هبة أكتوبر ٢٠٠٠ (هبة القدس والاقصى) الذكرى ال٢١

الرجوع

بروفيسور محمود يزبك

مرّ المجتمع الفلسطيني في أراضي ال ٤٨ بمراحل مفصلية منذ عام النكبة. وشكّل يوم الأرض عام ١٩٧٦ احدى المحطات النوعية لاسترداد الوعي الوطني واسترداد الهوية الوطنية الفلسطينية المسلوبة ورفض محاولات الأسرلة التي مارستها السلطات الإسرائيلية منذ عام النكبة.

وتنامت الهوية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني ووصلت لأحدى ذرواتها عام ٢٠٠٠. وما بين ١٩٧٦ وعام ٢٠٠٠ تغيرّت البنية السياسية لدى الجماهير العربية وبشكل متسارع. ورفعت الجماهير والقيادات السياسية شعارات جديدة عبّرت عن الوعي السياسي٬ وسعت لتحقيقها وممارستها. ومن منطلق الهوية الفلسطينية التي استعادتها الجماهير بالكامل والثقة والاعتزاز بتلك الهوية٬ ظهرت على الساحة السياسية شعارات جديدة عبّرت عن الانتماء الوطني والقومي وأكدّت على الحق السياسي ضمن المواطنة في دولة إسرائيل. واهم هذه الشعارات واشملها برز شعار "مواطنة كاملة ومساواة كاملة". فاجأ هذا الشعار المؤسسة الإسرائيلية من ناحية واكّد الهوية الفلسطينية للجماهير التي لم تعد تخاف من تذويبها في البوتقة الإسرائيلية٬ حيث تأكّد وبالممارسة اليومية الانتماء لأقلية قومية فرضت إسرائيل نفسها عليها بالقوة عام ١٩٤٨.

ونتيجة لممارسة الشعار أعلاه تكثّف العمل السياسي والتنظيمي للأطر المجتمعية والسياسية للأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل. وشارك جيل الشباب٬ وخاصة طلاّب الجامعات وطلّاب المدارس الثانوية بنشاطات سياسية مكثّفة عبّرت وبوضوح عن تشكّل الوعي القومي والوطني من ناحية وعن حقوق المواطنة في الدولة.

شكّل هذا التغيير داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل بلبلة كبيرة لدى المؤسسة الإسرائيلية الصهيونية بكل مركبّاتها٬ الأمنية والسياسية والإدارية. وتبلورت لدى المؤسسة الإسرائيلية رؤيا جديدة تجاه المواطنين العرب في البلاد تلخّصت بأن الوعي القومي والوطني للمواطنين الفلسطينيين يشكّل تهديدا امنيا لدولة إسرائيل. وما زالت هذه قائمة حتى يومنا هذا.

ونتيجة لتطوّر الوعي القومي الفلسطيني لدى المواطنين العرب والتحامهم بقضايا شعبهم٬ شاركت الجماهير العربية بالداخل بانتظام بفعاليات سياسية ووطنية مع أبناء شعبهم في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧. وحين اقتحم اريئيل شارون٬ بمرافقة حرّاسه والجيش باحات المسجد الأقصى٬ تصدّت له جموع المقدسيين واندلعت على اثرها الانتفاضة الثانية بعد قتل وجرح العديد من الفلسطينيين الذين خرجوا ليعبّروا عن تنديدهم بما اقترفه شارون والمؤسسة الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى. وفي يوم ١\١٠\٢٠٠٠ خرجت الجماهير الفلسطينية داخل إسرائيل بمظاهرات اجتاحت كل التجمعات السكانية العربية من النقب حتى اقصى الشمال.

قامت قوّات المؤسسة الإسرائيلية٬ العسكرية وبدعم كامل من المؤسسة السياسية٬ بقمع المظاهرات بالداخل بإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين ومن رصاص القنّاصة الذين نشرتهم الشرطة في العديد من التجمعات السكانية العربية.

تفاجأ الجميع من ردّ الفعل الإسرائيلي تجاه الموطنين العرب٬ ولكن من أدرك مفاهيم المؤسسة الإسرائيلية تجاه الأقلية الفلسطينية في الداخل كونها "خطرا أمنيا" لم يتفاجأ من إجرامية الرد الإسرائيلي لقمع مظاهرات الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر. واستمرّت المظاهرات من يوم ١ كتوبر وحتى ٨ من نفس الشهر. وخلال هذه الأيام قتلت القوّات الإسرائيلية ١٣ شابا عربيا وجرحت المئات. كان هذا الرد الأعنف الذي قامت به إسرائيل تجاه متظاهرين فلسطينيين من مواطنيها منذ اقامتها عام النكبة. وفي المناطق المحتلة ١٩٦٧ اندلعت "الانتفاضة الثانية" والتي استمرت احداثها حتى عام شباط ٢٠٠٥.

كان اعتداء القوّات الإسرائيلية على المواطنين العرب بداية لاستراتيجية إسرائيلية جديدة تجاه المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. اتسمّت هذه الاستراتيجية بمحاولة لسلخ الفلسطينيين في الداخل عن محيطهم الوطني والقومي٬ وكذلك فكفكة التحامهم الوطني الداخلي من خلال ضرب تنظيماتهم السياسية الوطنية ومؤسساتهم الاجتماعية لدمجهم في الهوية الإسرائيلية كواحد من المركبّات الدنيا في التنظيم الإسرائيلي. ومن أبرز سمات المرحلة التي تلت أكتوبر ٢٠٠٠ وما زالت تتفاعل حتى أيامنا٬ وتدل على نجاح ما للمؤسسة الإسرائيلية٬ تفكيك البنية الوطنية للداخل الفلسطيني عن طريق تضييق هوامش عملها وحتّى خطابها٬ وتفكيك البنية المجتمعية والقيمية للمجتمع الفلسطيني في الداخل وعدم التدخل لتوفير الامن والأمان لأفراده. ونتيجة لهذا٬ تطورت وبشكل تدريجي آفة العنف المجتمعي٬ والتي اخذت منحى اجراميا دون ان تحرّك الدولة ساكنا٬ بل وكما رشح عن أجهزة الشاباك الإسرائيلي٬ بتشجيع وحماية منها.

واليوم وبعد مرور ٢١ عاما على هبّة الجماهير الفلسطينية في الداخل في أكتوبر ٢٠٠٠ ونجاح المؤسسة الإسرائيلية بتفكيك المجتمع الفلسطيني في الداخل وانتشار آفة الجريمة في صفوفه٬ ضعفت المشاركة السياسية الوطنية وانقلب شعار "مواطنة كاملة ومساواة كاملة" للأقلية القومية الى محاولات البعض الفلسطيني في الداخل للاندماج "بالصف الإسرائيلي" وشقّ الصف الوطني والقومي.

 

الرحمة والخلود لشهداء الوطن٬ وفي ذكرى هبة أكتوبر ٢٠٠٠ (هبة القدس والأقصى) نتذكر الشهداء:

١/١٠/٢٠٠٠ رامي غرّة (جث)٬ احمد جبّارين (ام الفحم)٬ محمد جبّارين - أبو صيام (معاوية).
٢/١٠/٢٠٠٠ مصلح أبو جراد (دير البلح – ام الفحم)٬ اسيل عاصلة (عرابة)٬ علاء نصّار (عرابة)٬ وليد أبو صالح (سخنين)٬ عماد غنايم (سخنين)٬ اياد لوابنة (الناصرة).
٣/١٠/٢٠٠٠ محمد خمايسي (كفركنا)٬ رامز بشناق (كفر مندا).
٨\١٠\٢٠٠٠ عمر عكّاوي (الناصرة)٬ وسام يزبك (الناصرة)

 


كاتب المقال: بروفيسور محمود يزبك وهو محاضر في قسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة حيفا وعم الشهيد وسام يزبك.

تصوير: صحيفة "حديث الناس". 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب