راديو 2000.. صوت الهبّة

الرجوع

سماح بصول

للساعات الطويلة من الاستماع للراديو العربي المحلي المستقل آنذاك "راديو 2000" حصة كبيرة من ذكريات الانتفاضة الثانية لدى عدد كبير من سكان شمال فلسطين. لا أزال أذكر كيف وضع والدي جهاز الراديو على الطاولة في غرفة الضيوف، قلب البيت، فيما كان التلفزيون في زاوية غرفة العائلة، عمل كلاهما بلا توقف.

كنت اجلس على الكنبة بمحاذاة الراديو واستمع لما يقال، كان مصدر معلوماتي الاول والرئيسي والاقرب لما احمله من مواقف تجاه ما يحدث. اليوم، بعد 21 عامًا لا يزال صوت الراديو حاضرًا في ذهني، فاخترت لقاء 3 ممن كانوا المحركات الرئيسية في "راديو 2000" أيام الهبّة، وحملوا صوتنا جميعًا وبثوه على الهواء مباشرة، لتتحول الراديو الى اكثر من وسيلة اعلامية تبث من قلب الحدث.

 

نبض الشارع

"كنّا نبض الشارع" بهذه الكلمات وصف الاذاعي نبيل سلامة عمل راديو 2000 خلال احداث الانتفاضة الثانية. وأضاف: "كنت مسؤولًا عن ملف الرياضة في الراديو وكنت أقدم البرامج الاخبارية كذلك. بدأت الاحداث في نهاية شهر أيلول وكانت نهاية أسبوع، مع تحوّل الاحداث الى دموية بدأت التغيّرات في علاقتنا مع عملنا في الراديو الذي كان يلفظ انفاسه الاخيرة. كان عيد الغفران لدى اليهود ولم تكن هناك وسائل اعلام ولا حتى خطوط هاتفية، فقام احد الاصدقاء الذي يملك محلًا للهواتف الخلوية بتزويدنا بأربعة هواتف للتمكن من الاتصال بالمراسلين والجمهور. لقد تمكنا من مسح ما يحدث في كل قرية ومدينة عربية، حتى اننا استعنا بمراسلي الرياضة لنقل الاحداث".

وحول كون الراديو تابعًا لسلطة البث الثانية مع كل ما يرتبط بذلك من تحديات على مستوى اللغة والمصطلحات وطبيعة المواقف في ظل الهبّة قال :"كنا حذرين جدًا، كنا نعرف أننا مراقبون، وكنا نعرف أن كل كلمة تعبر عن تحيّزنا لشعبنا سيكون لها وقع ثقيل، وبالفعل تمت مساءلتنا عن احد البيانات التي تمت قراءتها على الهواء. كان العمل في الراديو حساسًا وقد كانت الشرطة تقوم بدوريات حول المبنى الى درجة جعلتنا نغلق البوابات من الخارج والتزام المكاتب".

أما عن اهمية الراديو في تلك الفترة على المستوى السياسي يقول نبيل :" رغم كونه يوم العفران اتصل بي وزير الداخلية انذاك متان فلنائي وطلب مقابلته على الهواء. كان الموقف غريبًا لكنها كانت اشارة عن مدى اهمية عملنا ومخاطبة الجمهور. لقد تركت الراديو بصمة خاصة لدى الناس وعلى مستوى السياسيين".

في مواقف كهذه لا بد وان تكون هناك احداث لا تنسى، وعن هذه قال نبيل: " كنت اشعر انني في خضم حرب، سادت حالة ذعر في كل مكان حتى في العمل الصحفي والتغطية الميدانية. لقد اجريت مقابلة مع والد محمد الدرة واعتبرها المقابلة الاكثر صعوبة التي اجريتها في حياتي المهنية. لكن استشهاد الشباب كان اكثر قسوة وصعوبة خاصة واني قمت بتدريس الشهيد محمد خمايسي في المرحلة الثانوية وكنت اعرفه واعرف افراد عائلته جيدًا.. كان بث اسمه كشهيد مأساويًا".

 

مرحلة البوست تراوما

رلى حامد كانت تعمل في قسم تحرير الاخبار في الراديو، وخلال الانتفاضة كانت الشخص الذي يستقبل المكالمات والمعلومات. افتتحت رلى حديثها معي بالقول "اعتقد اني لم اصل بعد مرحلة البوست تراوما بسبب مما عشناه خلال تلك الفترة. عندما استشهد اياد لوابنة – وهو ابن حارتي- شعرت بالصدمة، لان الشهيد في تلك البقعة من الحي الشرقي في الناصرة كان يمكن ان يكون اخي مثلا".

 

"كان التعاون من قبل المذيعين كبيرًا جدًا، خلية نحل فيها طاقة عظيمة، واصبحت توقعات الناس من الراديو عالية ومُلزمة للطاقم. لقد دفعنا ذلك الى رواية قصتنا بكل دقة. قمنا باجراء مقابلات مع جميع اعضاء الكنيست من جميع الاحزاب الوطنية واعضاء لجنة المتابعة ورؤساء سلطات محلية. كنا نبث حوالي 14 ساعة ونعمل 24 ساعة ولم نعرف طعم النوم ليالٍ طويلة بدافع الحرص على متابعة التغطية ولأن الميدان كان ملتهب".

 

وتضيف رلى:" لقد كانت التغطية المتواصلة خيار الزملاء من جهة واستشعار لحاجة الشارع في تلك الفترة. في بداية التغطية رفض اعضاء كنيست من احزاب اليسار المقابلات، لكن بعد الهجوم على الناصرة واستشهاد وسام يزبك وعمر عكاوي توجه الينا يوسي سريد طالبًا اجراء مقابلة.. كل هذا بفضل نوعية التغطية وحجمها، اصبحت الراديو عنوانًا للجمهور والسياسيين من مختلف الاطراف، وظفنا كل ما نملك من علاقات شخصية ومهنية.. لقد عمل كل فرد في الطاقم بكل اخلاص ورغم الارهاق كان هناك شعور هام جدًا بالتضامن والانتماء والوعي لهويتنا".

 

صوت الناس واجبنا الوطني

بسيم داموني كما عرفناه كان مختصًا في تقديم البرامج الفنية والترفيهية، لكن الاحداث المتسارعة فرضت عليه الانتقال الى اذاعة الاخبار ببث مباشر: " كانت الراديو على وشك الاغلاق. لم يكن هناك عدد كبير من العاملين والمذيعين، فجأة وقع حدث غير اعتيادي والواقع فرض نفسه علينا فبدأت برامجي تتوقف لصالح موجز هنا واخبار عاجلة هناك. في مرحلة ما وبسبب كثافة الاحداث اضطررت لترك اختصاصي في الترفيه والانتقال للاخبار ومتابعة التغطية من الميدان مع الناس والمراسلين. اذكر جيدًا ان الهجوم على الحي الشرقي وقع في ساعات برنامجي فاستمريت في البث مدة 5 ساعات متواصلة".

عن الاحداث المفصلية المهمة خلال فترة تواجده وراء المايكروفون يقول بسيم:"تجربتي الفريدة كانت في محاورة الدكتورة حنان عشراوي. كنت معتادًا على محاورة الفنانين وليس السياسيين. لكن ما لا يُنسى فعلًا هو خبر استشهاد الشباب من الناصرة، وكذلك الشهيد أسيل عاصلة الذي كنت أعرفه كمستمع.. حتى عندما كانت تصلنا معلومات عن اصابات كان بينها اشخاص اعرفهم. لم تكن هذه اللحظات سهلة".

وحول المصطلحات والمحظورات خلال البث يقول بسيم:" بالطبع هناك امور لا يمكن ان تقال ع الهوا، لكن واجبنا الوطني كان يحتم علينا ان نبث ما يحدث في الحارات، لأننا كنا بصدق صوت الناس".

 


كاتبة المقال: سماح بصول وهي صحافية وناشطة اجتماعية.

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب