تعاظم حالات الإساءة للأطفال في الحضانات - انعدام الرقابة أم خلل في التأهيل؟

الرجوع

نجلاء زاروبي - جرايسي

من أهداف قانون الرقابة على الحضانات (2018) التي تحتوي على أكثر من سبعة أطفال، أولًا ضمان سلامة الأطفال في الأطر التربوية الى جانب ضمان الشروط المناسبة لرعاية وتطوّر الأطفال الجسديّ، العاطفيّ، الاجتماعيّ والذهنيّ. ومن أهم ما جاء في القانون، *واجب وجود كاميرات في كل الأماكن التي يتواجد بها الأطفال في الحضانة. *تأهيل المربيات بدورات تربية أساسية (لغير الحاصلات على شهادة تأهيل)، دورة إسعاف أوليّ ودورة الأمن والسلامة. *تحديد عدد الأطفال بالمجموعات ممن هم تحت مسؤولية كل مربية بحسب عمر الأطفال.

مع انتقال المسؤولية على الحضانات من وزارة العمل إلى وزارة التربية في بداية العام الحالي، كل من يعمل في مجال الحضانات يلحظ تغيراً واضحًا في عدة مجالات أبرزها واجب الحصول على ترخيص من وزارة التربية، دورات تأهيل للمربيات غير المؤهلات وزيارات مكثفة من مفتشات وزارة التربية للحضانات. لكن هل ذلك سيحد من حالات الإساءة للأطفال بالحضانات؟

نلحظ في الفترة الأخيرة ازدياد في حالات الإساءة للأطفال حد التنكيل، في الحضانات الخاصة والتي كانت تعمل بشكل مستقل بدون رقابة حتى بداية العام الحالي بحيث أن مع تطبيق قانون الرقابة على الحضانات أصبحت تلك الحضانات ملزمة بالحصول على ترخيص، تركيب الكاميرات وتخضع لرقابة من مفتشات وزارة التربية. كذلك نلاحظ أن حالات الإساءة والتنكيل حدثت وتحدث بالحضانات الرسمية الحاصلة على رمز من الوزارة والتي كانت تخضع للرقابة والتفتيش طوال الوقت. لذلك فإن الكاميرات، التفتيش، دورات التأهيل كلها خطوات مباركة والتي من شأنها أن ترفع من مستوى رعاية الأطفال، لكنها غير كافية للحد من الإساءة للأطفال، باعتقادي أن أهم ما يمكن فعله من أجل تغيير واقع الحضانات هو رفع مكانة وظيفة "مربية" أطفال حتى جيل ثلاث سنوات.

حتى يومنا هذا ما زالت وظيفة مربية حضانة تعتبر ذو مكانة منخفضة، بالرغم من أهميتها، فإن من تعمل مربية ترعى الأطفال في فترة حاسمة من حياتهم، يتطور الطفل بتسارع كبير حتى جيل ثلاث سنوات، لا توجد مرحلة أخرى من حياته يتطور بها بمثل هذه السرعة. تشير الأبحاث الى أهمية هذه المرحلة لتطور الطفل، والى أن هذه الفترة هي الحاسمة كذلك في تطور الروابط بالدماغ. إن الضرر الناتج عن إهمال أو الإساءة للأطفال حتى جيل ثلاث سنوات يمكن أن تكون أبعاده ليس فقط على الطفل وعائلته إنما كذلك على المجتمع بشكل عام، لذلك فإن رعاية الطفل وتربيته بشكل سليم في هذه الفترة سيؤثر بشكل كبير على أدائه وتحصيله في شتى المجالات في طفولته وكذلك في مرحلة البلوغ. لكن وللأسف نحن نعيش في واقع يتعامل مع هذه الوظيفة بشكل لا يتماشى مع أهميتها.

ظروف العمل بالحضانات صعبة جدًا بحيث تقع على عاتق المربية مسؤوليات عديدة تتعلق برعاية مجموعة من الأطفال، 6 أطفال من جيل ستة شهور حتى سنة وثلاثة أشهر، 9 أطفال من جيل سنة وأربعة أشهر حتى سنتين و 11 طفل من جيل سنتين حتى ثلاث سنوات. تجدر الإشارة الى انه بعض الحضانات لا تلتزم بالتقسيم أعلاه والذي توصي به وزارة التربية، فتكون أعداد الأطفال بالمجموعات أكبر مما ذكر أعلاه. وعلى المربية الاهتمام برعاية جميع الأطفال في المجموعة ذلك يشمل الاهتمام باحتياجاتهم الأساسيَة مثل النظافة، الطعام والشراب، النوم وغيرها، تمرير فعّاليات تربوية تهدف الى تطوير قدرات الأطفال الحسيّة، الحركيّة، الذهنية، اللغويّة، العاطفيّة والإجتماعيّة وغيرها، وكذلك الاهتمام بحاجات الأطفال الفرديّة. كل ذلك لوحدها والمربيات الأخريات مسؤولات عن مجموعات أخرى من الأطفال. مقابل كل تلك الأعمال تتقاضى المربية أجرًا منخفض لا يتعدى أحيانًا الحد الأدنى من الأجور وغالبًا لا تحظى بمدفوعات الضمانات الإجتماعيّة.

بالإضافة الى ذلك شروط القبول للعمل كمربيّة حاضنة تكاد تكون معدومة، بسبب العمل الصعب والمسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق المربية، و الأجر المتدني من جهه أخرى لا يوجد إقبال على هذه الوظيفة فأغلب النساء تفضلن العمل بمجالات أخرى تكون بها المسؤوليات أقل والأجور أعلى. لذلك احيانًا تعمل في المجال نساء وافقن على شروط العمل لكنهن غير ملائمات للعمل مع الأطفال. أي أن ظروف العمل الصعبة، والأجور المتدنية وقبول عاملات غير مؤهلات وغير مناسبات للعمل تؤدي إلى انخفاض مكانة وظيفة المربية، وكل ما كانت مكانة وظيفة المربية متدنيّة فستبقى الأجور منخفضة وظروف العمل صعبة وستعمل بالمجال نساء غير ملائمات. للخروج من هذه الدائرة يجب رفع مكانة وظيفة المربية عن طريق رفع الأجور وتحسين ظروف العمل وإختيار نساء مؤهلات مناسبات للعمل مع الأطفال.

من المهم جدًا مراقبة عمل الحضانات، ومنع الإساءة والتنكيل بالأطفال ومعاقبة كل من تقوم بمثل هذه الأعمال، لكن هذا غير كافٍ، ومن الخطأ وضع كل المسؤولية على المربيات، فهن أحيانًا ضحية المؤسسة. على الدولة ووزارة التربية خصيصًا أن تعطي مجال الطفولة والأطر التربوية مزيدًا من الاهتمام والميزانيات لرفع مستوى العمل بالحضانات ورفع مكانة المربية، ليس فقط في إلزام وضع الكاميرات وزيادة التفتيش وتأهيل المربيات، إنما كذلك في تقليص عدد الأطفال في المجموعة وتحسين ظروف عمل المربيات ورفع الأجور والأهم من هذا كله رفع مكانة وظيفة المربية.


كاتبة المقال: نجلاء زاروبي جرايسي وهي مرشدة تربوية في حضانات لحديثي الولادة حتى جيل ثلاث سنوات.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب