حول قانون حذف ومحاكمة الرأي!

الرجوع

المحامية عبير بكر

صادقت اللجنة الوزاريّة الإسرائيليّة للتّشريعات يوم 27 من شهر كانون أول المنصرم (2021) على اقتراح قانون "منع التحريض عبر شبكات التواصل الإجتماعية" والذي تم نعته إعلاميًا "بقانون الفيسبوك". ويمنح اقتراح القانون النيابة العامة الإسرائيلية صلاحيّة مطالبة المحكمة الإدارية باستصدار أمر لحذف مضامين معينة من المواقع الإلكترونية ومحركات البحث بذريعة أنها تشكّل مخالفة جنائية، التي قد يؤدي استمرار نشرها للمساس بسلامة الفرد أو الجمهور أو أمن الدولة. يسري القانون على كل موقع وكل محرك بحث سواء أكان لهم مندوبين بالبلاد أم لا.

التجديد الخطير في القانون أعلاه هو منح صلاحية للدولة بتجريم المواقف وإدانتها دون أي علاقة بالمسؤولية الجنائية للناشر. حذف النشر معناه بأن المحتوى يشكّل مخالفة جنائية ما تكون عقوبتها الحتميّة الحذف. بكلمات أخرى الحديث عن قانون جاء ليجرّم المضمون بمحاكمة إدارية سريعة لا عقوبة فيها غير الحذف التام وقد يكون ذلك خلال 48 ساعة حسبما جاء باقتراح القانون. ولا يعرّف القانون ما هي المخالفات الجنائيّة التي ستكون عقوبتها الحذف وبالأساس ما هي أسس هذه المخالفات الجنائية ومركبّاتها كما الحال في كل تهمة جنائية. ويخلق القانون بذلك منظومة قانونيّة جديدة تشبه إلى حد كبير منظومة الاعتقال الإداريّ الذي يتيح سلب حرية الفرد بذريعة الشبهات الجنائيّة الأمنية دون الحاجة إلى الخوض بالمسار الجنائي المعتمد وتقديم لائحة اتهام وكشف البينات والسماح للمتهم بالدفاع عن نفسه.

خلق المسار الإداري – الجنائي لم يأت إلّا للإسراع من حجب أي محتوى لا تراه الدولة بعين الرضا، دون الحاجة للمحاججة القانونية، تمامًا كما يخدم الاعتقال الإداري مصلحة الدولة بتحقيق هدف إبعاد الفرد عن المجتمع بطريقة سريعة وخاطفة تتجاوز كل الإجراءات الجنائية المعتمدة التي من المفروض أن تكون الضمان لإحقاق العدالة والمحاكمة العادلة. فَلِمَ الحاجة للمحاكمة وبذل الجهود بإثبات البيّنات جنائيًا وبشكل مكشوف طالما هنالك إمكانية لاعتقال سريع ولمدة غير محدودة دون الحاجة لإثبات أي من التهم أو الشبهات الموجهة واستنادًا إلى مواد سرية؟ كذلك الأمر بقانون حذف المضامين أعلاه. على الرغم من بنود القانون الجنائيّ الإسرائيلي التي تتيح محاسبة كل من أقدم على نشر مسيء نظريًا (مثل بنود التحريض على العنف أو الإرهاب أو التهديد) وإمكانية كل شخص وكل جهة يشمل الأجهزة الأمنية للدولة التوجه لوحدة السايبر التابعة لوزارة القضاء من أجل إزالة نشر مسيء، ما زالت ترى دولة إسرائيل حاجة ماسة لزيادة آليات الرقابة السلطوية بشكل يضمن لها السيطرة على الفضاء المعلوماتي الرقميّ بشكل سريع يحول دون إخضاع الأمر لرقابة قانونية ناجعة ومتأنيّة. إتاحة مشروع القانون واستخدام الأدلة السرية كمبرر للحذف لهو الدليل الواضح على رغبة المؤسسة تبرير حذف مضامين معينة وإن كان نصّها العلني شرعيا بادعاء "المخفي أعظم". والمراد من ذلك هو ضرب القوة السياسية لشخوص ومجموعات معارضة ذات قوة تأثير على شبكات التواصل الاجتماعي والتقليل من مدى تأثيرها وإن كانت مضامين نشرها شرعيّة. لذا في الحالات التي يتعذر فيها التضييق السياسيّ وتحييد التأثير على الرأي العام بوساطة المحاكمات الجنائية السياسية التي اعتدنا عليها ستلجأ المؤسسة إلى القانون أعلاه لتحقيق نفس الغاية السياسية.

لم يخفِ المشرّع في تفسير حاجته لمثل هذه القانون بأنها حاجة الدولة لحمايتها كمؤسسة وتنجيع تعاطيها مع أي نشر تراه مسيئا لسلامة الجمهور وأمنها وفقًا لمعاييرها. بمعنى أن النظام يضع تقييدات على حريات الأفراد لخدمة نفسه كنظام سائد ولمنع سيطرة الآراء المعارضة له على الفضاء الرقمي. وحينما يدور الحديث عن تقويض لحرية التعبير عن الرأي فمن الواضح بأن معارضي النظام السائد وسلوكيّاته هم المجموعة المستهدفة؛ لذا لا يمكن رؤية هذا القانون إلا محاولة مباشرة للدولة للتقليل من نشر أي رأي أو تقرير مرئي مسيء لها كمؤسسة تحت غطاء المصطلح الفضفاض المسمى بأمن الدولة. واستخدام مصطلح "الإرهاب" المتكرر بحديث مروجي القانون ما هو إلا الإثبات للنية الواضحة باستخدامه ليس ضد من يسيء للنساء وللأقليّات المضطهدة بالبلاد، بل بالأساس لكل من تسوّل له نفسه التضامن مع الفلسطينيين الرازحين تحت وطأة الاحتلال الإسرائيليّ أو معارضة أي سياسة قمعيّة للمؤسسة الأمنية حصرًا، وبخاصة خلال فترات الحروب وحالات الطوارئ التي تبرز فيها المحاولات لإسكات الأصوات المعارضة والمقاومة بحجة منع التحريض على العنف في الأوقات التي تقوم الدولة بتصعيد استخدام العنف ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وبأراضي 67 المحتلة.

لذا لا يختلف هذا القانون عن أي قانون آخر سن خلال العقد الأخير كان هدفه تقويض العمل السياسي والحريات السياسيّة للفلسطينيين تحديدًا. ومن يعتقد بأن القانون سيوفّر للمواطن البسيط أداة لحمايته من النشر المسيء فهو مخطئ للغاية. فلن يحمي القانون أي امرأة تم نشر صور شخصية خاصة بها ولن يحمي أي نشر فيه تحريض على العنصرية ضد العربي أو تشهير ضد فلان وعلان. فهذه الأمثلة لا تعتبر "تحريضا على العنف والإرهاب" ولن يكون للمدعي العام مسبب قانونيٌّ للجوء للمحكمة للمطالبة بالحذف السريع. فالعنف المقصود هو العنف ضد الدولة وممارساتها ومؤسساتها بالأساس وليس العنف ضد النساء ولا ضد الأقليات القومية.

لا شك أن هنالك حاجة ماسة لحماية الأفراد والجماعات، وبخاصة المستضعفة، من النشر المغرض والمسيء؛ تمامًا كما الحاجة لحماية الأفراد والمجتمع من كل المظاهر الأخرى للعنف. إلا أن القانون المقترح بعيد كل البعد عن هدف حمايتنا كأفراد وجماعة، بل على العكس: هذا القانون يأتي ليحمي الدولة منّا كونها ترى في أي رأي خارج عن الإجماع القومي الإسرائيلي، وبخاصة في أوقات الطوارئ والحروب، كرأي معاد وجب قطعه من دابره وإن لم يرتكب صاحبه أي مخالفة جنائية. فالجريمة هي القوة الكامنة بالتأثير وإثارة الجدل في أوقات تريد الدولة عامة أن تنجز مهماتها العسكرية دون أي إزعاج.

 


كاتبة المقال: المحامية عبير بكر وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب