منصور عبّاس يترجم توجهات حَرَكته منذ ولادتها

الرجوع

وديع عواودة

نتنياهو فَكَّكَ المشتركة. هذه قصة يرويها الإعلام العبري وبعضنا يكررها فهل لو ما كان نتنياهو موجودًا لما تفكَّكت؟ من فكَّكها في المرة الأولى في ربيع 2019؟ من فكَّكَ المشتركة؟ هي المشتركة ذاتها وتتحمل المسؤولية مركباتها الأربعة: عدم إدارة الاختلافات السّياسية والاجتماعيّة (واقعة المثليين والطّحينة كمثال) وفقدان برنامج العمل الجماعي منذ ولدت في عام 2015، وطغيان النّجومية وقلة خبرة كثيرين من قادتها كما يتجلى في تصريحاتهم الإشكالية مثلًا، وخيبة الأمل الكبيرة النّاجمة عن اِنقلاب غانتس عليها (رفعها سقف التّوقعات منها بعد نجاحها الكبير) إلخ. الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة (بصرف النّظر إن اتفقت معها أو عارضتها) منذ دخلت الكنيست في 1996 وهي تبدي البراغماتيّة والوسطيّة، وتسير على نهج وهدي حركة "الإخوان المسلمين" في العالم العربيّ، والعالم ولذا ما يجري اليوم من هذه الناحية هو نهج لا انحرافًا فالطريق الّتي يشير لها النّائب منصور عباس هي اِنعكاس لرؤية حركته، لكنه مختلف في الطّريقة والأداء وفي ارتكاب أخطاء متتالية في التّصريحات.


غداة فوز مرشح "الليكود" بنيامين نتنياهو على مرشح حزب "العمل" شيمعون بيرس في ربيع 1996 قال النائب عن الحركة الإسلامية الشق الجنوبي عبد المالك دهامشة: مستعدون للتعاون مع حكومة نتنياهو بهذا الشّكل أو ذاك في حال لبت مطالب المجتمع العربي. ولاحقًا في 1998 تغيّب دهامشة وزملاؤه نواب العربيّة الموحدة عن اجتماع للكنيست للمصادقة على الميزانيّة العامة مقابل إلغاء ضريبة الأملاك (ضريبة أثقلت كاهل الفلاحين وأصحاب الأراضي العرب) وغيره. وجاء هذا بعد خمس سنوات على تجربة دعم خارجي لحكومة إسحق رابين من قبل الجبهة الديموقراطيّة للسلام والمساواة والحزب الديموقراطيّ العربيّ لتأمين المصادقة على اِتّفاق أوسلو عام 1993. ولاحقًا تكرَّرت تجربة مماثلة بدعم فوري مباشر لنواب القائمة الموحدة (الحركة الإسلاميّة) وغيرهم لقرار رئيس حكومة الاحتلال الراحل أرئيل شارون بإعادة فك الارتباط عن قطاع غزة عام 2005.


وجاءت هذه المواقف منسجمة مع الفلسفة السّياسية الّتي صاغها مؤسس الحركة الإسلاميّة داخل أراضي 48 ومؤسسها الأوّل الشّيخ الرّاحل ابن مدينة كفرقاسم عبد الله نمر درويش. في نهاية سبعينيات القرن الماضي اعتقلت السّلطات الإسرائيليّة الشّيخ عبد الله نمر درويش ومجموعة من النّاشطين الإسلاميين وأدانتهم بالانتماء لـ "تنظيم سري محظور" بعد الكشف عن تنظيم "أسرة الجهاد". بعد خروجه من السّجن أسس الشّيخ عبد الله نمر درويش رؤية سياسية براغماتيّة تدعو للوسطية والاعتدال والانخراط في اللّعبة السّياسية الإسرائيليّة بهدف حماية البقاء والتّطور والمكتسبات الخاصة بفلسطينييّ الدّاخل كونهم يقيمون داخل "بطن الحوت". في العام 1996 تقدم عبد الله نمر درويش بالمزيد من الخطوات للأمان، طارحًا على حركته الإسلاميّة فكرة المشاركة في انتخابات البرلمان الإسرائيليّ (الكنيست)، مما أدى لجدل صاخب بين أوساطها مما أفضى لانقسامها لشقين: الشّق الجنوبي المؤيد للمشاركة (جاءت تسميته لأن معظم مؤيدي المشاركة في انتخابات الكنيست كانوا من المثلث الجنوبي) مقابل الشّق الشّماليّ بقيادة الشّيخ رائد صلاح الرّافض للفكرة. فيما بقي الشّق الجنوبيّ حتى اليوم، نجحت إسرائيل باقتناص جملة من الظّروف المحليّة والإقليميّة والعالميّة من أجلّ حظر الشّق الشّماليّ واعتباره تنظيمًا محظورًا في 2015 ، وتبع ذلك تفكيك عشرات الجمعيات التّابعة للشق الشّمالي (شمالي لأن أنصارها من المثلث الشّمالي). في كتاب مذكراته الصّادر قبل شهور (إضاءات على الحركة الإسلاميّة) رفض الشّيخ رائد صلاح من أخذ عليه بعدم سماع نصيحة الشيخ عبد الله نمر درويش، مما تسبب في إلقاء طحين حركته في الشّوك بالقول: الحركة كانت سَتُحظر وستموت، أو تقضي على ذاتها بطبيعة الحال لو شاركت في الانتخابات الإسرائيليّة وهذا جزء من نقاش لم ينته بعد.

  


كاتب المقال: وديع عواودة هو كاتب وصحافي ومحلل سياسي.


 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب