اللّغة العربيّة وحال الأمّة

الرجوع

د. رافع يحيى

اختلف العلماء حول تعريف اللّغة، فمنهم من نسخ، ومنهم من أطّر نفسه بالمدرسة الّتي ينتمي إليها، واكتفى بعضهم بالتّعريف الأبسط للّغة بأنّها وسيلة اتّصال وتواصل. طبعًا هذا التّعريف رغم صحّته، إلّا أنّه يؤطّر اللّغة في حذاء ضيّق سيرهق قدميها. لانّ الانسان يستطيع أن يتواصل مع الآخرين دون حاجته للّغة، وهكذا كان حاله قبل اكتشاف اللّغة. وأمّا اكتشافها واختراعها فيما بعد فهو مرحلة فكرية ومفصليّة متقدّمة في سلسلة وحلقات التّطوّر البشري.

وضمن هذا التّطوّر اكتسبت البعد الهُويّاتي للنّاطقين بها. وهذا هو حال اللّغة العربيّة الّتي فرضت نفسها كمكوّن أساسي في الدّين كلغة للقرآن، وهي الرّكن الأساسي عند مناقشة مصطلح كالقوميّة.

حظيت العربيّة في الثّقافة القوميّة والدّينيّة الموروثة بمركزيّة هامّة، وصلت منزلة القداسة، فكانت في مركز الحياة الإنسانيّة، من يملكها فاز، ومن أضاعها كان من الخاسرين، ولا سيّما أنّ البعض منحها رتبة مشرّفة، لغة أهل الجنّة.

وهنا يطرح السّؤال وبقوّة، كيف انتقلت هذه اللّغة من رفعة هذه المرتبة ومن سحر المركز إلى ظلمات الهامش؟!

منذ سنوات عديدة يحاول المشهد الثّقافي العربي بشقّيه، الرّسمي وغير الرّسمي، وقف تدهور اللّغة العربيّة، وإعادة عزّها ومجدها، خشية عليها من الفناء.
جميع الجهود مباركة، لكنّها أخطأت خطأ فادحًا، لقد نسيوا انّ عزّة اللّغة من عزّة أهلها، على حد قول العلّامة ابن خلدون.

فهل حال اللّغة العربيّة من حال الأمّة؟ لقد انشغل عشّاق العربيّة وحرّاسها بحمايتها وفق نظامها وأدواتها ومؤسّساتها المعروفة، كالنّحو ومجامع اللّغة والمدارس وإصدار الكتب البحثيّة والأدبيّة الّتي تسعى للمحافظة عليها. لا نقلّل من شأن هذه الجهود وأهمّيّتها، لا سمح الله، ولكن اللّغة تتغذّى من خارج إطارها، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، يغذّيها النّظام السّياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذًا هناك عدّة حقول معرفيّة تتقاطع مع حقل اللّغة وتساهم في تعزيزه أو تؤدي إلى إضعافه وإفقاره.

كلّنا نعلم علم اليقين أنّ هذه الحقول في عالمنا العربي واهية، ضعيفة، غارقة في يومها، غير واعية لمستقبلها. فكيف ستكون صمّام الأمان للّغة؟ كيف ستكون حاضنة لها، وهي تفتقر لأهمّ مكوّنات الحياة، فهي كفيلة فقط بتصدير الأزمات لذاتها ولكلّ من يتعلّق بها من أطر وحقول ومجتمعات.

لغة يتحدث ويتعبد بها أكثر من مليار ونصف المليار مسلم في العالم، فلماذا يتنكّر لها نفر من أهلها؟! ويتباهون بغيرها من اللّغات. إنّها عقدة النّقص والإحساس بالدّونيّة.
للتّذكير فقط، عدّة النّجار تحتاج لنجّار، وكذلك عدّة الحدّاد، والطّبيب، فاللّغة لم تكن يومًا سببًا في هزائمنا، بل أنّ الأمر يكمن في سوء أدائنا.

وفق ما ذكر أعلاه. نحن نفترض أنّ الأزمة لا تكمن في العلاقة بين النّظام اللّغوي ومستهلكيه، بل أنّ الأزمة صُدّرت إلى هذا النظام من حقول أخرى كفيروسات، فشلّته وتركته مقعدًا، لا يؤدّي الأدوار المتوقّعة منه.

وسنسوق المثال التّالي من المنظومة الاقتصاديّة، للإستدلال وتوضيح المقصود: منذ سنوات طوال انتقل الاقتصاد العالمي إلى رأسماليّة الفرد والمجتمع، وباتت الغاية تبرّر الوسيلة، رأس المال يتحكّم بعقليّة الفرد، فتراجعت قيم كثيرة ثمّ تلاشت، إذ حلّت التّكنولوجيا مكان الشّعور، وصار الأخير مجرّد عنصر تجده في حقول الفنون والأدب ليس أكثر، والّتي أمست فيما بعد نوادي مغلقة تجمع قلّة من محبّي الأدب والثّقافة.

اللّغة لا تملأ الجيب ولا المعدة، فما حاجة رأس المال إليها! فلكلّ لعبة قوانينها، وكلّ قوانين اللّعبة لا تخدم مصلحة اللّغة، بل أدّت إلى ضعفها وتراجعها. فالإنسان بات كينونة اقتصاديّة من الدّرجة الأولى، وما ينفع هذه الكينونة يأخذه وما لا يجلب لها الفائدة يرفضه بوعيه أو بلا وعيه، ولا يكترث له.

نعم هناك مشكلة في مناهج التّدريس، في المراحل التّدريسيّة المختلفة، وهناك ضعف واضح في اللّغة لدى المعلّمين، بشكل عام ولدى معلّمي اللّغة العربيّة بشكل خاص. وهناك تراجع مخيف بأرقام المتسجلّين لموضوع اللّغة في الكلّيّات والجامعات. ولم يعد الشّطر الشّعري "أنا البحر في أحشائه الدّرّ كامن" يثير حماس المتلقّي ويلهب مشاعره ويستفزّ عقله، كما كان يفعل ذات حقبة!

هل نستسلم؟ الإجابة، طبعًا، لا. فكلّ المتغيّرات المجتمعيّة والاقتصاديّة، هي غبار عابر، وحالة متقلّبة ومتغيّرة، والثّابت والحي، هو اللّغة، وهي كنظام، كائن حي، لديه القوّة للبقاء والصّمود، لكن هذا لا يعفي أهل اللّغة والنّاطقين بها من واجب حمايتها من الخطر المحيق بها. وهذا يتطلّب بالأساس، الوعي بأهمّيّتها وضرورتها ودورها. هذا الوعي يجب أن يجاوره عمل فريق، تعزيز ثقافة الفريق والتّشبيك بين كافّة المؤسّسات ذات العلاقة.

وللمدارس حصّة الأسد في هذا المضمار. على معلّمي اللّغة العربيّة أن يكونوا القدوة والأساس في تحبيب طلّابهم باللّغة واختيار النّصوص المثيرة، المشوّقة والابتعاد عن كلّ ما هو منفّر وجاف. كما وعلى المؤسّسات تذويت التّعامل باللّغة كمصدر عزّ وفخر، وعدم فتح المجال للتّقليل من شأنها والسّخرية منها. وتخفيف مادّة النّحو والمحافظة على ما يلزم منها، خطوة في الإتّجاه الصّحيح، هدفها التّيسير، لا التّعسير، ومن المهم ألّا تتبعها خطوات أخرى في نفس الإتّجاه، فلا بديل عن النّحو والبلاغة وغيرها من علوم اللّغة. نعم للتّبسيط، لا للإلغاء.

وفي مناطق 48 للّغة العربيّة وضع وأهمّيّة خاصّين بسبب الظّروف السّياسيّة، إضافة للأسباب الّتي ذكرناها أعلاه. وهذا يضع النّاطقين والمهتمّين بها أمام تحدّيات مضاعفة، وهذا ليس سهلًا لأنّنا تقف أمام مشروع يسعى لإحالتها إلى التّقاعد، ونواجه دولة لا تكترث لها بتاتًا. بالنّسبة لفلسطينيي 48 هي هُويّة وخندق آخر من خنادق الصّمود والتّحدي ومنطقة تمّاس وصراع، تتجلّى في المناهج والمراسلات ولافتات الشّوارع وقانون القوميّة العنصريّ. هي مواجهة يوميّة مرئيّة وخفيّة في ذات الوقت. والنّضال من أجل المحافظة على اللّغة واجب أخلاقيّ ووطنيّ وقومي. والمحاولات الارتجاليّة لا تضيف مدماكًا لما نسعى إليه، نحن بحاجة إلى مشروع منظّم، متكامل، للمحافظة على نضارة اللّغة، وكلّ عام ولغتنا بألف خير.


كاتب المقال: د. رافع يحيى وهو محاضر، باحث وكاتب.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب