المراهقة- انبثاق للاستقلالية النفسية في ظل العلاقة مع الأهل

الرجوع

طوني حداد

إن المراهقة ليست مجرد تطورات جسدية اجتماعية عاطفية فحسب، بل أيضا، إن لم يكن أكثر من ذلك، هي مرحلة نمو متعددة الأبعاد للفرد (المراهق\ة). ففي هذه المرحلة يطمح الفرد إلى بناء مواقف نفسية وأفكار عاطفية تميزه هو، والتي تختلف غالبا بماهيتها عن مواقف وأفكار الأهل من جهة، ولكنه يبقى على تواصل ويستند على العلاقة مع الأهل خلال سعيه وراء هذه الاستقلالية النفسية (الأهل هنا ليسا فقط الوالدين، بل البيئة المحيطة بالأهل أيضا). فإن نجح في تحقيق ذلك الفصل بينه وبين الأهل في حين حافظ على علاقته بهم، يكون الفرد قد أنجز خطوة هامة نحو استقلالية نفسية من دون محو وضعضعة علاقته بالأهل. إذ إن ضعضعة العلاقة بين الأهل والفرد هي لأمر غالبا ما يشغل الأهل ويشعل النيران بينهم وبين الفرد.
إن الاستقلالية النفسية هي كأي استقلالية أخرى، تسلخ بها المجموعة نفسها عن تلك الخلفية التي ترعرعت بها وتنفست قيَمها. وبالتالي، فإن سعي الفرد للانسلاخ عن الأهل والتركيز على فردانيته (individualism) هو أمر طبيعي وصحي على شتى الأصعدة، إذ إن الفرد ينفصل عن الأم في الولادة، وهذا الانفصال يأخذ بالاتساع، وتتحول الولادة الجسدية إلى ولادة نفسية، تستمر نحو الفردانية. ومن المهم أن يحظى الفرد خلال كل ما سبق بالفرصة لتطوير شعور بالقدرة. فإن الطفل إن لم يشعر بأنه قادر لما كان سيتعلم المشي. ومن هنا، فإن سعي الفرد المراهق\ة، هو ليس فقط وراء الانفصال النفسي عن الأهل، بل أيضا تطوير شعوره\ا بالقدرة والحفاظ على هذا الشعور وصيانته، رغم تضاربه مع احتياجات البيئة في كثير من الأحيان، الأمر الذي يعتبر تحديا صعبا بالنسبة للفرد.

إن استعمال مصطلح "مرحلة" وليس "جيل" يهدف للفت النظر إلى أن المراهقة هي مرحلة تحول هامة، وغير محصورة بين "سنوات بيولوجية" معينة. وذلك لأن حصر المراهقة داخل إطار زمني هو بمثابة تضييق التعامل معها إلى تعامل عيني، بل تقني إلى حد كبير. هذا التعامل التقني من شأنه أن يحول دون "اجتياز" هذه المرحلة بثمار جيدة، وأن يؤدي إلى إخفاق في فهم احتياجات الفرد. بينما إذا اتسعت نظرتنا إلى بعد مجازي، فسنجد بأن المراهقة، رغم صعوبة الأهل بمواجهة انسلاخ الفرد عن الوحدة الوالدية (unity)، تهدف إلى بناء الفرد لوحدته هو والخاصة به. يجدر الذكر بأن طموح الفرد بالاستقلالية، لا يهدف إلى محو الأهل أو محو العلاقة معهم، بل يهدف إلى الانفصال عن امتداد الأهل النفسي والانشقاق عنهم والانبثاق منهم لكي يصبح فردا مستقلا نفسيا. وهذه الاستقلالية هي حجر أساس في تحول الفرد إلى عضو فعال على الصعيد المجتمعي، العائلي النفسي وحتى السياسي في بيئته.

إن العالم النفسي للمراهق\ة (العالم الداخلي بكل ما يحويه) هو على صلة بالعالم الخارجي ويتفاعل معه. فالعالم الخارجي غالبا ما يكون منصة، يقوم الفرد بإسقاط عالمه الداخلي عليها. وبالتالي "يتلوّن" العالم الخارجي بألوان العالم الداخلي، ويبدأ الفرد بالظن بأن "ما يراه" حوله هو حقيقي، ويستبعد فكرة أن هذه هي إسقاطات وتفسيرات. وبين الداخل والخارج تحدث تفاعلات كثيرة تنتج عنها أحيانا صدامات فعلية، أصعبها ينتج عادة عن لقاء غير موفق بين عالم المراهق\ة الداخلي وعالم الأهل الداخلي بسبب تفاوت كبير بينهم من جهة، وصعوبة بتطوير وسائل تواصل بينهم للتجسير على هذه الفجوة من جهة أخرى. لربما يعتبر البعض العوامل الهرمونية سببا أساسيا لهذه الصدامات، غير أنه لا سبب أساسي هنا، بل هنالك مجموعة كبيرة من العوامل التي تتفاعل تتلاءم وتتضارب فيما بينها، أهمها تضارب بين رغبات الفرد وبين طموح الأهل تجاهه. لذا، فإن الميزات العائلية تلعب دورا كبيرا في هذه الحالة، ومن المهم أن يبحث الأهل في هذه الحالة عن "كوكب الشمال" ألا وهو التوازن بدلا من البحث عن حل. فالحل مخصص للتعامل مع مشكلة، لكن المراهقة ليست مشكلة وتضارب الرغبات ليس مشكلة، بل هي وضعية حياتية يمكن أن نراها على مر الحياة. فإن الاستقلالية النفسية ورغبة الفرد بالشعور بالقدرة ليست حصرا على مرحلة عمرية معينة، بل إنها حاجة أساسية ترافق الفرد مدى الحياة هي أيضا. وبسبب أن "محو" أو "عزل" ما قد تم تذويته منذ الطفولة هو أمر مستحيل، فإن الفرد المستقل نفسيا عن أهله يحتوي على أجزاء كثيرة (جدا) في داخله كان قد اكتسبها من والديه وذوتها على مر السنين. لذا، فإن السؤال ليس إذا كان الفرد سيشبه أهله أم لا، بل السؤال هو كيف سيشبههم وإلى أي مدى. ومن هنا، تعود الدائرة إلى ما يشبه نقطة البداية، لنجد بأن الفرد حتى وإن استقل نفسيا عن أهله إلى حد كبير سيجد بداخله شبها بأهله إلى حد كبير.

وفي النهاية أود أن أشير إلى أن إحدى مميزات الطفل هي الفضول، وبالفضول يتعلم، وبالتعلم تتسع المعرفة ويحتك بعوالم أكثر اتساعا ليتسع بذلك الأنا وقدراته. الاستقلالية النفسية، الشعور بالقدرة والتمرد، هي دلالة قوية على وجود حافز حياة صحي قوي ونابض، والذي يساهم جدا في حماية الفرد من خطر الاندثار، والغياب وفقدان الذات. صيانة هذا الشعور، حتى ولو كانت مواقف الأهل تجاهه سلبية، هام جدا لكي يساهم في حماية الفرد من التحول إلى عنصر خامل، غير فعال وغير متفاعل.


كاتب المقال: طوني حداد وهو محلل نفسي.

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب