جائحة كورونا والتحديات الصحية

الرجوع

بروفيسور نهاية داوود

 الحق في الصحة هو حق أساسي من حقوق الإنسان وفقًا لوثائق دولية عديدة، حيث خصصت هذه الوثائق بنود خاصة بالسكان الأصلانيين وصحّتهم لما يواجهونه من تحديات. بالنسبة للمجتمع العربي الفلسطيني بالداخل، فإنّ أهم التحديات الصحية تمتثل بانعدام العدل الصحي وعدم تمكنه من تطوير صحته بما يتلائم مع واقعه.
يعتمد العدل الصحي على محورين أساسيين لتحقيقه. المحور الأول الذي يشمل المكانة الاجتماعية والاقتصادية والسياسة. المحور الثاني يتعلق بالحصول على الحق بالصحة من خلال المنظومة الصحية.
بالنسبة للمحور الأول, رغم كون الفلسطينيين في البلاد أقلية كبيرة عدديًا, إلا أنهم يفتقرون للقوة السياسية، حيث أن لسياسات التمييز والإجحاف الممنهجة على مدى سبعة عقود، والتي تعود جذورها إلى النكبة والحكم العسكري، إثرها البالغ على صحتهم النفسية والاجتماعية والجسمانية. وفقًا لأبحاث عديدة فإن الصدمة بعد النكبة وسياسات سلب الأراضي وهدم البيوت والتضييق في خطط التنظيم والبناء وتدني البنى التحتية ونقص المرافق والخدمات والمؤسسات العامة، تأثير مباشر على تدهور الوضع الصحي في البلدات العربية. كما أن سياسات التمييز الممنهج في ميزانيات التعليم والرفاه الاجتماعي وقلة فرص العمل وارتفاع البطالة وتدني معدل الدخل وارتفاع مستمر في نسبة الفقر بين العائلات في البلدات العربية، مما يؤثر سلبًا على الصحة. كما أن البلدات العربية تعاني من تفشّي العنف والجريمة التي تشكل اليوم أهم التحديات من جميع النواحي، بما يشمل الصحة.
بالنسبة لمحور الحق بالصحة والمنظومة الصحية، هناك ثلاث أسس يجب اعتمادها للحصول على العدل الصحي، نأتي هنا على ذكر أهم التحديات في كلّ منها:
1- الحق في الصحة، وفقًا لقانون الصحة - هنا بالإمكان اعتماد فترتين هامتين قبل وبعد سن قانون الصحة العام سنة 1994. حيث يعتبر سن قانون الصحة العام مفصليًا بالنسبة للحق بالصحة في البلاد عامة. رغم أنه لم يتمّ سنّ هذا القانون بهدف المساواة الصحية للفلسطينيين بالداخل، إلا أنه ووفقا لهذا القانون، يتمتع جميع سكان البلاد بالمساواة في الخدمات الصحية من حيث توفرها ومناليتها وجودتها، دون تمييز بالجيل واللون والقومية والجنس وغيرها. رغم أن هذا القانون ينص على المساواة، إلّا أنه حتى الآن، لم يتم تحديد المعايير المتساوية بالنسبة لتحقيق هذا المبدأ. مثلًا، لم يتم تحديد نسبة الأطباء أو الممرضات أو العاملين الصحيين أو نسبة الأسرّة في المستشفيات لكلّ 1000 نسمة وغيرها من الخدمات. كما أنّنا نشهد تقلصًا في صبغة القانون العامة على مدار السنوات الأخيرة، حيث تمت خصخصة الكثير من الخدمات الصحية. كما أنّ مصروف العائلة على الصحة يفوق المعدل في الاتحاد الأوروبي بكثير، مما يشكل عبئًا كبيرًا على العائلات خاصة العربية منها، التي تعاني من نسبة مرتفعة من الأمراض المزمنة.
2- السياسات الصحية والمساواة في توزيع الخدمات الصحية وتوفرها وجودتها - المهم ذكره هنا أنّه لا تتوفر لدينا المعلومات الكافية عن توزيع الخدمات الصحية في البلاد وفقًا للقومية. حيث لا يتم شمل قومية مستخدم الخدمات الصحية في السجل الطبي للمُعالَج، ومن هنا لا يمكن التحقّق من توزيع الخدمات الصحية وتوفرها في البلدات العربية. وفقًا لمعطيات وزارة الصحة الإسرائيلية، هناك فجوات كبيره من حيث عدد الأطباء والممرضات وخدمات صحية أخرى بين المناطق المختلفة، خاصة الشمال والجنوب مقابل المركز. حيث أن عدد الأطباء في التخصصات المختلفة منخفض، خاصة في المناطق التي تشمل عددًا كبيرًا من البلدات العربية. نخصّ بالذكر الطب النفسي، حيث أنّ نسبة الأطباء النفسيين من العرب لا تتعدى الـ2%، والمختصين بالطب النفسي للأطفال لا تتعدى نسبتهم الـ0.5%.
تقع مسؤولية توزيع الخدمات الصحية على صناديق المرضى في البلاد. على مدى سنوات طويلة، لم تعمل صناديق المرضى على تطوير الخدمات الصحية بالبلدات العربية مقارنةً في البلدات اليهودية، إذ أنّ صناديق المرضى أُسست تاريخيًّا لدعم الحركة الصهيونية وتوفير الخدمات للمهاجرين اليهود. على الرغم من التحول الذي حدث عشية سنّ قانون الصحة العام من ناحية تطور الخدمات، إلا أن البلدات العربية تعاني من الكثير من الفجوات في مجالات مختلفة، مثل الخدمات الصحية للأخصائيين (مثلا أطباء ومختصين في الصحة النفسية)، المختبرات، الوحدات لتطوير صحة الطفل وخدمات الطوارئ وغيرها. كما لم يتم تأسيس أيّ مستشفى حتى اليوم في البلدات العربية منذ قيام دولة اسرائيل. رغم أنّ الأطباء العرب يشكّلون نسبة 17% تقريبًا من مجمل الأطبّاء في البلاد ونسبة الممرضات حوالي الـ30% والصيادلة قريب الـ40%، إلا أن عدد الفلسطينيين المهنيين بمراكز صنع القرار في وزارة الصحة يكاد يكون معدومًا.
3- المساواة في الوضع الصحي - وفقًا لما ذكر أعلاه، وحسب إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة وأبحاث عديدة, يعاني الفلسطينيون في البلاد مقارنة مع اليهود، من نسبة مرتفعة من الأمراض المزمنة؛ مثل السرطان والسكري وأمراض القلب، كما أنهم يعانون من نسبة مرتفعة من التدخين والسمنة الزائدة وقلة ممارسة النشاط الجسماني، التي تشكل عوامل خطر لهذه الأمراض. كما أنّ المعطيات عن الصحة النفسية، تشير إلى نسبة مرتفعة من المشاكل النفسية والاكتئاب والقلق.
على الرغم من أنّ وزارة الصحة تقوم برصد هذه الفجوات في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يتم تخصيص ميزانيات كافية لمعالجتها. إذ أنه حتى يومنا هذا، لم يتمّ تمويل خطة تطوير الصحة في المجتمع العربي، والتي وضعت من سنة 2018 من قبل وزارة الصحة بمشاركة أكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني.
كان لظهور أزمة كورونا دور كبير في إبراز الفجوات في الصحة والخدمات الصحية في البلدات العربية، حيث تشهد هذه البلدات بعد الموجة الأولى نسبة مرتفعة من الإصابات في الكورونا، خاصة الحالات الصعبة والوفيات. إلا أنّ وزارة الصحة اعتمدت نفس الأساليب القديمة في إبعاد الفلسطينيين المهنيين عن موقع اتخاذ القرار بما يتعلق بإدارة أزمة كورونا. حيث أن إدارة أزمة كورونا تتم من قبل أجسام سياسية وعسكرية. من هنا، كانت هناك إخفاقات كثيرة بإدارة أزمة كورونا في البلدات العربية، مثل عدم ملائمة النشر والإعلام، الإخفاق في الردع، عدم ملائمة سياسة الحجر المنزلي والرصد الوبائي لواقع المجتمع العربي وغيرها، هذه الإخفاقات ترافقنا الآن ايضًا خلال حملة التطعيمات. حيث لا توجد معلومات عن كمية التطعيمات التي خصصت للبلدات العربية، كما أنّ سياسة توزيع التطعيمات تعتمد معيار الجيل 60 وما فوق، ولا تتلائم مع تركيبة الجيل للسكان العرب الفلسطينيين، حيث أنّ هذه الفئة العمرية لا تتعدى الـ8%، أضف إلى ذلك، وعلى مدار أزمة كورونا، أن وزارة الصحة والحكومة، اعتمدت سياسة التشجيع السلبي كأسلوب لتذنيب المواطنين العرب في ارتفاع نسبة المصابين بالكورونا، مما أدى إلى النفور الكبير من التعليمات، وإلى إقبال قليل على التطعيمات. خاصة أن الإعلان باللغة العربية من الوزارة صدر بشكل متأخر، من دون ملائمته للسكان العرب.
إن الطريق لنيل العدل الصحي لدى الفلسطينيين في البلاد، هي طويلة وشائكة، وتحتاج إلى غلق فجوات كثيرة ومزمنة، ليس فقط في الجهاز الصحي. إن تطوير مؤسسات محلية تعتمد على أخصائيين في مجال الصحة العامة، والسياسات الصحية للمرافعة وغلق الفجوات، هي من البوادر المشجعة التي قد تأتي بثمارها المستقبلية والهامة في تطوير وتعزيز الصحة.

 


 كاتبة المقال: بروفيسور نهاية داوود، هي باحثة اكاديمية في مجال الفجوات في الصحة العامة والسياسات الصحية، عضو مؤسس في لجنة المتابعة القطرية للصحة وفي منظمة الصحة العامة في المجتمع العربي.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب