عن التربية الجنسية: نهج النعامة لا يحمي فراخها

الرجوع

بروفيسور مروان دويري

هناك إجماع على ضرورة تربية أولادنا على الشرف والأخلاق الحميدة وضبط سلوكهم الجنسي كي لا ينجرفوا وراء الغريزة بدون روادع. لتحقيق هذا الهدف لا بد من فهم طبيعة هذه الغريزة وتطوير الوعي لضبطها. أما التخويف بدون فهم وبدون تزويد الأولاد بأدوات عملية فيكون كمن أنشأهم على الخوف من "الغول" دون أن يدركوا كيف يحموا أنفسهم منه.

قبل توعية الصغار يجب أن يدرك الكبار بأن الغريزة الجنسية قائمة وفعالة في عقول وأجساد الأطفال منذ ولادتهم. وهي تأخذ أشكالا مختلفة في فترات الحياة المختلفة. ففي الصغر يتساءلون عن الفروق بين جسد الأنثى وجسد الذكر وتكون لديهم رغبة شديدة لاستكشاف أجسادهم وأحاسيسهم واستكشاف أجساد الأولاد والبنات الآخرين. في هذه الفترة تتبلور الهوية الجنسية لديهم نتيجة تفاعل ما يحملونه من صفات وراثية وما يتعرضون له في بيئتهم. وفي فترة المراهقة تحدث طفرة في إلحاح الغريزة الجنسية وفي تطور الأعضاء الجنسية لدى الأولاد والبنات، وتغيرات في الطول والمظهر والصوت. تشكل هذه الطفرة نوعََا من العاصفة على التوازن النفسي والاجتماعي للمراهقين ويكونون أحوج ما يكونون لمن يتفهمهم ويساعدهم على تخطي هذه الأزمة بسلام.

لذلك يكفي أن نخيف الأولاد من هذا "الغول" وربطه بالفضيحة أو بالخطيئة وبعقاب الله ونبقيهم بين إلحاح الغريزة وبين الخوف من العقاب؟ وأصلََا هذا التخويف لا يضمن ضبط الغريزة، لأنَّ الغريزة ستأخذ الأولاد إلى سلوكيات سرية خشية عقاب الدنيا والآخرة، وإلى البحث عن إجابات من مصادر مضلِّلة؟ الحقيقة أن التخويف والتحذير لا يضمن ضبط الغريزة وتحاشي الانحراف الأخلاقيّ، بل ربما يشوهها وأحيانََا يسبب شعورََا بالذنب واضطرابات في الأداء الجنسي تظهر بعد الزواج عند الرجل أو المرأة.

ما يميز الإنسان عن الحيوان هو قدرته على ضبط غرائزه بفضل العقل والضمير الذي يتحلى بهما. الحيوانات تتروض بواسطة العقاب والثواب فحسب، بواسطة تخويفها يمكن ضبط غريزتها جزئيََّا طالما المروّض واقف لهم بالمرصاد، أَمّا في غيابه فليس هناك ضمان بأن يضبط الحيوان غريزته الجنسيّة أو العدوانيّة.

أما الإنسان الذي يتمتع، عن دون بقية الكائنات الحية، بوجود غشاء دماغ يمكنه من التحلي بالعقل والضمير والإرادة والفهم والتمييز بين الخير والشر ومن اتخاذ القرارات وتحمل مسؤولية النتائج، وكلها صفات غائبة لدى الحيوان، فيمكنه بعقله أن يضبط سلوكه ويقرر متى وكيف يعبر عن غرائزه ورغباته. لذلك طالما يملك أولادنا عقولا فلا داعي أن نتبع التخويف أسلوبََا كما مع الحيوانات، بل علينا مساعدتهم بتطوير عقولهم وضمائرهم ليتعلموا ضبط النفس بأنفسهم وأن يحسنوا الحكم على الأشياء والتصرف بمسؤولية.

عمليا أمامنا ثلاثة بدائل في التعامل مع الغريزة الجنسية:

  1. نهج النعامة: أن نضع رؤوسنا في الرمل وعدم التطرق للغريزة الجنسية في حديثنا مع الأولاد، فتكون النتيجة وقوع الأولاد في إرباك يجعلهم يستكشفونها أو يمارسونها سرََّا، والاستعانة بمصادر معلومات مضللة من أولاد آخرين أو مصادر أخرى مشبوهة.
  2. نهج ترويض الحيوانات: استخدام التخويف والتحذير الذي يمكن في أحسن الأحوال أن يردعهم عند وجود مراقبة خارجية، وفي غيابها ربما ينجرفون وراء الغريزة ومن ثم يعيشون شعورا بالذنب أن خوف من عقاب الله لهم.
  3. نهج تطوير العقل والضمير: التثقيف الجنسي الذي يشارك فيه الأهل والمدرسة من خلال برامج تربية جنسية تعرّف الأولاد على طبيعة هذه الغريزة وطبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه، وتنبههم من عواقب أي سلوك جنسي على صحتهم النفسية والجسدية وعلى العواقب الاجتماعية المترتبة عنه. إدراك العواقب لأي سلوك يجعل الأولاد يتصرفون بمسؤولية مع غريزتهم الجنسية.

موضوع السلوك الجنسي ارتبط في مجتمعنا بالشرف، خاصة السلوك الجنسي للبنات والنساء إلى أن ارتبط شرف الأمّة بغشاء البكارة. في هذا الربط أكثر من خطأ: أولا الشرف مرتبط بغشاء الدماغ الذي يتحلى بالعقل والضمير والإرادة وليس بغشاء البكارة، وثانيا: لماذا انفلات الغريزة الجنسيَّة لدى الرجل تعتبر فحولة وربما بطولة يفخر بها أمام ذويه، ولا تسري عليه المعايير نفسها التي تسري إجحافا على المرأة، وثالثا مفهوم الشرف أوسع بكثير من السلوك الجنسي فهو مرتبط بأن يقوم الشخص بواجباته كوالد أو معلم أو موظف أو رئيس مجلس، وباحترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء على ممتلكاتهم، وبعدم الغش في الامتحانات أو في الوظيفة أو في البضاعة التي تباع، ومرتبط بالوفاء بالوعد والالتزام بالاتفاقات وبالمسؤولية المجتمعية وحمل هموم المجتمع والوطن. هناك كثيرون ممن حافظوا على غشاء البكارة وقاموا بجرائم اجتماعية وأخلاقية كثيرة أو باعوا الوطن.

برنامج التربية الجنسية يجب أن يأخذ بالاعتبار المجتمع الذي يتم تطبيقه فيه. وهذا يعني إشراك الأهل في بنائه أولا وأخذ دورهم في التثقيف الجنسي ثانيََا، إذ لا يعقل أن يتم الحديث عن الموضوع في المدرسة بينما يبقى هذا الموضوع مغلقََا أو محرمََا في البيت. البرنامج يجب أن يوجه الأهل لدورهم في التثقيف بما فيها مساعدتهم على التغلب على مخاوفهم وصعوباتهم بهذا الموضوع وإعطائهم أدوات وإجابات حول تساؤلاتهم.

أخذ المجتمع بالاعتبار لا يعني تلقين الأولاد العادات والقيم الاجتماعية والدينية كما هي، بل مناقشتها مع الأولاد خاصة المراهقين لفهم جذورها ومغزاها ومراجعتها وتطويرها بما يلائم العصر. إذا كنا نحن الكبار واثقين من صحة ومصداقية عاداتنا وقيمنا فليس هناك داع للخوف من خوض النقاش مع الأبناء حولها.

هناك من يخشى أن تفتح هذه البرامج عيون الأولاد على موضوع الجنس فينجرفون وراء الغريزة. الحقيقة هي أن الأولاد يعيشون الجنس يوميَّا في تفكيرهم وشعورهم وسلوكهم فإما أن نتركهم يضيعون فيها أو أن نناقشهم لنكون معهم فيها ونساهم في تطوير قدرتهم على الحكم على الأشياء والتعقل والتصرف بمسؤولية. إذن التربية الجنسية لا تشجع الإباحية والانفلات، بل مليئة بالتوعية والتحذير من الانفلات وبتزويد الأولاد بالمعرفة اللازمة وأدوات الضبط وتحكيم العقل والضمير بينما يتحاورون مع الأهل والمربين. هكذا يحسنون التصرف ويعرفون كيف يحمون أنفسهم من الاعتداءات الجنسية وإن تعرضوا لتحرش ما يجرؤون على مشاركة الأهل لحمايتهم.

 


كاتب المقال: بروفيسور مروان دويري وهو أخصائي علم النفس العلاجي والطبي والتربوي وباحث في علم النفس العابر للثقافات.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب