الشّباب العرب بين الهُوية والاندماج في المدن المختلطة - عكا كمثال على خلفيّة أحداث أيار 21

الرجوع

سامي عمر هواري (البيطار)

عكا هي إحدى المدن المختلطة الخمس، أصلها فلسطيني، في أعقاب النّكبة تم تهجير أهلها واستجلاب قادمين جدّد ليسكنوها، وأستطيع القول أنّ هذه لم تكن المرة الأولى التي يسكن فيها العرب واليهود ذات المدينة، فقبل عام 1948 كان عشرات من اليهود يسكنون في عكا وحيفا ويافا وغيرها.

لهذه المدن خاصيّة فريدة ومشتركة، وللبعض منها أهميّة خاصة كون العرب فيها تزيد نسبتهم عن 30% من السّكان (مثل عكا واللّد)، إذ يعتبرون من جهة متطرفي اليهود على الغالب، "خطرًا ديموغرافيًا" و"سرطانًا" يهدّد ما يُسمى بالهُوية اليهوديّة. ليس للمدينة فقط وإنما لإسرائيل عمومًا، وهذا مما نراه من المبالغات المتطرفة.

ومما يُميز هذه المدن، المختلطة أو "المستهدفة" كما يدعي البعض: تدهور منظومة التّعليم العربي، واستفحال أزمة السّكن بين العرب، وانتشار المخدرات والبطالة في صفوفهم، ووجود أحياء عربيّة "غير معترف بها" لا يحظى سكانها بالخدمات البلديّة، إضافة لمحاولات مستمرة لتهجيرهم منها واستمرار المحاولات الحثيثة لطمس هُويّة المدينة العربيّة، من خلال تغيير أسماء الشّوارع والأحياء وإطلاق أسماء غير عربيّة لا تمت للعرب بصلة، وغير ذلك الكثير.

ولكن أبرز ما فيها عمل المؤسسة البلديّة والقائمين عليها ضد شرائح واسعة من العرب، إن لم يكن كلهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، أذكر منها الامتناع عن بناء المدارس أو توسعيها، والتّمييز ضد طلاب المدارس العرب في توفير وجبة ساخنة أثناء تنفيذ "يوم التّعليم الطّويل"، وقصرها على الطّلاب اليهود، والمبادرة إلى احتضان جهات استيطانيّة ويهوديّة متدينة معادية للعرب لا تتورع عن إطلاق التّصريحات المضادة لهم، إضافة إلى قيام مؤسسات إسرائيليّة بتخصيص الأراضي لها من أجل إنشاء أحياء خاصة بها، يمنع العرب من السّكن فيها.

أما مبادرة بلديّة عكا تحديدًا، لإغلاق المدينة بوجه الحافلات التي تنقل الفلسطينيين القادمين من الضّفة الغربية ومنعها من الدّخول إضافة إلى منعهم من دخول شاطئ البحر بحجّج واهية، وبطريقة غير قانونية، مما قد يدل على توجهات ذات طابع عنصري، فقد أدت إلى الأضرار اقتصاديًا بمصالح المواطنين العرب السّياحيّة، وهناك الكثير من الأمثلة.

لم تأت هذه المقدمة بجديد، ولكنها عملًا بالآية الكريمة: "ذكّر إن نفعت الذّكرى"، وخاصة على خلفيّة انهيار القيادات بكلّ المحالات، وانحسار دور المؤسسات والجمعيات العربيّة، وخاصة في المدن المختلطة، وهزالة انجازاتها في السّنوات الأخيرة، على خلفية استشراس الهجمات من قبل المنظمات اليهوديّة، خصوصًا المتدينة منها التي تعمل بشكل منظم وطويل المدى.

 

هبّة الكرامة؟

أقول لكم الحق، فإني لا أعرف مدينة غير مختلطة، فالمدينة من حيث تعريفها تحمل في طياتها شرائح ومجموعات متعددة من المواطنين، مختلفي المشارب والدّيانات والطّوائف والأعراق، إضافة إلى انعدام ظاهرة العائلات الكبيرة فيها (والأمثلة كثيرة: نيويورك، الإسكندريّة، بيروت، رام الله ...) زد على ذلك تتميز عكا بانتشار التّسامح بين مواطنيها واستقبالهم الغريب فيها بدون أي صعوبات أو تعقيدات تذكر.


وقبل الخوض في الموضوع، أود التأكيد هنا على أن التظاهر والاحتجاج، حق من الحقوق السياسية والمدنية الأساسية، والتي تستعملها شرائح مختلفة في المجتمع الإسرائيلي، مثل "الحريديم" والاثيوبيين وغيرهم، والتي تتفاوت طريقة تعامل الشرطة الإسرائيلية معهم، في عنفها، وتصديها للتظاهرات ووسائل تفريقها، بل وفي طرق التحقيق مع المعتقلين والتهم المنسوبة إليهم.

لن تكون هذه أوّل ولا آخر هبّة يشارك فيها الشّباب العرب، فالأسباب مختلفة ومتنوعة ومتوفرة، وأعتقد أن هذِه بشرة خير، تدل على استمراريتنا من خلال شباب ملتزم بقضايا شعبه وتفند مقولة إن شبابنا قد اندثرت منه الرّوح الوطنيّة وانسلخ عن تاريخه وثوابت مجتمعه.
البعض يقول إن هذه الهبّة قد تم اختراقها، إما من قبل عصابات وأعضاء نفذوا فيها أجندات أبعد ما تكون عن الرّوح الوطنيّة والقوميّة، والاحتجاج عما يتعرض له الأقصى وحي الشّيخ جراح من انتهاكات، لا بل وأساءت تصرفاتهم أثناء هذه الهبّة لنضال الأقصى والشّيخ جراح، من خلال تصرفات نجم عنها إحراق العديد من المحال والعقارات مالكوها من اليهود، تم إحراقها بعد سرقة ما فيها، ويقول من يقول إن هذه العمليّة هي عملية إجرامية تهدف إلى إخضاع أصحاب المصالح و"اقناعهم" بدفع الخاوة لهذه المجموعة أو تلك.

ويقول آخرون: "إن هذه الهبّة قد تم اختراقها من قبل جهات أمنيّة إسرائيليّة هدفت إلى إجهاض هذه الحركة والسّيطرة عليها، إضافة إلى صبغ العرب إعلاميًا بمظهر المجرمين والعنصريين الذين لا يعرفون أسس ومبادئ التّظاهر الحضاري، وبالتالي معالجة تظاهراتهم يجب أن تكون بالحديد والنّار، وعلى العالم ألا يتعاطف معهم".

ويأتي الأكاديميون الباحثون ليدلوا بدلوهم في تحليل هذه الهبّة ويقولون: "إن من شارك فيها هم شباب تتراوح أعمارهم بين 19- 28 سنة، عاطلون عن العمل وعن الدّراسة، يصورونهم يائسون، يسهل انقيادهم لكل من يأتي عارضًا عليهم المشاركة في أعمال عنف أو في أعمال جنائيّة تهدف إلى توفير الرّبح السّهل والسّريع.

 

الهُوية بين الاندماج والانعزال

أعود بذاكرتي إلى وصفٍ زودني به أحد الأصدقاء عن حال العرب في هذه البلاد: فهم كمن يركضون نحو اليهود فاتحين ذراعيهم قائلين لهم: "أحضنونا، فيأتي الرّد (صادمًا؟): اذهبوا من هنا، لا نريد رؤيتكم بيننا والأدلة على ذلك كثيرة، منها معارضة اليهود لسكن العرب بينهم أو في أحيائهم، ومعارضتهم للتعليم في مدارس مشتركة، أليس غريبًا أن مدينة مثل عكا تفتخر وتتاجر بما يسمى "التّعايش" وتبني لنفسها ماركة "مدينة التّعايش المشترك"، لا يوجد فيها إطار تعليمي واحد يجمع بين العرب واليهود؟

عطفًا على ما ذُكر في المقدمة، وعلى انعدام الرّغبة لدى اليهود في الاندماج والمشاركة، يأتي تناول السّؤال حول هويُة الشّباب العرب: هل هم ذاهبون إلى الاندماج؟ وأعتقد أن الجواب سيكون: بالطبع لا، فالمؤسّسة لا تريد عربًا مندمجين، بل تريدهم مدجنين تسهل قيادتهم وتوجيههم، وهذا ما لا يقبله العرب والدّليل على ذلك الهبّة الأخيرة.

إن الرّغبة بالاندماج وبالشّعور بالمساواة لا تدل بتاتًا على ضعف الشّخصيّة العربيّة، بل على العكس تمامًا، تدل على الانفتاح وتقبل الأخر والتّسامح، أما هُويتنا وهُوية شبابنا فهي بأمان، لقد صقلتها التّجارب والنّضالات على مدار السّنوات الطّويلة، ولا خوف من تأثرها، ولا يبقى لنا إلّا أن نتعلم من تجاربنا المقبلة لتحسين أدائنا كمجتمع بوجه القادم.

 


كاتب المقال: سامي عمر هواري (البيطار)، صحفي وناشط اجتماعي عكي.

تصوير: أورن زيف وموقع "سيحا مكوميت".

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب