سحر القصّة.. لماذا يخبو بين مقاعد المدرسة؟

الرجوع

منى سروجي

"إحكي لي قصّة!" جملة تتردّد على ألسنة الصّغار وهم يلاحقوننا بإلحاحٍ. منذ نعومة أظفاره، ينشدّ الطّفل إلى القصّة؛ فهي تمتّعه وتُغني خياله، ومنها يطلّ على عوالم جديدة، فيوسّع مداركه ومعارفه. وكثيرًا ما تكون القصّة مرآة لمشاعر الطفل وخبراته الاجتماعيّة، فنراه يكتشف أثناء القراءة بدهشة: "هذا أنا، وأنا كمان بصير معي هيك!".

القصّة أيضًا منجمٌ لغوي، يكشف أمام الطّفل مفردات اللغة ومبانيها، ويدلّه على استخدامها في سياقاتٍ حياتيّة مختلفة. وحين يسمع الطّفل أحداث القصّة ويفهمها ويتفاعل معها، تتطوّر لديه مهارات تفكيرٍ أساسيّة، مثل مهارة التّخمين، والتّحليل، والمقارنة، والرّبط بين السبب والنتيجة، وهي مهارات مؤسِّسة للتّفكير الناقد والإبداعي. ومن خلال القصّة يكتسب الطّفل قِيَمًا إنسانيّة واجتماعيّة يجد لها صدًى في بيئته القريبة والموسّعة. لا ننسى أهميّة "النصّ البصريّ" في كتب الأطفال المصوّرة، أيّ الرّسومات، التّي تكشف الطّفل على تقنيات رسمٍ مختلفة، وتنمّي ذائقته الجماليّة، وتتحدّى تفكيره في علاقاتٍ مختلفة ومركّبة بين النصّين: اللغويّ والبصريّ.

لكنّ رحلة الطّفل في عوالم القصّة تأخذ أبعادًا أخرى في ذهنه ونفسه إذا رافقه فيها الكبير، وعلى الأخصّ الأهل والمعلّم/ة. أوّل بُعدٍ هو البُعد العاطفيّ؛ فسرد القصّة يقرّب بين الصّغير والكبير، ويتيح تواصلًا عاطفيًّا دافئًا. كذلك يُوفّر الحديث بين الطّفل والكبير حول أحداث القصّة ومشاعر شخصياتها وأفعالها، فرصةً آمنة للطّفل لأن ينفّس عن مشاعره، خاصّة الصّعبة منها. كثيرًا ما أسمع من أهلٍ ومربّيات أطفال عن دهشتهم في التّعرّف على خبرة يمرّ بها الطّفل، لم ينتبهوا إليها إلّا من خلال الحديث معه عن شخصيّة أو حدث ما في قصّة. وحين نتحادث مع الطّفل عن سلوكيّات شخصيّات القصّة، دوافعها ونتائجها، ونساعده في أن يربط هذه السّلوكيّات بخبرته الذّاتية، فإنّنا نساعده في فهم سلوكه هو، وطبيعة العلاقات العائليّة والاجتماعيّة الّتي يعيشها.

حين نمعن النّظر فيما يحدث في أطرنا التّربوية، نرى القصّة والحوار حولها حاضرَيْن في الكثير من الأطر قبل- المدرسيّة، أيّ روضات وبساتين الأطفال؛ في حين يأخذ هذا الحضور بالاختفاء في المراحل المدرسيّة المختلفة. فماذا يحدث للقصّة حين "تُرفَّع" للصّفّ الأوّل وما بعده؟ ولماذا يخبو سحرها في أروقة المدرسة؟

في الانتقال من البستان إلى الصّف الأوّل شرخٌ بين عدّة عوالم كان الطّفل يعيشها بتناغمٍ تامّ: فجأة يصير عالَم "اللّعب" مفصولًا عن عالم "التّعلّم" وكأنَّ التعلّم لا يحصل عن طريق اللّعب. وفجأة، يصير عالم اللّغة الفصحى الشّيّق الكامن في القصص وأفلام الصّور المتحركّة، والّذي يفهمه الطّفل ويلعب بمفرداته وتعابيره بسهولة عجيبة، عالَمًا غريبًا من نصوصٍ معلوماتيّة جافّة حبيسة في كتبٍ مدرسيّة، لا تمتّ إلى اهتمامات الطّفل بصلّة، ولا تعبّر عن أفكاره ومشاعره وهواجسه وأحلامه. يخفّ حضور القصّة في يوميّات تلميذ المدرسة، وينحصر في "حصّة المطالعة" والاستعارة من المكتبة الصّفيّة، وتتحوّل القصّة في الكثير من الأحيان إلى أداة لتعليم المقاطع الصّوتيّة والمترادفات والأضداد، ويخبو سحرها تحت وطأة فروضٍ منزليّة ثقيلة من صنف: لخّص أحداث القصّة، واكتب العبرة منها، وما شابه.

لا تختفي القصّة من فضاء مدارسنا فحسب، وإنّما تختفي الحكاية أيضًا. ونعني بالحكاية ذلك الدّفق الكلامي العفويّ الّذي يخبّر به التّلميذ عن خبرةٍ عاشها أو يعيشها بكلّ ما تحمله من مشاعر. يُمكن أن يسرد التّلميذ حكايته عبر منصّاتٍ مختلفة: الكتابة، والمسرح، والفنون الإبداعيّة. إنّ جولة سريعة بين المناهج الدّراسيّة في معظم مدارسنا العربيّة تكشف عن حضور شاحب لهذه المنصّات في المرحلة الابتدائيّة، وغيابها تمامًا في المرحلتين: الإعداديّة والثّانويّة. لا وقت في جدول الدّروس المزدحم للحكايات الشّخصيّة، فتسكن هذه الحكايات في دفاتر المذكّرات الصّغيرة والسّريّة. ولا مكان للحكايات الجماعيّة فتصمُت. هكذا يُحرَم التّلاميذ من ممارسة أهمّ أنواع الكتابة: الكتابة السّرديّة.

تتيح الكتابة السّرديّة للتّلميذ أن يعبّر عن نفسه، وأن يستخدم خياله ليبني الإطار المكانيّ والزّمانيّ للقصّة وشخصياتها. كذلك تتيح له أن ينظّم أفكاره، وأن يتأمّل مشاعر وأفعال شخصيّات قصّته، فيتعلّم عن نفسه من خلال دراستها، تمامًا كما فعلت القصّة المسموعة في ذاكرة طفولته. هكذا تصير الكتابة مدخلًا لاستكشاف هويّته الذّاتية والثّقافيّة، واستكشاف طبيعة العلاقات بين النّاس. وعَبر الكتابة السّرديّة يستعيد التّلميذ المعاني في مفردات اللغة، فيركّبها ويفكّكها لتعبّر عمّا يهمّه ويتواصل معه.

نحن في حاجة إلى أن يستعيد تلاميذنا القدرة على سرد الحكاية وكتابتها. إذا أنشأنا جيلًا غير قادرٍ على كتابة حكاياته الشّخصيّة، فلن يتمكّن من كتابة حكايتنا الجماعيّة، ولا صَوْغها من جديد.


كاتبة المقالة: منى سروجي، لُغويّة ومختصّة في تربية الطّفولة المبكرة. تعمل في تطوير موارد للأهل وللعاملين في التّربية وفي تحرير كتب الأطفال.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب