تحولات السياسة الفلسطينيّة والأسرلة

الرجوع

د. مهند مصطفى

يمرّ المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل بتحوُّلاتٍ جوهريّة في السّنوات الأخيرة، فضلًا عن تأثُّره من متغيّرات المشهد الفلسطينيّ العام. ساهمت هذه التحوّلات في إحداث تغيُّرات في الحقل السياسيّ الفلسطينيّ، ظهرت تمثُّلات هذه التحوُّلات /التغيُّرات في مَحاور عديدة، من بينها تحوُّلات في القيادة السياسيّة من حيث عملها وتوجُّهاتها السياسيّة، إذ ليس في الإمكان قراءة تحوُّلات القيادة بمعزل عن التحوُّلات الاجتماعيّة- الاقتصاديّة التي مرّ بها المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل وما يزال يمرّ، فالقيادة السّياسيّة (سواء في ذلك القطْريّة والمحلّيّة) في أغلبها، هي تَجَلٍّ لهذه التحوُّلات من جهة، وتقوم بدَوْر في بلورتها وتعظيمها من جهة أخرى.

 

أثرت التّحولات في المجتمع الفلسطيني على ظهور توجهيّن مهمين، الأوّل: يتمثّل في صعود التوجُّهات الفردانيّة الاندماجيّة داخل المجتمع الفلسطينيّ الناتجة عن نشوء علاقات قوّة اجتماعيّة واقتصاديّة جديدة مع النظام الإسرائيليّ، مقابل التوجُّه الجمعانيّ، الذي يُركز على التّنظيم الوطني الدّاخلي وبناء المؤسسات الدّاخلية في المجتمع الفلسطينيّ.

 

إلى جانب تحوُّلات القيادة السّياسيّة، يشهد الحقل السِّياسيّ الفلسطينيّ انزياحًا نحو التّقلّص إلى العمل البرلمانيّ عبر القائمة المشتركة، وينعكس ذلك بدوره على مكانة ودَور الأحزاب والحركات السياسيّة في الحقل السياسيّ، حيث تشهد الأحزاب حراكًا سياسيًّا داخليًّا، وكذلك تتحرّك خارجيًّا، وعلى نحوٍ أساسيّ من خلال ديناميكيّات العمل البرلمانيّ وما يحمل من فكرة التمثيل السياسيّ للجماهير الفلسطينيّة، لكن دون إيلاء اهتمام كافٍ لفكرة التنظيم والصوغ، أي تنظيم الجماهير الفلسطينيّة لتكون فاعلة في النضال السياسيّ من خلال أدوات احتجاجيّة أخرى، وصوغ مطلبياتها الجمعانيّة. تظهر جدليّة التمثيل والتنظيم في رؤية الأحزاب والحركات السياسيّة لدَوْرها السياسيّ؛ فمنطق التمثيل يفترض التّنافس على تمثيل الفلسطينيّين في الكنيست والمحافل الحكوميّة وداخل النظام السياسيّ، بينما تنطلق فكرة التّنظيم من العمل الجماعيّ الّذي يرمي إلى تمكين المجتمع للنضال من أجل صوغ وتحصيل الحقوق الجماعيّة من جهة، وتوسيع الحقل السياسيّ وتفعيله من جهة أخرى، بما يتجاوز العمل البرلمانيّ ذا البُعد التمثيليّ.

 

إنّ مقاربة الحقل السياسيّ نظريًّا، من خلال مَفْهَمة التّنظيم والتّمثيل، تحتاج إلى مقاربته تاريخيًّا، من خلال تحليل سوسيولوجيّ وسياسيّ للحقل السياسيّ الفلسطينيّ في فترات سابقة تَمَيَّزَ فيها هذا الحقل بإمكانيّة التّغيير ردًّا على مَوْجات الأسرلة في النّصف الأوّل من عقد التسعينيّات من القرن الماضي، على سبيل المثال، وذلك بغية تحقيق فهم أعمق للحقل الراهن؛ فقد شهد الحقل السّياسيّ آنذاك توسُّعًا من حيث التنوُّع الفكريّ والأيديولوجيّ، وأدوات الاحتجاج والنضال السياسيّ، وتشابكًا أكبر مع المشهد السّياسيّ الفلسطينيّ العامّ في أعقاب اتّفاق أوسلو، وتحدّيًا لفكر أوسلو الّذي حوّل الفلسطينيّين في الداخل إلى شأن إسرائيليّ بحت، وتداخلًا أوسع نسبيًّا للحكم المحلّيّ مع العمل السياسيّ الوطنيّ، وصعود رعيل جديد من القيادة الفلسطينيّة رأى في مشروع التّنظيم الجماعيّ مشروعًا ملازمًا لفكرة التّمثيل السِّياسيّ.

 

تدفعني هذه القراءة إلى طرح تحول جديد في مفهوم الأسرلة والذي تطور في السنوات الأخيرة، ويمكن القول إنّ تعثر الثّورات العربيّة وما كانت تحمل من أمل لنهضة الأمة، وما آلت إليه من حروب وصراعات داخلية دمويّة ومدمرة كان العامل الأساسي في صعود الأسرلة الجديدة. فما هي الأسرلة الجديدة؟ إذا كانت الأسرلة الأولى نابعة من الخوف وتمثلت في سلوك مؤسرل، والثانية كانت أسرلة في الفكر السياسي تمثلت في خطاب سياسيّ يربط بين المكانة المدنية في إسرائيل وبين حل الدولتين لشعبين دون نزع الصّفة الصّهيونيّة عن إسرائيل، والثالثة كانت أسرلة على مستوى الوعي تمثلت في ممارسات مؤسرلة ترى أن الحل في اندماج الجماهير العربيّة في إسرائيل والتّماهي مع سلوكيات إسرائيلية مثل التّصويت لأحزاب صهيونيّة عن قناعة (ليس خوف) وحتى رفع أعلام إسرائيل وعودة الاِحتفال باستقلال إسرائيل. أما الأسرلة الجديدة فهي أسرلة مختلفة، غير نابعة من الخوف ولا مربوطة مع خطاب سياسي له صلة بالقضيّة الفلسطينيّة، ولا خطاب يطالب بالاِحتفال بإسرائيل والاندماج الجماعي، إنها أسرلة تتميَّز بنزعة الخلاص الفردي، خلاص فردي ينطلق من اعتبار أنَّ خيار الفرد للتقدم يكون عبر الاندماج في اللّعبة الإسرائيلية حصرًا، فضلًا عن أنَّ هذا الاندماج يكون فرديًا، لأنه لا يمكن أنّ يكون الاندماج جماعيًا في دولة كإسرائيل، فقط اندماج فردي، وأنا أطلق على هذا الاندماج شكلًا من أشكال الأسرلة. وتحديدًا مصطلح أسرلة بوعيّ، وليست نابعة من الخوف كما كان في سنوات الحكم العسكريّ، ولا نابعة من انبهار كما كان في بداية التسعينيات بعد توقيع اتفاق أوسلو، ولا عن جهل أو انتهازية شخصية، بل عن وعيّ بذلك. ولاحظ أنَّ حالة الأسرلة الرّاهنة تتعاظم في الفترة الّتي تحكم فيها حكومة هي الأشد تطرفَا في تاريخ إسرائيل وفقًا للسياق التّاريخي الّذي نعيشه. في التّسعينيات ظهرت حالة الأسرلة في ظلِّ حكومة رابين الّتي ذهبت إلى تسوية مع منظمة التّحرير الفلسطينية، وكان هنالك أجواء أنَّ الدّولة الفلسطينيّة على الطريق، وكان هنالك مشاركة للأحزاب العربيّة في الحكومة ككتلة مانعة من الخارج، وتم انفاق مليارات الدّولارات على السّلطات المحليّة العربيّة.

 

الآن نحن في حالة أسرلة في ظلِّ حكومة تقصي العرب وتلاحقهم، وتشرع قانون القوميّة، وتدَّمر المشروع الوطني الفلسطينيّ. لذلك فإن تعظيم سياسات التّمثيل في هذا السّياق في السّياسة العربيّة يعزِّز من الأسرلة، الأسرلة بوعي تنطلق من أنَّ الخلاص الفردي يكون بالاندماج، والأسرلة هنا ليست تشوه في الهُوية بالضرورة، قد يكون صاحبها يملك الوعي الوطني أو الحس الدّيني، ولكن مقصدها أنَّ الخلاص هو فردي وليس جماعيًا، الخلاص هو الاندماج كفرد متميّز ومتفوق وناجح، وليس ضمن بناء مشروع سياسي جماعي، الأسرلة بوعي هي نزع السّياسة عن المشروع الخلاصي الفردي. وإذا نزعت السّياسة عن تفكيرك، قلّ انتماؤك لمشروع سياسيّ جماعيّ.

 


كاتب المقال: د. مهند مصطفى هو باحث ومحاضر في قسم علم الاجتماع في جامعة تل أبيب و مدير عام المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية "مدى الكرمل".

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب