الاقتصاد ودوره في انتخابات آذار 2021

الرجوع

د. وائل كريّم

ما آلت إليه الأوضاع الاقتصاديّة من تدهور خطير في مستوى التّمكين الاقتصادي والحصانة الاجتماعية بدأ يغيِّر قوانين اللّعبة السّياسيّة في الدّولة عامةً وفي المجتمع العربيّ بشكل خاص.

 

فقد بتنا قريبين من أرقام قياسيّة لم نشهدها من قبل، حيث البطالة الّتي تفوق ٢٤٪، واقترابنا من مليون عربيّ تحت خط الفقر، ٣١٪؜ من الشّباب العرب لا يعملون ولا يتعلمون، أكثر من ١٧،٠٠٠ مصلحة أُغلقت في جائحة الكورونا، وما يقارب ال ٢٦٪؜ من الطّلبة الجامعيين يفكرون بوقف التّعليم نتيجة اعتبارات ماديّة، وأكثر من ٧٢٪؜ من النّساء العربيات لا يعملن. كلّ هذه المعطيات تشير إلى اقتراب تسونامي اقتصادي يهدِّد كيان هذا المجتمع وحصانته أمام التّهديدات الأخرى الّتي تحول دون اِستقراره الاجتماعيّ، مما يفسر اِرتفاع منسوب الجريمة والعنف بأرقامٍ مذهلة لم يشهدها مجتمعنا في العقود الأخيرة.

 

كذلك غياب الأفق السّياسيّ على صعيد القضيّة الفلسطينيّة وبوادر القضاء على الحلم الفلسطينيّ من خلال صفقة القرن الّتي حصلت على دعمٍ عربي لم يكن يتوقعه الفلسطينيون، كلَّ هذا ساهم في تحويل العنصر الاقتصادي ليكون الاعتبار الأوّل في الاعتبارات الّتي يبحث عنها النّاخب العربيّ في توجهه الانتخابي.

 

هذا ونرى أنَّ هناك أحزاب بدأت تعي أنَّ الاقتصاد هو العنصر الأساسيّ الّذي يجب أنَّ يتصدر حملاتها الانتخابية، في حين جاءت الاستطلاعات لتشير إلى تصدر الاعتبار الاقتصادي وعلاج العنف والجريمة تفضيل الناخبين في اختيارهم للجهة السّياسيّة الّتي تستقطب اهتمام المجتمع العربيّ.

 

بينما الأحزاب العربيّة ترجمت هذه المطالب إلى شعارات محدودة الفاعليّة تتضمن كلمات مثل: كرامة وحقوق، واقعية وتأثير، والمواطن أولًا، إشارة من هذه الأحزاب إلى وعيَّها أنَّ النّاخب العربيّ أصبح يئن تحت تهديد الفقر والبطالة والعنف الّذي هو وليد مباشر للفقر، لم يكن لديها ما تطرحه بشكلٍ مُباشَر لحلِّ هذه المعضلة نظرًا لعلمها بمحدوديّة فاعليتها في صنع التّغيير الّذي يمكن أنّ يحصِّن المجتمع من جائحة الفقر والعنف والجريمة.

 

من جهةٍ أخرى بدأت تظهر أحزاب تطرق هذا الباب بقوة وتتحدث بوضوح عن لزوم إحداث ثورة اقتصادية تغيِّر قوانين اللّعبة، وتضع حلول عينيّة لمشكلة الفقر، لرفع مستوى تمكين المرأة وإنقاذ المصالح الّتي انهارت، ورفع مستوى التّعليم في البلاد عامةً وفي المجتمع العربيّ خاصةً، كما تنوي محاربة الاحتكار المتفشي في الاقتصاد الإسرائيليّ وخفض الأسعار الجنونيّة الّتي تفوق بنسبة ٦٨٪؜ معدل أسعار المواد الأساسيّة في العالم.

 

هذه الأجندة الّتي يمكن أنّ تستقطب بقوة الناخب العربيّ الّذي بدأ يملّ الخطاب السّياسيّ القديم الّذي لم يأتِ بأي إنجاز حقيقي على الصّعيدين السّياسي والاجتماعي، بل كان له نتيجة عكسية من ارتفاع منسوب العنصريّة ومزيد من الاضطهاد ضد العرب، وأصبح يغرق في مستنقع الفقر والجريمة إلى جانب العنصريّة والاضطهاد. 0321

 

حتى لو اِختلفنا على كون العنصريّة والاضطهاد هما نتيجة اِستمرار الخطاب العربيّ القديم أو نتيجة واقع محتوم، ففي كلتا الحالتين إنَّ الثّبات في التّكتيك وعدم تحديث الاستراتيجيات نتيجة لمستجدات الأمور على الصعيدين الإقليمي والمحلي فهو غباءٌ لا يغتفر، ما بدأ ينمي النّضال الفردي لدى الشّباب العرب وترك النّضال الجمعي الّذي لم يتجدَّد، وهذا نتيجة حتميّة لثبات الخطاب السّياسيّ وعدم ملائمته مع التهديدات الحديثة الّتي باتت تهدِّد الحقوق الجمعيّة، وهو كما يبدو الهدف الّذي لطالما حلم به العنصريون في هذه الدّولة من تفكيك المجتمع وتشجيع الفكر الفردي.

 

خلاصة الأمر أنّ الاقتصاد هو الْمُحرك الرّئيسي الّذي سيتصدر الحملات الانتخابية المقبلة، خاصةً أنَّ الأوضاع الاقتصاديّة للفلسطينيين في هذه الدّولة مستمرة في التّدني، حتى أنَّ خطر الجوع بات يهدِّد عائلات كثيرة مما سيحولها إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه قياداتها أولًا.

 


كاتب المقال: وائل كريّم وهو مختص اقتصادي والمرشح الّثامن في "الحزب الاقتصادي" اّلذي سيخوض انتخابات آذار 2021.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب