هبّة الكرامة 2021: الشباب العرب ما بين الفردانيّة والحسّ الجماعي!

الرجوع

زهرة سعيد

كان لشهر أيّار/ مايو الأخير، وقعًا خاصًّا في وجدان جميع الفلسطينيين في شتّى أماكن تواجدهم. حيث انطلقت «هبّة الكرامة»، وهي فعلًا هبّة الكرامة، كرامة البلاد، والفرد والجماعة والدفاع عن الحقّ في المكان وهويّته الفلسطينيّة، هبّةٌ فيها توحّدت الجغرافيا الفلسطينيّة واستنفرت الحسّ الوطني لدى الكلّ الفلسطيني سواء كان في الضفّة الغربيّة، أو قطاع غزة، أو الداخل الفلسطيني الذي يرفض تحييده بعد 73 عامًا من محاولات الأسرلة.

انطلقت أحداث الهبّة من باب العامود، من قلب القدس، ولذلك يطلق عليها كثيرون أيضًا اسم «هبّة القدس 2021» حيث حاولت سلطات الاحتلال فرض واقعًا جديدًا من خلال تقنين الحضور الفلسطيني في المدينة، حين نصبت السواتر الحديديّة لتغيير ملامح المكان ومنع الشباب المقدسي من التجمّع فيه، انتقالًا إلى حيّ الشيخ جرّاح ومحاولات اقتلاع سكّانه وإحلال المستوطنين مكانهم، فالمواجهات العنيفة في المسجد الأقصى ومحاولات الشرطة في منع حافلات فلسطينيو ال-48 من الوصول لأداء الصلاة والاعتداء على المصلّين العُزّل، وصولًا إلى العدوان الأخير على غزّة ومعركة "سيف القدس"، ثمّ هجمات المستوطنين من اليمين المتطرّف، تحت حماية الشرطة، على الأحياء العربيّة في المدن الساحليّة في أراضي 48: حيفا، عكّا، يافا واللّد والرملة ممّا أدّى الى امتداد الهبّة لسائر القرى والمدن، تليها حملة اعتقالات واسعة طالت نحو 2،000 من الشبّان والشابّات الفلسطينيّات داخل أراضي 48 وما زال العشرات منهم قيد الاعتقال حتّى اللحظة.

ولعلّ أبرز ما يميّز هذه الهبّة هو الدور الريادي الذي لعبه الشباب (ذكورًا وإناث) والحراكات الشبابيّة في قيادة الاحتجاجات والنشاطات الرَفضويّة المختلفة وإعادة نبض الشارع، فهي لم تقتصر على الناشطين السياسيين أبناء الأحزاب التي بالكاد كانت موجودة أصلا، بل وضعت على نحوٍ كبير ومفاجئ قدرة جيل جديد فتيّ، وجريء لا تقيّده الانتماءات الحزبيّة أو الفصائليّة، استطاع كسر حاجز الخوف وهيبة القوات الاسرائيليّة وجرّد منها هالة "الوحش الذي لا يُقهر"، الصورة التي خلقها الاحتلال لنفسه، وغيّر المعادلة وأجبر الجميع على إعادة النظر بقدراته النضالية وبرّئ نفسه من تهمة عدم الاكتراث للشأن السياسي والوطني.

 

يا نبض الشارع لا تهدأ

كانت المظاهرات أحد أبرز النشاطات خلال هبّة الكرامة. ارتدى الشبّان والشابّات من كافّة الأطياف السياسية واللّا-سياسية والاجتماعية الكوفيّة الفلسطينية وخرجوا إلى الشوارع في مختلف المدن والقرى الفلسطينيّة، دون أن ينتظروا أي توجيهات من قيادات عبقريّة وأحزاب شاخت أو ضلّت الطريق، شباب لن يكلّ أو يذلّ، حاملين شعارات ومردّدين هتافات تندّد بالعدوان على غزّة والاعتداء على المسجد الأقصى وعلى هويّتهم الفلسطينية التي لطالما عملت إسرائيل على تشويهها وتجريدهم منها حاملين رسالة هامّة: شبّان فلسطين وصباياها ما زالوا في خطّ المواجهة الأوّل، متمسّكين بالهوية حتّى النخاع والدفاع عنها واجب كما أنّهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الاستفزازات والممارسات القمعية بحقّهم، وفي هذا رسالة أيضًا لمن أساء الظنّ أو التقدير، كما أن أبناء وبنات فلسطين يعرفون الرواية جيّدًا، والهدف والطريق نحو التحّرر ويرفضون نظام التفوّق العرقي والهيمنة العرقيّة.

وحدهم الشباب نظمّوا الاحتجاجات على مفارق البلدات، أبدعوا في تصميم اللافتات وكتابة الشعارات، حشدوا، ردّدوا الهتافات، وتحدّوا وتصدّوا لاعتداءات الشرطة بأجسادهم دفاعًا عن كرامتهم.

وتزامنًا مع نضال الشباب، خرجت المسيرات الجماهيريّة الداعمة في بلدات الضفة الغربية، وفي أميركا، وأوروبا، والدول العربيّة مؤكّدين أنه آنَ الأوان لإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية والقومية في أرض فلسطين دون تقديم مزيد من التنازلات.

كان لهذه الاحتجاجات دورًا كبيرًا في وقف العدوان على غزّة، فكثرة المظاهرات وسرعة ووتيرة تفاعل الأحداث وعدد المشاركين فيها في مختلف المواقع أربك قوات الأمن الإسرائيلية واستنزفها وأفقدها صوابها وجعلها تتخبّط في ردّات فعلها. ويظهر ذلك جليّا بعد أن صرّح المفتّش العام للشرطة الإسرائيليّة، كوبي شبتاي، بأن "سعة الأحداث في المدن المختلطة قد فاجأت الشرطة".
على إثر الاحتجاجات، شنّت قوات الأمن الإسرائيليّة حملة اعتقالات واسعة طالت نحو 2،000 شابّا وشابّة. وفي هذا الصدد أيضًا لم يقف الشبّان مكتوفي الأيدي ودافع الحقوقيّين والحقوقيّات ببسالة عن المعتقلين ولاحقًا تمّ إنشاء "صندوق الكرامة والأمل" بمبادرة من "بلدنا – جمعية الشباب العرب" لمساندة أهالي المعتقلين.

 

نضال #الأوسمة

خلافًا للهبّات السابقة، كان للنشاط الرقمي تأثيرًا كبيرًا على مجريات الأحداث. فإتقان هذا الجيل لاستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وتفعيل ميزة الوسم (مثل: #انقذروا_الشيخ_جرّاح #الأقصى) واستعمال ميزة البث المباشر من خلال حسابات بعض المشاهير الذين لديهم ملايين المتابعين، ساعد في حشد الرأي العام المحلي والعربي والعالمي.

تعامل الناشطون والناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي مع مجريات الأحداث كما يجب، وثّقوا اعتداءات المستوطنين والقوات حرس الحدود والشرطة بالصورة والفيديو، وترجموا المحتوى المرفق للمواد البصريّة إلى لغات عديدة كان لها صدى واسع في كل دول العالم وصياغة الرأي العام من جديد، والفضلُ في إعادة القضية الفلسطينية إلى الصدارة.

بالإضافة إلى ذلك، حرص الناشطون والناشطات على كتابة المحتوى والمنشورات المعرفيّة بطريقة عصرية وإبداعية تتلاءم مع منصّة التواصل، وكذلك برز بشكل لافت التصميم الجرافيكي الرقمي الذي اهتمّ الناشطون أيضًا بجوانبه الجماليّة اهتمامًا لا يقلّ عن المحتوى الكتابي.

ولعلّ أكثر ما يميّز الخطاب الإعلامي للشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو كونه إعلامًا شعبيّا حرّا، غير مجنّد، وفي الوقت ذاته لا يتّسم بالضعف أو الاستكانة، بل بالقوّة والثبات والصمود والجرأة، بالإضافة إلى أنه استطاع تقديم الحقيقة كما هي بدون فذلكات وإضافات وسلاسة لغوية بعيدا عن المفردات السياسية الصعبة.

لصالح القضايا المصيريّة والحاسمة، أتقن الشباب الفلسطينيون استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا على الرغم من تحيّز بعض الشبكات من إظهار وترويج محتوى داعم للقضيّة الفلسطينية، وابتكر طرق نضال رقمية أخرى كنشر بعض الصور التي لا علاقة لها بالقضيّة لتمويه الخوارزميّات أو مثلا نشر النصوص بدون نقاط من أجل التغلب على حظر المنشورات، وأصبح العالم بفضلها أصغر بكير مما كان بحيث يصعب على دولة الاحتلال إخفاء ممارساتها القمعية بحق الفلسطينيين.

كان لتوظيف وسائل التواصل الاجتماعية في خدمة القضيّة الفلسطينيّة مؤخّرًا تأثيرًا كبيرًا، وفي هذا الصدد أيضًا أوعز المفتّش العام للشرطة الإسرائيليّة، كوبي شبتاي، بأن لوسائل التواصل الاجتماعي وقدرة التحكم الشعبي وبالذات الشبابي فيها مثل "فيسبوك" و"واتس أب" و"تيك توك" تأثيرًا كبيرًا على توسّع الاحتجاجات.

 

استعادة للحيّز العام وفنون للجميع

هبّة الكرامة لم تخلق فقط صحوة ووعي سياسي، بل صحوة ونشاطات فنّيّة شعبيّة وبازارات داخل قرانا ومدننا كان أبرزها يوم الإضراب العام في 18 أيّار/ مايو.

ولا أجمل من تلك المشاهد! زيّن الشباب حاراتهم بالبالونات واللافتات ورسم الجداريّات والعروض المسرحية والدبكة والحكواتي ومعارض التراث والموسيقى الملتزمة والعصرية كذلك كموسيقى الراب وجهّزوا الفعاليات والنشاطات المعرفية استعدادًا للإضراب العام.

هذه المرّة، لم يقتصر استهلاك الأنشطة الثقافية على ذوّاقي الفن أو المهتمين به فقط، بل كان مُتاحًا للجميع. فبعد انفلات المستوطنين تحت حماية الشرطة وإغلاق مداخل بلداتنا والاستنفار الأمني، أصبحت شوارعنا وحاراتنا هي المسرح، وخرج الفنّ لجميع شرائح المجتمع وأصبح بمتناول يد الجميع ممّا دفع الكثير من التفاعل والتعاطي معه لأوّل مرّة والشعور باستعادة الحيّز العام الذي لطالما حُرمنا منه.

ومن اللّافت أيضًا أن بعض الفنون التي ما زالت لا تلقى استحسانا كبيرا، كأغاني الراب مثلا، لدى شريحة كبيرة من الفلسطينيين، تغيّرت مكانتها بفعل كلماتها البسيطة واللاذعة التي ربحت ثقة الشارع الفلسطيني ولاقت رواجًا عالميًا أيضًا، كأغنيّة "إن أنّ" لمغني الراب الفلسطيني المقدسي "ضبّور" وبمشاركة "شبّ جديد" والتي تخطّى عدد مشاهداتها حتّى اللحظة 28 مليون مشاهدة! ففي المظاهرات الداعمة للقضية الفلسطينية في أنحاء العالم شوهدت بعض اللافتات تحمل تعبير واحد فقط من الأغنية: بلجان بلجان! وتعني فوضى باللغة العبرية، - تعبير واحد أشبه ببيان ثوري أطلقه الشباب!

وفي المدن المختلطة، شكّل الشبّان "لجان حماية الأحياء" بهدف التصدّي لهجمات المستوطنين على البيوت العربيّة والحارات، بعد أن كُشفت مجموعات "واتس اب وتيليغرام" لنشطاء من اليمين المتطرّف تخطّط للهجوم على الأحياء العربية واستهداف السكّان العرب، وكان من اللافت العدد الهائل من الشباب المصرّ على التمسّك ببقائه في البيت والحارة مدافعين عنها بأجسادهم!

بالإضافة إلى ذلك، بادر الشباب الفلسطيني لإطلاق أسبوع الاقتصاد الوطني في الأسبوع الثاني من شهر حزيران/ يونيو 2021، لدعم المنتج المحلّي على إثر مقاطعة المجتمع الإسرائيلي للبلدات والمتاجر العربية، ولاقت المبادرة تجاوبًا واسعًا حيث نظّمت البازارات الشعبية التي لم تقتصر فقط على بيع وشراء المنتجات وإنّما كانت مساحة للفنون الشعبية والأنشطة الثقافية-المعرفية.

وفي مطلع تموز/ يوليو 2021، نظّمت الحراكات الشعبية الفلسطينية وبالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والناشطين في القطاع الثقافي، أسبوع الثقافة الفلسطيني الموحّد لتعزيز الهوية الفلسطينية والفن الملتزم لقضايا لشعب الفلسطيني ولإبراز أهميّة النضال الثقافي.


لقد خلقت "هبّة الكرامة" مزاجًا فلسطينيّا موحّدًا، وكان لها الصدى الواسع في كل دول العالم، والفضل في إعادة القضية الفلسطينية إلى الصدارة مرة أخرى، ثمّ إنّ تنظيم النشاطات على اختلاف أنواعها من قِبَل الشباب الذين لهم الدور الأهم في حماية الهوية الوطنية الفلسطينية للبلاد، وفي إفشال كافة محاولات تغييب هذا الدور، أعاد إلى الشارع نبضه وأعاد إلى الجيل الأوّل للنكبة الأمل في تحرير البلاد وتحصيل الحقوق.

وما جرى يؤكّد أن الشعب الفلسطيني حيٌّ، وخلاّق ومبدع، وأنّ النضال الشعبي/ الميداني هو الأساس وهو نضال للدفاع على المكان وهويّته وما يقترن بذلك من كرامةٍ فرديةٍ وجماعية، وأن الكرامة خطًّا أحمرًا لا يمكن تجاوزها.

 


كاتبة المقال: زهرة سعيد وهي صحافية وكاتبة محتوى رقمي.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب