"يوم الأرض" آذار 1976

الرجوع

نبيه بشير

 كانت التلال والجبال والسهول والوديان المحيطة بالقرى سخنين وعرّابة ودير حنّا فيما مضى مرتعًا لطفولتنا. كانت جزءًا لا يتجزّأ من حيّزنا المكانيّ، وكأنّها كانت ملعبنا وحديقتنا الجماعيّة، حيث نلهو ونلعب ونقطف الورود والأزهار، نطارد الفراشات والحيوانات البرّيّة الصغيرة، ونبني ألعابنا بأيادينا من أغصان الأشجار وبعض المخلفات الحديدية والبلاستيكية. كانت في نظرنا جزءًا من بلداتنا وقرانا، فقد كانت بمثابة خلفيّة البيت وباحته وعتبته. كان حين يُسئل أحدنا عن مكان إقامة ومولده قال: "سخنين"، أو "عرّابة"، أو "دير حنّا"، ولكنّه بالطبع لم يعنِ "البيوت" فحسب، وإنّما عَنى البيوتَ بجبالها وتلالها وسهولها ووديانها. ولكن لاحقًا، بعد بضعة سنين، وبعد أن أحاطت المؤسّسة الإسرائيليّة وأذرعها غير الحكوميّة قرانا بالأحراج والمستوطنات اليهوديّة ومعسكرات الجيش والمنشآت الأمنيّة، وبعد أن زرعت الأسلاك الشائكة حولها وتركت مواد تفجيريّة هناك، بتنا نعيش فيما يشبه الجزر المحاطة بالأسلاك والمواد التفجيريّة. وبهذا فقد احتُلّت عتبة البيت وباحته واختفت حدائقه، وابتعدت هذه التلال والجبال والسهول والوديان وابتُلعت وأصبحت تشير إلى "خارج المكان"، إلى خارج حيّز تعريفنا بذاتنا كأفراد وكجماعة. فبعد أن كان "جبل أبو قراد" أو تلّ مرسان وكرم أم فلان وخلّة أبو علّان جزءًا من هويتنا وتعريفنا بذاتنا، "داخل المكان"، أصبحت حدود القرية، حدود الذات، هي حدود البيوت القائمة في أطراف القرية، وأصبح التعريف بذاتنا عبر الإشارة إلى هذه الحدود العدائية المقامة لتحديدنا وتقويض هويتنا وفضاءاتها. وإن سَلِمَ سهل أو بقعة أرض من خطر المستوطنات والمنشآت العسكريّة، تُركت فيه مواد تفجيريّة أودت بحياة العديد من الفتية وهدّدت أرواح الجميع؛ وبهذا تحوّلت أطراف كل بلدة وقرية إلى "أرض حرام".

هذا ما نصطلح عليه تعبير "تضييق الحيّز المكانيّ" في هُويّة الفرد والجماعة. فقد حاولت دولة إسرائيل إلغاء البعدين الزمانيّ والمكانيّ وانتزاعهما من الهُويّة الذاتيّة والجماعيّة للفلسطينيّين في إسرائيل عبر سلسلة من الإجراءات والنشاطات الاستيطانيّة والتربويّة بمختلف الأوجه. ونعني هنا من وراء هذين التعبيرين إلغاء البعد المكانيّ من الهُويّة الذاتيّة والجماعيّة الفلسطينيّة في إسرائيل وتفريغها من البعد التاريخيّ، بحيث تجري بلورة وعي ذاتيّ فرديّ وجماعيّ بين العرب في البلاد مفاده أنّهم وُجدوا على هذه الأرض دون المرور بالتاريخ الحديث لفلسطين، وأنّهم يعودون بوعيهم إلى جزيرة العرب. إنّ وعيهم التاريخيّ لا يمكنه التعرّف حتّى على فترة الانتداب وما بعد "سايكس بيكو"، وكأنّنا أمام حالة من وجود فراغ في الوعي لا يمكنه تفسير وجود العرب والفلسطينيّين في هذه البلاد. كانت دولة إسرائيل، بمؤسّساتها المختلفة والدوائر اليهوديّة غير الحكوميّة، وما تزال، تحاول تقويض هذين البعدين في الهُويّة العربيّة، وتعزيزهما في هُويّة اليهود، وذلك من خلال الاستعانة بمختلف الخطط والإجراءات والنشاطات الاستيطانيّة والتربويّة. وقد استعملت دولة إسرائيل مناهج التربية والتعليم لتنفيذ هذا التفريغ وهذا الشحن. إنّ نظرة سريعة على هذه المناهج، المخصّصة للطلبة العرب، تكشف لنا عن محاولة إسرائيل تجريدَ هُويّة الإنسان العربيّ فردًا وجماعةً من البعدين المكانيّ والزمانيّ، فيعود الفرد العربيّ بوعيه إلى جوّ صحراء جزيرة العرب في القدم، ولا يتعرّف على الزمان الحاضر والمكان المحلّي ومكانته فيهما.

بقي نحو 160 ألف مواطن فلسطينيّ في حدود الهدنة بعد قيام دولة إسرائيل، يقيم غالبيّتهم في منطقة الجليل، الأمر الذي استنهض دوائر حكوميّة وغير حكوميّة إلى رسم خطط مختلفة للتعامل مع هذا الواقع، وتنفيذها عبر الحكم العسكري المفروض عليهم (استمر حتى سنة 1966). ومنذ مطلع الخمسينيّات، وُضعت خطط لتقويض الكيان العربيّ في الجليل، إمّا عن طريق التهجير، أو الطرد، أو التضييق، أو خلق حالة من الهلع والذعر لدفعهم للهجرة.

بلغت مُلكيّة أراضي الحركة الصهيونيّة في فلسطين، حتّى قبيل حرب عام 1948، نحو 6% فقط من مساحة فلسطين الانتدابيّة. فقد وصلت هذه المُلكيّة في العام 1945 إلى 1,491,699 دونمًا شكّلت نسبة 5,67% من مساحة فلسطين، وخلال ثلاث سنوات بعد العام 1945 بلغت هذه المُلكيّة 6% من المساحة الإجماليّة لفلسطين. وإضافة إلى احتلال البلاد والعباد، صادرت واستولت دولة إسرائيل، في عقدها الأوّل، على جميع "أراضي القرى والمدن" العربيّة، التي كانت تسجّل في عهد الانتداب باسم المندوب السامي، لغياب سلطات محلّـيّة للقرى والمدن، ولغياب خرائط هيكليّة لها، إضافة إلى أراضي وأملاك المهجَّرين وَ "الغائبين الحاضرين"، وذلك من خلال سنّ قوانين لخدمة هذا الغرض بالتحديد. على الجملة، يقارب عدد الدونمات التي صادرتها واستولت عليها دولة إسرائيل، في عقدها الأوّل، مليون دونم أرض من أصحابها الفلسطينيّين، وهي أراضٍ بمُلكيّة خاصّة وأراضٍ بمُلكيّة جماعيّة عامّة ("أراضي القرية")، وذلك بحجج "أمنيّة" وأخرى تصبّ في خانة "المصلحة العامّة"، بيد أنّ غالبيّة هذه الأراضي تحوّلت، بعد فترة وجيزة، إلى مستوطنات يهوديّة أو لخدمة هذه المستوطنات (كشوارع -مثلاً- توصِل بين هذه المستوطنات). وعلى الجملة، أنشأت الدولة، حتّى نهاية الخمسينيّات، نحو 30 مدينة جديدة ومئات المستوطنات منتشرة في جميع أنحاء البلاد، الغالبيّة العظمى منها على أراضٍ مصادرة أو جرى الاستيلاء عليها. ويعتقد، حاليًّا، أنّ نسبة "أراضي الدولة" (وتضمّ كذلك الأراضي الخاضعة لملكيّة "الصندوق القوميّ") نحو 94% من مجمل أراضي البلاد العامّة والخاصّة.

تتجلّى أهمّـيّة يوم الأرض، سياسيًّا، في كونه انعكاسًا لإرادة جماعيّة الفلسطينيّين في البلاد، جاء ابتغاءَ التصدّي لمحاولة دولة إسرائيل سلخهم عن أرضهم، من خلال ابتلاع حيّزهم الجغرافيّ والقضاء على بُعدهم المكانيّ كمجموعة سكّانية وقوميّة وكأفراد. يأتي ذلك في ظلّ إبعادهم، أيضًا، عن حيّز المدينة الإسرائيليّة، من جهة، وإقصائهم من تعريف الدولة لذاتها، من جهة أخرى. إضافة إلى ذلك، أدرك السكّان العرب في البلاد أنّ خطوات دولة إسرائيل بمؤسّساتها المختلفة وأذرعها غير الرسميّة (الصندوق القوميّ والوكالة اليهوديّة)، التي ترمي إلى مصادرة أراضيهم وحيّزهم الجغرافيّ، تقوم على أسس قوميّة يهوديّة ("تهويد المكان")، وأنّ هذه المصادرات تستهدفهم كمجموعة قوميّة. وفي المقابل، ترفض دولة إسرائيل اندماجهم في المجتمع الإسرائيليّ، وتعمل على تهميشهم في قراهم ومدنهم وبلداتهم، وتضييق حيّزهم المكانيّ في أماكن وجودهم منذ الإعلان عن إقامة الدولة.

يشكّل يوم الأرض مفصلاً مركزيًّا ومحورًا أساسيًّا في تطوّر الوعي الجماعيّ لدى المجتمع الفلسطينيّ في الداخل (1948). فهو حدث تاريخيّ ما زال صداه يشكّل عاملاً مهمًّا في ذاكرة المجتمع العربيّ، وفي علاقته بالدولة الإسرائيليّة. وبقي يوم الأرض يومًا وطنيًّا يغذّي ويُحْيي الذاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة، على جميع مركّباتها، منضمًّا بذلك إلى أيّام ذكرى أخرى فيها من الشبه وفيها من الاختلاف مثل الثورة الكبرى (1936) ويوم النكبة والانتفاضتين (1987، 2000) وهبة أكتوبر (2000) والهبة الشعبية الأخيرة (أيار 2021). ولا تنبع أهمّيّة يوم الأرض من كونه يوم تحدّ للسلطة المغتصبة فحسب، وإنّما لكونه يتمحور حول المركّب الأكثر أهمّيّة في الوجود الفلسطينيّ، تاريخيًّا وإنسانيًّا وحضاريًّا، ألا وهو العلاقة العضويّة بين الشعب والأرض. فالأرض لا تعني الوجود الجسدي والمادّي فقط، ولا تقتصر على الجغرافيا والطوبوغرافيا. فأهمّيّة الأرض تتمحور في كونها حاملة للأبعاد الحضاريّة والثقافيّة والرمزيّة للتواجد الإنسانيّ، عبر جدليّة الجهد والابتداع البشريّ والرقيّ المعرفيّ. وهي لا تقاس بفلاحتها أو استغلالها حصرًا، وإنّما بتوفيرها للحيّز الآمن للحراك الاجتماعيّ والثقافيّ والحضاريّ كذلك.

لم يكن يوم الأرض حدثًا انفعاليًا وعشوائيًّا تشكّل بفعل انفجار عواطف أو إحساس بغضب مؤقّت، بل كان ثمرة تراكم لوعي سياسيّ وثقافيّ للمجتمع الفلسطينيّ في الداخل، وعكس بذلك التواصل المتجدّد لهذا المجتمع مع ماضيه وتاريخه وتجربته المأسويّة في النكبة. وكان هذا التراكم نتاجًا للممارسات والمثابرات والعمل الدؤوب الذي قامت به قوى اجتماعيّة مختلفة ومتنوّعة، وعلى رأسها بعض القيادات الوطنيّة الملتزمة برفع صوت الإنسان الفلسطينيّ، الذي حاولت السياسات الإسرائيليّة العنصريّة إخراسه، من خلال الاستعانة بسياسات الترهيب والقمع والإغراء والاستقطاب.

نجح السكّان العرب، وللمرّة الأولى منذ إقامة دولة إسرائيل، في التصدّي لمحاولة السلطات الإسرائيليّة، في نهاية العام 1975، مصادرة متجدّدة لأراضيهم. لقد تمّ ذلك بفضل جملة من الأسباب منها داخليّ ومنها خارجيّ، ويمكن أن نشير بشكل خاصّ إلى الدور الرئيس لتنظيم النشاط السياسيّ ولتوحيد الجهود. فلم تكن هذه المحاولةَ الأولى للتصدّي، ولكنّ ظروفًا موضوعيّة وذاتيّة ساهمت في إجهاض المحاولات الأخرى السابقة.

نتيجة لضغوط الوكالة اليهوديّة والصندوق القوميّ ودوائر استيطانيّة أخرى، اتّخذت حكومة إسرائيل، برئاسة إسحق رابين، في مطلع العام 1975، سلسلةً من المصادرات وإغلاق مناطق يرافقها الإعلان عنها مناطقَ عسكريّةً مغلقة، كخطوة أولى لمصادرتها ولإلحاقها بمستوطنات يهوديّة.

في أعقاب الإعلان عن خطّة "تهويد الجليل"، التي حملت في طيّاتها تخطيطًا لمصادرة عشرات آلاف دونمات الأرض بملكيّة سكّان عرب، بادر بعض الناشطين السياسيّين والمثقّفين العرب في البلاد إلى عقد اجتماع تشاوريّ في 21 أيار 1975 في حيفا. وخرجوا منه بدعوة عدد كبير من رؤساء السلطات المحلّـيّة العربيّة، والمثقّفين والمحامين والأطبّاء والناشطين السياسيّين والأدباء والصحفيّين، إلى لقاء عُقد في 29 تموز من العام ذاته، للتحضير لاجتماع موسّع لبلورة بغية بلورة ردّ فعل على هذه المخطّطات المزمع تنفيذها. وقد انضمّ الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ في نهاية حزيران إلى هذه المبادرة، لبلورة موقف عربيّ جماعيّ ووضع أسس عمليّة للاحتجاج.

خرج المجتمعون من اجتماع 29 تموز بقرار إنشاء "لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي"، دعت هي بدورها إلى عقد اجتماع تشاوريّ آخر في 15 آب من العام ذاته في فندق "غراندا نيو"، ترأّسه الناشط السياسيّ وعضو حركة "الأرض" سابقًا، أنيس كردوش، انبثق عنه تشكيل "اللجنة القطريّة للدفاع عن الأراضي". ضمّت اللجنة 121 عضوًا من كلّ التيّارات والأطر السياسيّة والفكريّة ومن كلّ المناطق (الجليل والمثلّث والنقب)، والعديد من رؤساء السلطات المحلّـيّة العربيّة، إضافة إلى سكرتاريا عامّة وثلاثة محامين. كما تقرّر في هذا الاجتماع إنشاء لجان محلّـيّة للدفاع عن الأراضي، في العديد من القرى العربيّة في الجليل والمثلّث والنقب، وعقد اجتماعات ومهرجانات ترمي إلى زيادة الوعي بين السكّان العرب حول التهديد القائم خلف سلسلة المصادرات، وتعديل قانون ضريبة الأملاك، وإنشاء مستوطنات بجوار القرى والمدن العربيّة. كذلك اتّخذ المجتمعون قرارًا بعقد مؤتمر شعبيّ في سينما ديانا في مدينة الناصرة في 18 تشرين الأوّل 1975، اعتُبر أكبر مؤتمر شعبيّ عقده السكّان العرب في إسرائيل، حيث شارك فيه عدد كبير من السكّان على مختلف تيّاراتهم السياسيّة والأيديولوجيّة: ممثّلون عن اللجنة القطريّة لرؤساء السلطات المحلّـيّة العربيّة؛ وممثّلون عن لجان الطلاّب الجامعيّين؛ وممثّلون عن بدو النقب؛ وشخصيّات يهوديّة. توصّل هذا المؤتمر إلى قرارات تعكس أسس ومبادئ وطموحات ومطالب بالغة الأهمّيّة للسكّان العرب في البلاد.

تزامنت النشاطات السياسيّة والجماهيريّة العربيّة في البلاد مع تصعيد في المواجهات في الضفّة الغربية وقطاع غزّة. فعلى الصعيدين الفلسطينيّ (في الأراضي المحتلّة) والعالميّ، تصاعدت حدّة المواجهات بين سكّان الضفة الغربيّة وقطاع غزّة، من ناحية، وقوّات الجيش والمستوطنين اليهود، من ناحية أخرى، منذ مطلع العام 1976. إثر ذلك، انعقد مجلس الأمن ليناقش هذا التصاعد، وجرى التصويت على قرار إدانة إسرائيل "للأعمال الوحشيّة التي تقوم بها في مواجهة السكّان الفلسطينيّين العزَّل" (الاتّحاد، 17 شباط 1976).
بادرت على الصعيد المحلّـيّ منظّمات وهيئات مختلفة في البلاد إلى عقد اجتماعات شعبيّة واسعة "تضامنًا مع نضال الطلاّب في المناطق المحتلّة وتأييدًا للهبّة الشعبيّة التي انفجرت في مختلف القرى والمدن الفلسطينيّة ضدّ سياسة الاحتلال الإسرائيليّ وخرق سلطات الاحتلال حقوقَ الإنسان، وتنديدًا بقرار النقض (الفيتو) الأمريكيّ ومؤامرة اصطناع الإدارة المدنيّة، وانتهاك حرمة المسجد الأقصى" (الاتّحاد، 24 شباط 1976).

دعت اللجنة القطريّة للدفاع عن الأراضي إلى عقد اجتماع آخر موّسع في الناصرة في 6 آذار 1976، للتشاور حول السبل التي ينبغي اتّخاذها حيال هذه الأوضاع، وعدم جدوى جميع الأساليب والطرق التي استُخدِمت، حتّى تلك اللحظة، للحدّ من بطش سياسة الحكومة. وقد صدّق هذا الاجتماع مجدّدًا على قرار الإضراب في يوم 30 آذار ودعا إلى التحضير لإنجاحه. وخرج هذا الاجتماع ببيان جاء فيه أن اللجنة تدعو الجماهير العربيّة ومؤسّساتها الشعبيّة وفئاتها المختلفة في البلاد "إلى إعلان الإضراب العامّ في 30 آذار 1976 وتحويل ذلك اليوم إلى ’يوم الأرض‘ في إسرائيل ترفع فيه الجماهير العربيّة صوتها مطالبة بوضع حدّ للسياسة الرسميّة التي أصبحت تهدّد مستقبل الجماهير العربيّة في هذه البلاد [...] وإلى تنظيم الوفود الشعبيّة الكبيرة للقيام بتظاهرة، أمام الكنيست في القدس، لتأكيد معارضتنا لسياسة التهويد والتشريد ولتأكيد مطالبتنا بإلغاء قوانين أنظمة مصادرة الأراضي ومشاريع الحكومة للاستيلاء على الأرض". وقد ترأّس هذا الاجتماع حنّا مويس، وافتتحه القسّ شحادة شحادة الذي قال إنّ الهدف منه "الإعراب عن معارضة الجماهير العربيّة في إسرائيل لمخطّطات مصادرة الأراضي العربيّة التي أقرّتها الحكومة بتاريخ 29 شباط 1976". وأضاف، "إعرابًا عن استنكارنا لهذه السياسة، ومن أجل وضع حدّ لسياسة اقتلاعنا من الأرض وتضييق الخناق علينا، نقترح إعلان ’يوم الأرض‘ يومَ إضراب عامّ يشترك فيه جميع العرب في إسرائيل وتنظيم مظاهرة جماهيريّة أمام الكنيست في القدس".

دخلت قوّات من حرس الحدود إلى العديد من القرى العربيّة منذ 25 من آذار، باستثناء الناصرة، التي دخلتها قوّات من الجيش وحرس الحدود منذ 21 آذار، كما أسلفنا. كما دخلت إلى عدد كبير من البيوت، وخلّفت وراءها آثار الدمار بعد اعتقالها لبعض السكّان واعتدائها على عدد كبير منهم في بيوتهم. وقامت الشرطة وقوّات من حرس الحدود بالتجوّل في شوارع قرية باقة الغربيّة بشكل تظاهريّ منذ 19 من آذار، واعتقلت يوم الإضراب عددًا من الشبان.

أجمعت جميع الهيئات العربيّة على أن يكون الإضراب سلميًّا، وقام ممثّلون عن السلطات المحلّـيّة المختلفة، ومن ضمنهم رؤساء مجالس سخنين وعرّابة ودير حنّا، بالمبادرة إلى عقد اجتماعات تشاوريّة مع قادة الشرطة في مناطقهم، وأوضحوا لهم أنّه بما أنّ الإضراب سيكون سلميًّا، فلا داعي لدخول قوّات من الشرطة إلى قراهم لاعتقال أشخاص تفاديًا للاستفزاز والتحرّش. وافقت الشرطة على هذا الطلب، إلاّ أن قوّاتها داهمت العديد من القرى والمدن العربيّة ليلة الإضراب لاعتقال ناشطين سياسيّين. وقامت الشرطة وقوّات من الجيش وحرس الحدود، عند فجر يوم الإضراب، بمداهمة قرى ومدن عربيّة (منها سخنين وعرّابة ودير حنّا والناصرة وطمرة والطيّبة وباقة الغربيّة والطيرة ونحف)، بواسطة سيّارات عسكريّة ومجنزرات ودبّابات، وداهمت قرى ومدنًا أخرى لاعتقال شخصيّات سياسيّة ناشطة (منها القرى المغار ودالية الكرمل وكفر قاسم وكفر قرع وقلنسوة وجلجولية، ومدينتا حيفا وعكّا).

كان الإضراب شاملاً في غالبية القرى والمدن العربيّة، من ضمنها قرًى وبلدات عارضَ رؤساءُ مجالسها وبلديّاتها الإضرابَ، وسعوا لإفشاله حتّى في يوم الإضراب. كانت أعنف المواجهات في القرى سخنين وعرّابة ودير حنّا، حيث بلغت حصيلة مواجهات "يوم الأرض" هناك أربعة شهداء (رجا أبو ريّا، وخضر خلايلة، وخديجة شواهنة -من سخنين، وخير ياسين من عرّابة)، إضافة إلى سقوط الشهيدين محسن طه (كفر كنّا) ورأفت زهيري (من مخيم نور شمس سقط في المواجهات في الطيبة)، ونحو 50 جريحًا، وَ 300 معتقل، وذلك إثر دخول آليّات عسكريّة ضخمة (دبّابات ومصفّحات وعربات ثقيلة أخرى) إلى هذه البلدات. وقد ادّعت السلطات الإسرائيليّة أنّ هذه الآليّات العسكريّة دخلت إلى هذه القرى "مصادفة" قبل الإضراب بيوم واحد (29 من آذار)، إذ كانت عائدة من تدريبات عسكريّة في منطقة البطوف. ولمّا واجهت متاريس وحواجز، تصدّت لها واشتبكت مع مواطنين عرب، حاولوا رشق قوّات الجيش بالحجارة والزجاجات الحارقة، ممّا أدّى إلى فرض منع التجوال في هذه القرى، وَ "بسبب عدم محافظتهم عليه"، فقد سقط ستّ شهداء والعشرات من الجرحى "غالبيّتهم"، على حدّ زعم هذه السلطات، "من قوّات الشرطة وحرس الحدود".

حملت أحداث يوم الأرض في العام 1976، في بعض جوانبها، نوعًا من العصيان المدنيّ ومواجهات عنيفة، وكأنّها مواجهة بين قوّتين عسكريّتين. فإضافة إلى المواجهات بين السكّان (ولا سيّما النساء) وقوّات الجيش، احتُجز أربعة شرطيّين وستّة جنود مسلّحين في أحد بيوت قرية سخنين، وحاول بعض سكّان سخنين الوصول إليهم، بينما حاصر آلاف السكّان البيت من الخارج، لولا تدخّل بعض الأشخاص وصاحب البيت، حيث فتحوا قنوات تفاوض مع قادة القوّة العسكريّة للخروج من القرية سالمين. كما احتُجزت مصفّحة عسكريّة وبداخلها عدد من الجنود في أحد أحياء قرية عرّابة، وفتحت قناة للتفاوض بين أبناء القرية وبين القائد العسكريّ للواء الشمال (رفائيل إيتان، رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ أثناء غزو لبنان، ورئيس حزب "تسوميت" اليميني المتطرّف لاحقًا)، وهدّد الأخير بالدخول إلى القرية وهدمها تمامًا، إن لم يُطلَق سراح الجنود وتُفتح الطريق أمام المصفّحة للخروج. كما هدّد إيتان بالأمر ذاته في حالة رهن الجنود في سخنين: "سوف أحتلّ البلد". كذلك حوصر عدد من الجنود في أحد أزقّة قرية دير حنّا.

 


كاتب المقال: نبيه بشير وهو باحث في مركز أبحاث المثلث وجمعية الزهراوي ومحاضر في جامعة بير زيت.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب