مشاهدات من ميدان الهبات الشعبية

الرجوع

عوض عبد الفتاح

أتاح لي ابتعادي عن النشاط الحزبي/القطري منذ عام ٢٠١٧، وما يستلزم من تواجد يومي خارجها، الفرصة بأن أتواجد بصورة أكبر، في قريتي الجليلية، الواقعة وسط حزام من المستعمرات الصهيونية الواقعة تحت نفوذ مجلس مسجاف الاستيطاني، أثناء الهبة/ الانتفاضة الاخيرة وأن أرافق الحراك الشعبي الليلي، بل الشبابي، المحلي، لمدة ١١ يوما متواصلا.

لم أكن في البلدة في اليوم الأول، حيث فوجئت أثناء عودتي، مساءً، بمسيرة لما يزيد عن مائة وخمسين شاباً وشابةً، غالبيتهم الساحقة تحت سن ال ١٨، تبين لي لاحقً أنهم تنظموا في غضون ساعات بفضل نداء أطلقته مجموعة صغيرة، تربطني علاقات بها، في مسائل اجتماعية حارقة، عبر صفحات الفيسبوك، تفاعلاً مع ثورة شعبهم، الشعبية، التي انطلقت من باب العمود والشيخ جراح، وبقية أحياء القدس والمسجد الاقصى، وتنديداً بالعدوان العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة.

رفع المتظاهرون الشباب الأعلام الفلسطينية، وصدحت حناجرهم بشعارات الحب لفلسطين، والتنديد بجرائم المستعمر.

إزاء هذا المشهد، انتابني شعورٌ بالرهبة وتملكني إحساس خاص لا اعرف بالضبط كيف أصفه، إذ شعرت انه يخرجنا من حالة اللايقين، ويجدد الثقة بهذا الشباب، الذين كانوا ينتظمون، ويفجرون غضبهم في عموم بلداتنا العربية في الجليل والمثلث والنقب، خاصة في المدن الفلسطينية الساحلية المستهدفة، وبقدرة شعبنا على على توليد الأمل من رحم هذه الحالة. هكذا تجلى أمام ناظري كيف يجري تمرير الرواية، رواية فلسطين، كل فلسطين، من جيل إلى جيل، رغم السحب الداكنة المنتشرة في السماء، وكيف تولد الحياة الجديدة.

ولكن في الوقت ذاته، وخاصة في الأيام التالية، وبعد أن ازدادت شراسة نظام القمع، استحوذ علي قلق شديد، قلق وخوف على الشباب، وارتسمت أمامي، فوراً، صورة معادة من هبة القدس والاقصى، عام ٢٠٠٠، والغضب العارم الذي تفجر كالبركان أمام أعيننا دون أن تكون لنا، كقيادات في الاحزاب و"لجنة المتابعة العليا"، على التحكم بذلك البركان البشري الهادر، وتوجيهه أو ترشيده في الميدان، رغم أن الأحزاب كانت آنذاك أكثر قوةً وتنظيماً وحضورا، واكثر أخلاقية، مما هي عليه اليوم. وأذكر في حينه، كأمين عام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، وعضو سكرتاريا لجنة المتابعة، التي كانت تنعقد يوميا، اني ذهبت الى العديد من المواجهات، كقيادي، ولكني وجدت نفسي مجرد واحد من الجمهور، تسير معهم، وتواجه معهم، قوات القمع الصهيونية، ومخاطرها الكبيرة. كان هناك بحر هائج من الجيل الجديد الغاضب، آلاف مؤلفة، يقود نفسه بنفسه، ولا يستمع لأحد، أو يكترث بالمركزية، في ساعات الغليان والغضب والعنفوان، وسيل الدماء.
كنت شاركتُ، مع شعبي، في مبادرات، ومواجهات عديدة، قبل ذلك، منذ أيام الدراسة الجامعية، منذ أواخر السبعينات، كناشط، ولاحقا، كعضو قيادي في حركات وطنية، وعلى مدار العقود اللاحقة. تعلمت الكثير من تلك الممارسة، والمسنودة بالقراءة عن كيفية تنظيم الحراكات، الهادئة، والصاخبة. غير أن الحياة السياسية، وديناميتها، متغيرة باستمرار، وأكثر تعقيداً بكثير مما يظن المرء. فتبقى تلميذ الحياة، المتقلبة والمتجددة دوما، والتي تحتاج لإبداعات جديدة ملائمة، وجدناها، مؤخرا، في أجمل صورها في أبنائنا وبناتنا الذين امتشقوا القلم و"السيف"، بصيغة حداثية، ورؤية تحررية أصيلة، في مواجهة نظام الابرتهايد المتوحش.

في المظاهرات التي جرت في قريتي، أثناء الانتفاضة الاخيرة، لعام ٢٠٢١، كانت لنا الفرصة متوفرة للتفاعل وللتوجيه، أنا وعدد محدود من النشطاء المخضرمين، خاصة بعد اليومين الاولين، حيث كانت جرت مواجهات ليلية، وتم اعتقال عدد من الشباب. وبسبب هذا التفاعل، الحذر، مع الشباب، ومن خلال الحرص على التشاور وليس الاملاء، او التعامل الابوي، لاحظت كيف تتطور بسرعة عملية التنظيم والاحتجاج، وأشكال مبدعة ومتنوعة، من التعبير عن الموقف والمشاعر. كما لاحظت لديهم تطور الحس بالحذر، والتخطيط واجراء الحسابات الصحيحة، بعد اخطاء ارتكبت في اليومين الاوليين، سادهها فوضى، وميل البعض بالتصرف بصورة فردية، والخروج عن قرارات جماعية، ونشوء بعض التوتر، والجدل الداخلي في المجتمع. وهذا أمر طبيعي، يحصل دائما في الساعات أو الايام الأولى لانطلاق غضب شعبي عارم، وقبل أن تبدأ المواجهات باتخاذ شكل التنظم والتوجيه، لأن استمرار العفوية وغياب التخطيط، يضر بديمومة الاحتجاج، ويضعف عملية التراكم.

لا تفي هذه المقدمة، في هذه العجالة، بتقديم صورة واضحة او كافية عن أوجه الشبه والاختلاف في كيفية تعامل القيادات مع الانتفاضتين، الكبريين، المذكورتين، وعن الدروس المطلوب استخلاصها. ولكنها ربما تفيد في نضالنا المستمر، وعملية تنظيمنا، وترسيخ قوتنا على الارض، خاصة وأن مجتمعنا يمر بتحولات اجتماعية اقتصادية وثقافية، تستغلها أطر سياسية مهزومة، ومنحلة وطنيا، لإلحاق مجتمعنا بنظام الابرتهايد الاستيطاني القاتل، وخاصة أيضا أن القيادات المركزية، من على جانبي الخط الاخضر، تعرت بالكامل أثناء هذه الهبة، اذ غابت كليا عن الفعل، عن عملية صنع الهبة وتوجيهها، واستثمارها.

لم تكن هبة رمضان/أيار الاخيرة، سوى حلقة جديدة من مسيرة شعب يخوض صراعاً ضد نظام استعماري إستيطاني غريب، منذ أكثر من مئة عام. لكنها كانت حلقة من أكثر حلقاته إثارة، وعمقاً، وإبهاراً، رغم قصر فترتها الزمنية. وليست عملية نفق الحرية الاسطورية سوى فصل مجيد من فصول الكفاح التحرري، الذي يصنعه أسري الحرية.

ليست هذه أول إنتفاضة فلسطينية شاملة أولى، التي تجتاح فلسطين من البحر الى النهر، منذ النكبة، وتعتمد فيها كل أشكال المقاومة، كما أشار، خطأً، بعض المعلقين المتحمسين، فالانتفاضة الثانية، عام ٢٠٠٠، كانت أيضا انتفاضة شاملة ومتنوعة الاشكال، وتميزت أيضا بطول مدتها، تقاس بسنوات وليس أسابيع.

هل توقفت الانتفاضة، الاخيرة، هل زال أثرها، أم ما زال حيا وبتجمع مرة أخرى تحت السطح، وهل من حركها وأسبغ عليها معنى جديداً، لا يزال فاعلا.. وهل ستجدد، وكيف نعيد رسم علاقتنا مع الكل الفلسطيني.
هذه جزء من أسئلة كثيرة تطرح في ضوء استمرار المستعمر انتهاك حرمة بلادنا، وإيغال المستعمر في التنكيل بناسها.. وقمع أحلامهم.. وفي ضوء تكرار محاولاته المتكررة لتقويض الأمل الذي تجدد بقوة مع انطلاق الهبة الاخيرة، واستعادة الوعي بفلسطين الواحدة. ونحن مطالبون بالانشغال بالإجابة، النظرية والعملية، على هذه الأسئلة الكبرى.

لقد تأكد للجميع، أن القوى الجديدة الصاعدة، التي فجرت هذه الانتفاضة، وقوامها الجيل الشاب، واوساط شعبية، لم تذعن لثقافة الهزيمة والمهزومين، لن تنتظر الأكاديميين، والمحللين والدارسين النقديين، على أهمية الكثير مما ينتجونه، بل سيتواصل فعلها المتجدد بأشكال أخرى.

ولكن القوى الجديدة، الرائدة، ليست هي أيضا معفية، من مسئولية إيجاد الاجابة العملية، وعدم تضييع ما أفرزته الانتفاضة الاخيرة، من تكريس لوحدة الحلم بين الأجيال، من البحر الى النهر، والعابر لتجمعات الشعب الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه.

 


كاتب المقال: عوض عبد الفتاح وهو كاتب صحافي والأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ومنسق حملة الدولة الديمقراطية الواحدة.

تصوير: الناشط السياسي باسل طنوس. 

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب