انتهاك حقوق الأساس للأجير العربي إبان الأزمات السّياسيّة

الرجوع

المحامي وسام ياسين

ينبهر طلاب الحقوق في الكليات الإسرائيلية بالقيم العليا والمثل السامية لدى سماعهم أولى المحاضرات في القانون الدستوري او فقه القانون من قبل محاضرين مخضرمين من الصف الأول أمثال "روت جابيزون"، "امنون روبينشطاين"، "اهارون باراك" وغيرهن ويكاد الطالب لا يصدق سماع اذنيه عندما يشرع هؤلاء بتجليل قضايا وسوابق مثل صوت الشعب فيخال أن إسرائيل جنة الديمقراطية على الأرض ومرتع المساواة والدستور غير المكتوب الذي تخضع له دولة بأكملها بما يشمل السلطة التنفيذية، السلطة القضائية وحتى السلطة التشريعية.

شتان ما بين النظرية والتطبيق فما أن يباشر أحدهم عمله القضائي في السلك الحقوقي حتى تتلاشى تلك القيم وتتجلى امامه صورة قاتمة لواقع مرير تعلو به قيمة الدولة وامنها وتسود حد الغلبة على كل ما هو انساني وتتراجع امامها ابسط حقوقه الإنسانية.

في هذه السطور القليلة سأحاول تسليط الضوء على معاناة الموظفين العرب ابان ابسط الامتحانات التي تقف عندها كل النظريات والفقه القانوني وتتلاشى لدى اول تعبير عن الرأي والشكوى من الظلم الذي يحيق بأقلية قومية بحيث تصبح كل تلك العبارات العالية مجرد مزحة سمجة او تزيين لواقع القهر وكم الافواه. الموضوع واسع جدا ولذلك سأخصص ما يلي من سطور لمسألة حق العامل والموظف بالتعبير عن رأيه والتظاهر لنيل حقوقه في الأزمات السياسية.

من وحي أحداث أيار الأخيرة او ما عرف باسم "هبة الكرامة" سأدفع بمثالين من عشرات الأمثلة التي عالجتها سواء من خلال الدعاوى لدى المحاكم او الاستشارة او الظهور أمام مؤسسات الدولة.

موظفة عربية كبيرة في احدى الوزارات وتشغل منصبا هاما تتعرض شخصيا لتعدي الشرطة على أبناء عائلتها، تتفاعل مع الأحداث وتعبر عن اراءها الشخصية ومعتقداتها وكيفية رؤيتها للأحداث وتكتب عن معاناة أبناء شعبها متأثرة بمعاناتها الشخصية والاجحاف الذي لحق بأبناء عائلتها، كل منشوراتها هي تعبير صادق عن رؤيتها واراءها المشروعة بدون المساس بالدولة أو أمنها.

الوزارة ترى انه مجرد التعبير عن رأي يتناقض والأجماع السياسي اليهودي هو تخط للخطوط الحمراء ويشكل ذريعة كافية لاتخاذ إجراءات تأديبية تشمل أيضا إمكانية فصلها عن عملها.

الطعونات القانونية تعري موقف الوزارة وتثبت انه يتعارض والقيم الأساسية بما فيها حرية التعبير عن الرأي وحق التظاهر الذي يكفله النظام الذي يُدًّعى انه ديمقراطي. الأنكى، الطعونات تثبت بأن الوزارة قامت بحملة قمع وتأديب عنصرية فقط تجاه الموظفين العرب والذين دعوا بالعشرات لجلسات اجتماع بينما وفي المقابل، تفشل الوزارة ان تأتي ولو بمثال واحد عن موظف يهودي تم استدعاؤه لجلسة استماع لمجرد تعبيره عن رأيه من على منصات التواصل الاجتماعي!

في نهاية الأمر الوزارة تدرك بأنها ترتكب خطأ، ولكن ذلك لا يثنيها ولا يمنعها من اصدار كتاب توبيخ لهذه الموظفة لمجرد انها عبرت عن رأيها من على منصات التواصل الاجتماعي وحتى لو لم يكن الأمر في نطاق مهام وظيفتها وحتى لو عبّرت عن رأي وموقف سياسي كفرد ينتمي لأقلية مضطهدة!

يشار الى انه، ومن الناحية القانونية، أي توبيخ وأي قرار يمس بموظف لمجرد تعبيره عن رأيه السياسي هو قرار فاقد للصبغة القانونية وقابل لدحضه وابطاله لدى التوجه للفضاء.

التعامل مع موظّف بشكل تعسفي والتمييز بحقه على خلفية اراءه ومواقفه السياسية هو ليس غير قانوني فقط، بل هو غير دستوري وباطل جملة وتفصيلا. هذا الأمر يشمل شتى القرارات المسيئة للموظف مثل: فصله عن عمله، ابعاده المؤقت كوسيلة تأديبية، خصم الراتب وحتى توبيخه.

قرارات عديدة صدرت عن محكمة العمل القطرية استنادا الى السوابق الملزمة الصادرة عن محكمة العدل العليا، نسوق منها على سبيل المثال قرارا يثبت سريان مبدأ المساواة كقاعدة عليا على علاقات العمل، كانت المحكمة قد أقرته في "قضية رقم ٣٦٣\٠٧ ارفيف ضد بويمكس"، قالت فيه: "مبدأ المساواة هو من القيم الأساسية في نظام القضاء الإسرائيلي، قيل عنه أنه من ركائز الحكم، يعلو ولا يُعلى عليه، وهم روح النظام الدستوري وعندما يدور الحديث عن أماكن العمل – "المساواة في مكان العمل والتعامل على قدم المساواة مع كل موظف هي جزء لا يتجزأ من علاقات العمل في العهد المعاصر... منع التمييز وهو الوجه الآخر للمساواة – أقر منذ غابر الازمان كجزء من الحقوق الأساسية "الغير مكتوبة" وهي مفروضة مباشرة من تعريف الدولة وصبغتها كدولة ديمقراطية تعتمد الحريّة".

استنادا الى هذه القيم الدستورية العليا، سنت الكنيست المادة ٢ لقانون تكافؤ (مساواة) فرص العمل والتي تنص على ما يلي:

2(أ) يمنع كل مشغل من التمييز بين عماله أو من يتقدّمون للعمل لديه، بسبب جنسهم، توجهاتهم الجنسيّة، حالتهم الاجتماعية، حمل، علاج الحمل، علاج حمل خارجي، كونهم اهل، جيلهم، انتمائهم العرقي، دينهم، قوميّتهم، الدول التي أتوا منها، معتقداتهم، حزبهم، في كل ما يلي:
1. القبول للعمل،
2. شروط العمل،
3. الترقية أو العلاوات في العمل،
4. التأهيل أو الاستكمال المهني،
5. فصل أو اتعاب الفصل.

باختصار، الدستور الغير مكتوب والملزم، كما مواد القانون تمنع محاسبة العامل على مواقفه السياسية أو تعبيره عن رايه ومعتقداته، أو التمسك بأيديولوجيته أو أي أفعال او اقوال تصدر عنه لجهة تحصيل حقوقه المشروعة.

كما أسلفت، النظرية والقانون يكونان بمعزل عن التطبيق لدى الأزمات فنرى كيف تثور ثائرة المشغّل عندما يقرأ آراء موظف عربي يتفاعل ويتماهى مع قضاياه، فيقوم بالتوبيخ والفصل، متناسيا النصوص القانونية والقيم الدستورية العليا.

هذا التوجه الكيدي والتعسفي تجاه العامل العربي اخذ منحى خطيرا في الاحداث الأخيرة وبالأخص عندما أعلنت لجنة المتابعة الأضراب الشامل احتجاجا على الأحداث والتمادي بحق القدس والتعدي على الأقصى وغيرها.

بحجة التغيب غير القانوني دعا مشغلون كثيرون الى فصل او استبعاد موظفين جل ذنبهم انهم استعملوا ابسط حق في الاضراب او حتى التظاهر ضد السياسات التعسفية والظالمة بحق الأقلية العربية.

الامر تجاوز ذلك وطال حتى عمال تغيبوا ليوم واحد او اثنين اثر الفوضى العارمة واعمال الشغب التي طالت المدن المختلطة وحالت دون وصولهن لاماكن عملهم خوفا على حياتهم وسلامتهم.

التوجه لقضاء كان مجديا وحاز على دعم المحكمة التي استهجنت قيام المشغل بطرد هؤلاء فقط لمجرد تغيبهم ليوم أو اثنين بسبب الاضراب.

لن أطيل، ولكن السابقة القضائية الوحيدة التي حددت معالم الأضراب السياسي البحت، أي الاضراب غير الاقتصادي، الذي لم تعلنه نقابة عمال بموجب القانون، لم تقم بشرعنة مبدأ جواز الفصل لمجرد تغيب العامل لأيام محدودة بداعي الاضراب السياسي.

ما تُعرف ب"سابقة خطيب"، جاءت على اثر تغيب معلمي هضبة الجولان لمدة خمسة اشهر عن عملهم اثر تشريع قانون ضم الجولان ورفضهم التام أن يكونوا موظفي وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية.

بكلمات أخرى، هناك نظم وقوانين وسوابق قضائية من شأنها حفظ حقوق الموظف العربي لدى انتهاكها من قبل مشغلين لأسباب سياسية أو على خلفيّة تعبيره عن رأيه ومواقفه السياسية، نشهدها غالبا في احداث مشابهة ل"هبة أكتوبر 2000" أو "هبة الكرامة". الحديث لا يقتصر على مشغلين من القطاع الخاص فقد رأينا أن القطاع العام ومؤسسات الدولة كانت سباقة لاتخاذ إجراءات تعسفيّة وغير قانونية.

الاخذ بالمشورة القانونية واللجوء الى القضاء يؤتيان أُكلهما وعلى كل من يتعرض لقرارات تسيئ اليه وتمس به ألا يتوانى عن اللجوء للوسائل القضائية المتاحة للدفاع عن حقوقه.

 

 


كاتب المقال: وسام ياسين وهو محام مختص في شؤون العمال والقانون الإداري.

تصوير: مركز "مساواة".

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب