دور الموسيقى في ترسيخ مفهوم الهُوّيّة عندَ الأَقلّيّات

الرجوع

بلال ارشيد

لقد كانت وما زالت الموسيقى مرآة الشعوب، وهي تلعب دورََا أساسيََّا في تركيب وصياغة الهُويّة الجمْعِيَّة. لكلّ شعب من شعوب العالم تُراث موسيقي يتميّز به عن غيره من الشّعوب الأخرى، وهذا التراث قد تطوّر وتبلور وفقََا لظروف الحياة والتغيّرات والتطوّرات الّتي مرّت بها المنطقة والبيئة الحاضنة لهذا الفنّ، سواء كانت اجتماعيّة، سياسيّة أو اقتصاديّة.

على سبيل المثال، ارتبطت موسيقانا العربيّة وإلى حدّ كبير بالسلطنة والطرب وهما حالة وأسلوب تعبيري موسيقي ذات مواصفات خاصّة، وأنّ هذا الأسلوب تمتاز به موسيقانا عن غيرها من الموسيقات، وهو يعبّر بصدق عن وجدان ومزاج الإنسان العربيّ ومشاعره.

من المعروف عند الاختصاصيّين في علم الموسيقى أنّه ومن خلال الدراسة التحليليّة لنماذج من تراث موسيقيّ معيّن، فإنّنا وبالإضافة إلى استنتاجاتنا وفهمنا للموسيقى وطريقة صياغتها وقواعد بنائها، لا بدَّ لنا الأخذ بعين الاعتبار السياقات المختلفة التّي أَحاطت بهذا الفنّ، مّما يساعدنا على تشكيل صورة عامّة في أَذهاننا للمكان والزمان الّذي نما وتطوّر فيهما هذا التّراث.

وهكذا تتحوّل الموسيقى إلى مرجع مهمّ في دراسة تاريخ الشعوب.

وان ذلك يدفعنا للتأكيد على أنّ الموسيقى ليست ظاهرة مجرّدة عن وقائع الزمان، فهي ترتبط ارتباطََا قويََّا بحياة الإنسان والمحيط الّذي يعيش فيه، ممّا يعطيها أي الموسيقى كما الحياة نفسها بعدََا ديناميكيََّا فتصبح عاملََا مهمََّا ومؤثّرََا في صياغة الهوّيّة.

ومن الجدير بالذكر هنا هو دورٌ مؤلّفي الموسيقى والذين قد امتلكوا القدرة على التفاعل مع كلّ هذه التغييرات والتطوّرات، بالإضافة إلى امتلاكهم للموهبة والمعرفة والعلم الكافي والطاقة الإِبداعيّة الّتي سوف تقودهم في نهاية المطاف إِلى إنتاج أعمال موسيقيّة ذات قيمة فنيّة حقيقيّة.

بما أنّ الموسيقى والفنّ بشكل عام يقومان بتأدية دورٍ أساسيّ ومهم كما ذكرت. فمن البديهي ان تحظى الموسيقى بأهمية كبيرة عند الأقليات المختلفة، ولا سيّما هذه الأقلّيّات الّتي تخضع لضغوط اجتماعيّة وسياسيّة وتواجه تحديات مختلفة أمام المحافظة على هوّيتها الجماعيّة. فهنا يأتي دور الفَنّ بشكل عام والموسيقى بشكل خاصّ للتأكيد على السمات الّتي تختصّ بها هذه الأقلّيّات سواء كانت قوميّة، إثنيّة أو دينيّة، وتساعد على ترسيخ مفهوم الهويّة عندهم. وهناك أمثلة كثيرة تشير إِلى كلّ هذه الارتباطات.

ولعلّ أكثر الأمثلة وضوحًا هي موسيقى الغجر في أوروبا، فهناك علاقة قويّة جدََّا للغجر بالموسيقى، فهي جزء لا يتجَزّأ من أسلوب حياتهم، وليس فقط جزءََا من ثقافتهم العامّة، حيث أنّ الكثير منهم يمارسون العزف والغناء بشكل يوميٍّ ولساعاتٍ عديدةٍ، ممّا يجعل الموسيقيّينَ عندهم يجيدون العزف على الآلات ببراعة وسرعة فائقة، كما أنّه من الواضح أنّ علاقتهم بالموسيقى بهذا الشكل وممارستهم لها بهذه الطريقة ساعدت في امتلاكهم هذه التقنيّات العالية.

ولا شك أنّ ظروف حياتهم الصعبة والاستثنائيّة إلى حدٍّ كبير انعكست أيضََا في موسيقاهم. بالإضافة إلى السرعة وبراعة العزف، الذين يوحيان بالتفاؤل والمرح في معظم الأحيان، فإنّ موسيقاهم امتزَجَت أيضََا بصور وتعبيرات حزينة، ممّا يعطيها طابعََا سوداويََّا (ميلانكولي) والذي يمزج بين الحزن والفرح.

فإنّ الغجر الّذين تعود أصولهم إلى شمال الهند قد وَصلوا إلى أوروبا في نهاية القرن الثالث عشر مرورا بمركز آسيا والشرق الأوسط، فأقاموا ببلدان أوروبيّة مختلفة، وقد عانوا عبر القرون من الاضطهاد والتمييز العنصريّ، وما زال الكثير منهم يعيش تحت ظروف حياة صعبة وقاسية إلى يومنا هذا.

وأما موسيقاهم فقد أثّرت بعمق على ظهور مدارس وأشكال وأساليب مختلفة.

ربّما أقربها لثقافتنا العربية هي موسيقاهم في جنوب إسبانيا. وذلك بسبب الروابط التاريخيّة الّتي تجمعنا مع هذه المنطقة.

ومن المعروف أن موسيقى الغجر لم تبق على هامش الحياة الثقافيّة في أوروبا فقد لعبت دورََا مؤثرََا في تطوّر المشهد الموسيقي بدول عديدة وخلال فترات زمنيّة مختلفة. فكانت مصدر إيحاء للعديد من المؤلّفين والملَحنين الأوروبيّين بما فيهم بعض الأسماء المهمّة في تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة.

وهناك أمثلة عديدة تؤكّد هذه النقطة، فمثلََا لحن Asturias وهي قطعة معروفة كتبها المؤلِّف وعازف البيانو الإسبانيّ Isaac Albeniz الّذي عاش في أواخر الفترة الرومانسيّة أي نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. حيث يظهر تأثّره الواضح في هذا اللحن من موسيقى الغجر في جنوب إسبانيا. وقد كتب هذه القطعة بالأصل لآلة البيانو، ولكن الكثير من عازفي الجيتار الكلاسيكيّ قد أبدعوا في ترجمتها وتنفيذها على الجيتار ممّا أوضح أكثر الطابع الغجريّ للحن.

أَمّا المؤلّف الألمانيّ الكبير Johannes Brahms 1833-1897 فإنّه قد تأثّر وبشكل كبير من موسيقى الغجر وتحديدََا المدرسة الهنغاريّة-المجريّة.

فانّ Brahms وخلال نشأته في مدينة هامبورج الألمانيّة استمع كثيرََا إلى موسيقيّين غجر والذين قد جاؤوا إلى هامبورج في ذلك الوقت، وبعد انتقاله للعيش في ڤيينا أصبح قريبََا أكثر من هذه الموسيقى وذلك بسبب قرب ڤيينا إلى العاصمة الهنغاريّة بودابست، وهناك كتب عدة أعمال موسيقيّة يظهر فيها هذا التأثير، ومن هذه القطع مثلا: gypsy Rondo و Hungarian dance

والجدير بالذكر أنّ هذه القطع حظَيَت بإعجاب وشهرة كبيرين وتعتبر من القطع الخالدة في تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة الغربية.

أما اليوم فتحظى موسيقى الغجر بشكل عام بشهرة عالميّة وهناك أسماء مختلفة لفرق وعازفين وملحِّنين ومغنين غجر والذين لهم حضور واضح في المشهد الموسيقيّ العالميّ.


كاتب المقال: بلال ارشيد وهو عازف عود وملحن فلسطيني مقيم في الدنمارك. خريج الأكاديميّة الموسيقيّة في القدس. عمل كمدرّس للموسيقى ومدير أكاديميّ في الأكاديميّة الموسيقية في جزيرة زنجبار في العامين 2006-2008 وفي عام 2008 انتقل بلال إلى الدنمارك حيث أسّس هناك أكثر من مشروع موسيقيّ خاصّ به، وقام بتسجيل وإصدار اربع اسطوانات. لمشاهدة مشاريع بلال اضغط على الروابط التالية: مشروع 1 | مشروع 2.

الصورة: لفرقه موسيقيه غجريه في المانيا عام 1900.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب