سلفًا بل بحاجة إلى شرح وتوضيح ونقاش بعيدًا عن منطق المناكفة والترصّد وتسجيل النّقاط.

لسنا وحدنا نخوض هذا النّقاش، وقد تراكمت في العصر الحديث مئات وربما آلاف الحالات الّتي طرحت فيها ثنائية المشاركة والمقاطعة في الانتخابات، وترتكز دعوات المقاطعة على ثلاثة أسباب مركزية: الجدوى، منح الشّرعية والنّزاهة.

مسألة الجدوى من المشاركة في الانتخابات هي محور نقاش في مواقع كثيرة في العالم في الحاضر وفي الماضي، وهي من أهم أسباب الإحجام عن التّصويت كحالة غير منظمة وتلقائية، حين يحس الأفراد والجماعات أنّ لا فائدة من المشاركة في الانتخابات. ويدور النقاش أيضًا حول أنّ المشاركة في الانتخابات تمنح الشّرعية للنظام القائم وللانتخابات نفسها، وقد شهد العالم حالات مقاطعة كثيرة استنادًا إلى هذا المبدأ. كذلك مسألة نزاهة الانتخابات والتّزييف ومنع المرشحين من التّرشح دفعت بأحزابٍ كثيرة إلى المقاطعة. علينا الانتباه أنّ هناك فرق كبير بين مقاطعة قوّة سياسية أو حتى مجموعة قوى للانتخابات، وبين مقاطعة شعب أو مجتمع بأسره. المقاطعة الجزئيّة عادة ما تكون خاسرة لأنّ هناك من يملأ الفراغ، وفي حالتنا إذا لم تكن هناك قوى وطنيّة مشاركة، فستربح الأحزاب الصهيونيّة لتكن هي من يمثل المجتمع العربيّ، وهذه نتيجة عكسيّة لما يريده دعاة المقاطعة.

قبل سنوات أُجريَ بحث شامل لمئة حالة مقاطعة للانتخابات وخلص إلى استنتاجات مهمة، وهي: أنّ الغالبيّة السّاحقة من الّذين قاطعوا تضرروا أكثر بكثير من النّظام الّذي قاطعوه. وكانت المقاطعة مجديّة فقط في حالات كانت فيها الجماهير في الشّارع في حالة ثورة وعصيان، وهذا يعيدنا إلى نقاش حول مشاركة قوى اليسار الثّوري في انتخابات "الدّوما" الرّوسي، وحينها كتب "لينين" أنَّ المقاطعة لها معنى إذا كانت هناك حالة ثوريّة جارفة في الشّارع والجماهير في حالة اندفاع قويّة تمنحها المقاطعة زخمًا قويًا له وزن وتأثير حاسم.

نحن بالطبع لسنا في هذا الحال، والمشاركة في الانتخابات البرلمانيّة هي وليدة الظّروف المعقّدة، الّتي يعيشها هذا الجزء من الشّعب الفلسطينيّ، الّذي تتعلّق حياته اليوميّة وحقوقه وعمله السّياسي بالمواطنة الّتي ترسم حدود العلاقة بيننا وبين الدّولة. نحن أهل البلاد الأصليّين وهذا وطننا، وما من شك في أنّ الذهاب إلى الكنيست فيه ثمن نقدّمه وله سلبيات كثيرة، لكن حاجتنا إلى التّمثيل البرلماني في الظّروف العينية الّتي نعيشها اليوم هي أكبر بكثير، حاليًا على الأقل.

تهدف مشاركتنا في الكنيست إلى معالجة قضايا النّاس الحياتيّة اليوميّة بكافة أبعادها وعلى جميع الأصعدة، وتهدف أيضًا إلى استغلال المنصة البرلمانية لرفع صوتنا والتّعبير عن موقفنا السّياسيّ. ونوابنا يؤدّون مهمتهم في هذين الاِتّجاهين على نحو جيّد عمومًا، ودائمًا هناك حاجة للتطوير والتّحسين.

في الانتخابات القريبة مهم جدَّا أنّ يدلي النّاس بأصواتهم لتقوية تمثيلنا البرلماني، فهذا يقوّينا والمقاطعة تضعفنا، فلنأخذ بما يقوّينا ولنترك ما يضعفنا.

أما لمن نصوّت؟ فلا أرى حقيقةً سوى خيار واحد وهو التّصويت للمشتركة الّتي تشكلت عام 2015، من أهم الإنجازات السّياسيّة لمجتمعنا الفلسطينيّ في الدّاخل. صحيح أنّ الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة انشقت عن المشتركة، لكننا نأمل أنّ تعود في الانتخابات المقبلة فهي مركب هام وحيوي لشعبنا ومجتمعنا. المشتركة مستمرة وبقوّة للدفاع عن وجودنا وحقوقنا بكرامة وعزّة، وملتزمة بعدم مقايضة حقوقنا عبر تقديم تنازلات سياسيّة مقابل الفتات. التّصويت للمشتركة هو تعبير عن دعم الوحدة الوطنيّة الكفاحيّة للحصول على حقوقنا الّتي لا نقبل أنّ تكون مشروطة، بل هي قائمة بذاتها تعبيرًا عن مفهوم المواطنة الديمقراطيّة الّذي نؤمن به، وارتكازًا على انتمائنا للشعب والأرض والوطن.

 


كاتب المقال: د. جمال زحالقة هو رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب