البابليون، خسوف القمر وكورونا

الرجوع

بروفيسور سليم زاروبي

 كان لخسوف القمر أهميّة كبيرة في الحضارات البابليّة والآشوريّة القديمة، إذ كانت الناس تؤمن أنها تعبّر عن غضب الآلهة منهم، وبالذات من مَلِكهم؛ لهذا، كانوا يقدّمون التضحيات للآلهة عند حدوث الخسوف، لعلّ ذلك يرضيها فتكفّ غضبها عنهم. لكن في حوالي القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد، قام فلكيو بابل باكتشاف عظيم، وهو أن خسوف القمر يتكرّر كل 18 عامًا و11 يوما و8 ساعات تقريبًا. وتُعرف هذه الدورة في علم الفلك باسم "دورة ساروس".

شكّلت دورة ساروس دليلًا واضحًا على أنّ خسوف القمر، يتبع دورة ثابتة طبيعية، وأنّ غضب الآلهة أو رضاها ليس له أية علاقة بها، لكنّ هذا الدليل القاطع لم يغيّر من إيمان الناس، ولم يقنعهم أيضًا بأنّه لا دخل للآلهة بخسوف القمر، الذي كان سوف يحدث بغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه الآلهة غاضبة أم راضية. ومن المفارقة في الأمر أنّ الناس أصبحوا يستعملون دورة ساروس لحساب موعد الخسوف القادم، لكي يبدلوا الملك بشخص آخر من الممكن الاستغناء عنه (مجرم قابع في السجن مثلًا). حيث يرسّمون هذا الشخص ملكًا عليهم، ليقوموا بإعدامه مباشرة بعد حدوث الخسوف وذلك لاسترضاء الآلهة، ومن ثم يعيدون الملك الأصلي إلى عرشه.

تُجسّد هذه الحادثة التاريخيّة، التناقض الذي يواجهه الناس في كثير من الأحيان، ما بين معتقداتهم وقناعتهم من جهة، والحقائق الموضوعيّة من جهة أخرى. لكن إذا تمعنّا فيها، سنجد أنّ تفاصيل القصّة تقول لنا أكثر بكثير من مجرّد هذا التناقض. الشيء الأول الذي نتعلّمه منها، هو أنّ المعرفة العلميّة هي حاجة ماسّة في كلّ المجتمعات، وأنّ الذي يفصل بين المجتمعات المتقدّمة والمجتمعات المتأخّرة، هو الدافع لدى الأولى بأن تسيطر على مصيرها، وفي فهمها أيضًا بأنّ أحد أهم الأدوات للسيطرة على هذا المصير هو المعرفة العلمية، وهذا يذكرنا بما نحياه الآن، إذ لا يختلف اثنان على أنّ الطريقة الأساسيّة لمحاربة كورونا هي المعرفة العلميّة حول هذا الفيروس (مبناه، كيفية انتشاره، طرق تخفيف العدوى به، وإيجاد تطعيم أو دواء له). لهذا لا يوجد مجتمع أو دولة لا تحتاج إلى هذه المعرفة العلميّة الصرفة الآن، لكن ليس بمقدور كلّ مجتمع أو دولة إنتاج مثل هذه المعرفة. فهناك دول تنتج مثل هذه المعرفة، وهناك دول، مثل دولنا العربية للأسف، تنتظر غيرها لإيجاد الحلّ كي تتبعه.

العبرة الثانية البارزة في قصّة دورة ساروس، هو أنّه من الصعب جدًّا تغيير معتقدات الناس حتى حين نواجههم بالحقائق الدامغة التي تناقض هذه المعتقدات. بعد اكتشاف دورة ساروس، كان الاستنتاج المنطقيّ من ورائه حينها أنّه لا توجد علاقة ما بين الخسوف والآلهة، لكن هذا لم يحدث، بل بقي البابليون على إيمانهم بأنّ الخسوف يدلّ على غضب الآلهة. هذا في الحقيقة يميّز الغالبية الساحقة من الناس، لا البابليين القدماء فحسب، إذ هم عادة لا يغيّرون معتقداتهم وآراءهم أمام الحقائق والدلائل، بل ببساطة يتجاهلون هذه الدلائل.

نرى هذه الظاهرة بوضوح في سياق جائحة كورونا. مثلًا، هناك اعتقاد عند الكثير من الناس، أنّ المرض هو نتيجة مؤامرة، وهذا ينبع جزئيًّا من شعور عميق لدى الناس بأنّ المؤامرات تحيطهم في كلّ مكان.
لا أنكر طبعًا أنّ هناك مؤامرات مختلفة تحدث في إطار السياسة الدوليّة أو المحليّة أو غيرها من مجالات الفعاليّات الإنسانيّة التي تتضارب بها مصالح الناس. لكنّ للمؤامرة شروطًا، أهمّها ليس فقط أنّ لأصحاب المؤامرة هدفًا واضحًا، بل أنّهم كذلك يستطيعون السيطرة على، أو على الأقلّ توقّع، سيرورة الأمور بشكل واضح، بحيث يصلون إلى هدفهم المنشود. في حالة وباء كورونا، لا يستطيع أحد أن يتنبّأ بخصوص ما سوف يحصل في نهاية المطاف، وبالذات تأثير هذه الجائحة على الاقتصاد العالميّ وعلى المبنى الاجتماعيّ والسياسيّ في كلّ الدول.

للأسف، وكما ذكرت سابقًا، هناك جزء من الناس الذين لا تُبلبلهم الحقائق أو التحليلات المنطقية، فهم يعلمون بواسطة "قواهم الخارقة" أنّ هذه الجائحة هي نتيجة مؤامرة لا شكّ فيها. أيّة مؤامرة؟ هذا السؤال ليس مهمًّا، المهم أنها مؤامرة، ولتحترق الحقائق وليمُت المنطق.

أنتقل الآن إلى ما فعله البابليون عندما علموا بدورة ساروس. يحتاج هذا إلى تحليل أكثر دقة وإلى التمييز بين جانبين. الجانب الأول، هو أن الناس كانت على استعداد لقبول الجانب العملي من الاكتشاف الجديد، بشرط ألّا يمسّ هذا إيمانهم ومعتقداتهم كثيرًا. فهم على استعداد أن يتقبّلوا مثلًا أنّ الآلهة ليس غاضبة على تصرفات مَلِكِهم، بل هي غاضبة على الشخص الذي يعبّئ كرسيّ الملك عند الخسوف، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا هو الملك الحقيقي أم لا. نستطيع بسهولة أن نتخيّل كيف من الممكن إقناع الناس بذلك، على الرغم من أنهم لو فكروا قليلًا لَأدركوا أن قبولهم بتبديل الملك، يعني أن آلهتهم حمقاء لا تستطيع التمييز بين الملك الحقيقي والملك البديل. قبول الجانب العلمي بشكل جزئيّ، هو أيضًا ما نراه في التعامل مع وباء كورونا؛ بمعنى أنهم يقبلون الفهم العلمي ما دام هذا الفهم لا يتناقض مع معتقداتهم.

أما الجانب الثاني، فهو أن هناك من استغل المعرفة التي وفّرتها دورة ساروس واستغلها لكي يبقى الملك في سدّة الحكم، وأن كل ما عليهم فعله هو أن يستبدلوه لبضعة أيام، حتى يأتي الخسوف ويأخذ معه الملك البديل. هذا أيضًا يحدث في زمن الكورونا، فهناك من يستغلّ الأزمة ويحسّن من أوضاعه، أو يخدم برنامج ورؤية سياسية أو اقتصادية معينة. وهنا أيضا يجب أن نُفرّق بين من تأتيه الأزمة بفرصة لتحسين أوضاعه لمجرد أنّ لديه ما تحتاجه الناس خلال هذه الأزمة؛ على سبيل المثال، الشركات التي تصنع الكمامات، أو مواد تطهير اليدين، الخ.


ولكن أيضا هناك من يستغلّ الأزمة لفرض قواعد لعبة جديدة تخدم مصالح معيّنة، وتضرّ بالغالبيّة العظمى من الناس. على سبيل المثال، استعمال الوسائل الإلكترونّية، مثل التليفونات الخلويّة لمراقبة المواطنين كما فعلت جولة إسرائيل، حريّ بأن يثير الرعب في قلوبنا جميعًا. وممّا لا أشكّ فيه، أنّ النخب الحاكمة في أغلب الدول سوف تستغل كلّ قطرة توفّرها لها هذه الأزمة بشكل بشع.

ذكرت في بداية هذا المقال، أنّه عند حدوث تناقض بين الحقائق الموضوعية والمعتقدات، يكون المنتصر دائما الحقيقة الموضوعية (كما في قصة دورة ساروس). ما يميز الطبيعة وقوانينها أنها لا تحسب حساب معتقداتنا ولا مواقفنا الدينية والفكرية والسياسية، كذلك الأمر لا تأخذ الطبيعة بعين الاعتبار ما إذا كان الشخص يصلّي كثيرًا أم قليلًا، أو يتبع لهذا الدين أو ذاك، فالفيروس، إن اقتربت منه، لن يتعامل معك بشكل مميز عن باقي البشر. هؤلاء الذين يرفضون هذا لا يختلفون بقيد أنملة عن البابليّين الذي رفضوا الحقيقة البسيطة التي تقول إنّ الخسوف لا علاقة له بآلهتهم.

هناك ادّعاءات أخرى كثيرة تناقلها الناس، تُبيّن أغلبها الجهل العميق الذي يعيشه بعض الناس فيما يتعلّق
بالتفسيرات العلميّة وكيف نصل إليها. هذا للأسف يعكس حالة يعيشها البشر منذ مدّة كبيرة وهي حالة رفض العلم والاستنتاجات العلميّة. فنحن نعيش في العقود الأخيرة في جوٍّ واضح من انحسار العقلانيّة والتشبّث بالغيبيات والشائعات والتفسيرات السطحيّة ورفض العلم والحقائق فيما يتعلّق بكلّ ما يدور من حولنا. وما فعله هذا الوباء، أنّه كشف لنا بشكل مأساويّ عمق هذه الحالة التي نعيشها، فلسنا نحن فقط في هذه المنطقة المنكوبة بالجهل من العالم، وإنّما هو الحال في كلّ مكان، ولعلّ هذه النكبة بالرغم من مآسيها تذكّر البشريّة مجددًّا، أنّ المعرفة هي أهمّ أدواتنا التي نشكّل بها مستقبلنا، ولعلّها تعلّمنا أيضًا من جديد، أنّ العقل والمنطق والحقائق الموضوعيّة، هي الأساس المتين الذي نبني عليه معتقداتنا وأفكارنا، وليس العكس، فالويل لنا إذا لم نتعلّم الدروس الصحيحة من هذه الأزمة.

 


كاتب المقال: بروفسور سليم زاروبي هو باحث ومحاضر فلسطيني متخصص في مجال فيزياء الكون وتاريخ تكوّن الكون.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب