ما يميّز النّواة التّوراتية في اللّد؟!

الرجوع

مها النقيب

قام رئيس الحكومة اريئل شارون سنة ٢٠٠٢ بتبني مدينة اللّد التي كان يهدّدها حسب وجهة نظره "الخطر الديموغرافي"، في ازدياد نسبة السّكان العرب عن النّسبة الممكن السّماح بها فأصدر قرارًا حكوميًا رقم ٢٢٦٤ الذي بموجبه قامت "دائرة أراضي إسرائيل" في تخصيص أرض لبناء حوالي ستة مئة وحدة سكنيّة كمرحلة أولى للمتدينين القوميين اليهود "داتييم لؤمييم" ودائرة أراضي إسرائيل منحتهم الأرض دون مقابل، أو بالأحرى كان ثمنها خمسة شواقل فقط لدونم الأرض، وهذا طبعًا فقط لتستوفي المناقصة الشّروط القانونيّة من النّاحية الشّكلية على الأقل عند وضع حجر الأساس للحي 'الي يشيب' (אלישיב). حاولنا آنذاك أنا وبعض النّشطاء أن نرفع لافتات للتعبير عن احتجاجنا على هذا التّمييز الذي يعطيهم أرضًا بالمجان، بينما تُهدم بيوت السّكان العرب بشكل شبه يومي، لكن للأسف تم توقيفنا بمركز الشّرطة حتى قبل أن ننجح في رفع لافتة واحدة. على الرّغم من جهودنا؛ لم نتخيّل حجم خطورة هذه المجموعة وما ستكون عليه في المستقبل!

دخلت اللّد بعدها على عشر سنوات عجاف، تبدلت خلالهم اللّجان المعينة عوضًا عن البلدية المنتخبة، وهذا الفراغ قوى "النّواة التّوراتيّة" إذ إنها سيطرت على العديد من المباني العامة والمراكز الجماهيريّة، وأهمها للمجتمع العربي كان المركز الجماهيري "شيكاجو" في حي "رمات أشكول" الذي يشكل السّكان العرب به الأغلبيّة السّاحقة. الذي أدار المركز الجماهيري كان "اهرون اتياس" - مؤسس النّواة التّوراتيّة في اللّد- والذي أصبح لاحقًا ولا يزال حتى اليوم المدير العام للبلديّة. هو من منع دخول أي عربي إلى المركز الجماهيري، لهذا السّبب أقام السّكان العرب وقفات أسبوعيّة احتجاجيّة ضد سياساته التي وصلت مداولات لجنة التّربيّة في الكنيست عام 2012، إلى أن تكرمت اللّجنة المعينة في اللّد بعد أربع سنوات بالسّماح لإعطاء جزء من المبنى لنشاطات المجتمع العربي، وفي الحي ذاته قامت البلدية بمنح النّواة التّوراتيّة مبنى مدرسة لإقامة كليّة تحضيريّة قبل الجيش، التي تحولت لاحقًا لمصدر استفزاز للسكان العرب وبث الكراهيّة بين العرب واليهود في الحي.

في انتخابات البلديّة عام 2013 ومع نجاح رئيس البلديّة "يائير رفيفو" قام الرّجل في تعيين أصدقائه "يوسي هاروش" - في حينه من حزب "البيت اليهودي"- نائبًا له و"أهرون اتياس" مديرًا عام للبلديّة، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم اكتملت سيطرة النّواة التّوراتيّة على الحكم المحلي في اللّد، إذ أصبح معظم موظفي البلدية من أوساطهم بما يشمل العمال الاجتماعين في مكتب الرّفاه الاجتماعي فضلًا عن مفتشي البلدية، وحتى أفراد الشّرطة من أوساطهم؛ وبالتالي أصبحت كلّ هذه المنظومة لا تفوت فرصة لتضييق العيش على السّكان العرب، من خلال الخطّط التي باتت تنهال علينا مثل المطر من بينها لهدم بيوت، والمخالفات اليوميّة على كلّ ما يمكن للمرء أن يتخيله، وبضمنها مسيرات الأعلام الإسرائيليّة التي تجوب الأحياء العربيّة فحسب وتحديدًا عند باب المسجد الكبير، مما يؤكد أن هدفهم هو الاستفزاز أو "تلقين السّكان العرب درسًا حول من هو صاحب البيت الفعلي!" على حد تعبيرهم، كما يفعلوا في عيد "لاج بعومر" على سبيل المثال: حين يأتون من أحيائهم البعيدة لإشعال النيران بداخل كنيس وسط حي عربي، فضلًا عن أن هذا الكنيس هو قصة استفزاز بحد ذاتها!

كلّ هذا التّضيق على السّكان العرب كان مقابله تعزيز مكانة وثقل قيادة النّواة التّوراتيّة، لعلاقاتهم القريبة جدًا من وزراء الحكومة ورئيسيّ الحكومة، السّابق "بنيامين نتانياهو" والحالي "نفتالي بينت"، وعلاقاتهم القريبة جدًا من وزيرة الدًاخلية الحالية "اييلت شاكيد" بالإضافة "يوسي هاروش" الذي تربطه علاقة قرابة عائليّة بالمستشار القضائي للحكومة "افيحاي مندلبليت". كل هذه العلاقات جعلت ملايين الشّواقل تتدفق عليهم لتقوية مؤسساتهم ولشراء الشّقق بداخل الأحياء العربيّة بهدف تهويدها، وطبعًا ليس رغبة بالجيرة الطّيبة مع العرب، فهم يرفضون أصلًا أن يلعب أولادهم مع الأطفال العرب، بل ويختارون شراء ولو شقة واحدة في بناية كلها عرب وبالقرب من مسجد أقيم منذ مئات السّنين سعيًا لإخماد صوت الأذان، رافضين لأي علاقة مع جيرانهم العرب ويدّعون أنهم أتوا إلى اللّد دعمًا للحياة الاجتماعيّة.

تجدر الإشارة، إلى أن هذا النّهج والتّحريض العنصري وصل ذروته في شهر رمضان الماضي الذي شهد مجموعة من التّحريضات على السّكان العرب وبضمنها بمسالة الأذان، ففي الخامس من شهر أيار 2020 استضاف رئيس البلديّة أعضاء الكنيست المتطرفين "بن غفير" و"سموتريش" و"ستروك" للتداول حول كيفيّة التّعامل مع من سموه ب"الارهاب العربي" في المدينة، بالإشارة إلى صوت الأذان والألعاب النّاريّة التي تميّز شهر رمضان في المدن والقرى العربية وما إلى ذلك. حقيقة، لا علم لي ما كانت القرارات التي اتخذت في تلك الجلسة لكنني على يقين أن تدهور الأحوال في اللّد لم يكن محض الصّدفة، وعند النّظر إلى مقتل الشّاب موسى حسونة لا يمكن إغفال استهداف الشّباب العرب وكذلك بإطلاق الرّصاص الحي!، التي تتماشى مع افكار المستوطنين الذين يروا أنّ العرب لا يفهمون غير لغة القوة. كما أنّ "بن غفير" نفسه تصرف يهذا النّهج في ماضيه في بلدات الضّفة الغربيّة، كما نذكر.

وعليه، لا بد من التّساؤل حول احتمالات أن يكون التّصعيد في اللّد خلال أحداث أيار الأخيرة، بإطار خطة "لإعادة تربيّة" السّكان العرب في اللّد لماذا لا، وقاتل موسى لا يزال حرًا طليقا؟، إذ اعتقل هو وأخرون من مطلقي النّار فقط لبضع ساعات ومن ثم أطلق سراحهم جميعًا، ولا يبدو أن هناك مؤشرات لوجود تحقيق جدي بالقضية.

في يوم 16.9.2021 وفي ختام تقرير إخباري عن اللّد في القناة الثّانية عشر، أعلنت مقدمة الأخبار أنه: "أطلق سراح قاتلي حسونة بعد تبرأتِهم من تهمة القتل، وقريبًا النيابة العامة ستقرّر بالموضوع"، وبكلمات أخرى على الأغلب ستعلن عن إغلاق الملف نظرًا لما زال حاضرًا في ذاكرتنا من قضية الجندي القاتل - إلؤر أزاريا - التي أقام أنصاره الدّنيا ولم يقعدوها، ومع ذلك تم تقديم لائحة اتهام ضده، بالمقابل نرى أن في قضيّة مقتل موسى - ربما القضيّة الأكثر خطورة التي يقدم فيها مواطن على قتل مواطن آخر - يوجد منع نشر وتعتيم كامل على القضية حتى بعد خمسة أشهر، كلّ ما يُصرح به أن العمليّة كانت بوازع الدّفاع عن النّفس، وباعتقادي حتى وإن كان هذا هو الحال وأنا أشك بذلك، هذا الأمر تقرّره المحكمة ولا أي سلطة أخرى، كل هذا يضع مليون علامة سؤال على هُوية القاتل وعلاقاته مع متخذي القرارات في الدّولة، ليحظى بهذه المعاملة كي لا نقول المكانة ليكون فوق القانون!

تجدر الإشارة إلى أن جنازة الشّهيد موسى حسونة التي شهدت هجومًا للشرطة على موكب الجنازة بقنابل الغاز والمطاط يوم الثلاثاء 11 أيار، فقط لأن الموكب مر عبر الشّارع الذي تتواجد فيه الكليّة التّحضيرية للخدمة العسكريّة، الذي تعرض جزء منه للحرق بعد مقتل موسى، وكأنهم يقولون لنا أن مشاعر حرق مبنى يتبع للمستوطنين أهم بكثير من مشاعر الحرقة على فقدان إنسان، ابن، زوج وأب لأطفال من بينهم رضيع!

في هذه اللّيلة وعلى الرّغم من إعلان الضّابط العام للشرطة منع التّجول في مدينة اللّد، إلّا أننا رأينا توافدًا لباصات محملة بالمستوطنين، الذين شرعوا بمهاجمة البيوت العربيّة، بل وحرقوا بعضها، وبالمقابل عشرات السّيارات العربيّة من بينها سيارة الموتى التي لم تخلص من أذاهم! قاموا بإطلاق النّار على المسجد الكبير وحاولوا حرقه، حطموا ودنسوا القبور في المقبرة الإسلامية في ـــــــــــــــ من المدينة. كلّ هذا خلال منع التّجول وتحت حماية قوات الشّرطة - الأمر الذي تم توثيقه بالصّوت والصّورة - وبالتّعاون من قبل البلديّة التي فتحت المباني العامة لتؤمن مكانًا لمبيت المستوطنين. في الواقع فكرة احضار المستوطنين بهدف "تربيّة السّكان العرب في اللّد" لم تكن جديدة إطلاقًا، فقبل عدة سنوات قام نائب رئيس البلدية "يوسي هاروش" بتهديد أحد أعضاء لجنة أولياء أمور مدرسة الزّهراء قائلًا بأنه سيحضر لهم " نعري هجبعوت" بالإشارة إلى أكثر الفئات تطرفًا من بين شباب المستوطنين، (لتربية) السّكان العرب في اللّد؛ "هاروش" نفسه الذي سبق وهدّد السّكان العرب خلال جلسة البلدية بشهر أيار بإحضار مئات المستوطنين، ونصح السّكان العرب التزام بيوتهم كي لا يواجهوا المستوطنين.

وسط كل ذلك، كان لافتًا صمت الإعلام الإسرائيلي حول قضيّة مقتل موسى حسونة، هذا الإعلام الذي يدعي الموضوعيّة وتقصي الحقائق، والذي لم يتوانى عن منح مساحات البث للمستوطنين من اللّد خلال أحداث أيار الأخيرة، مظهرًا إياهم على أنهم الضّحايا ونحن الجلادين، صوتهم مسموع وروايتهم البعيدة عن الحقيقة في أقلها متداولة ومعها تماثل الرّأي العام، بينما نحن سكان اللّد الأصلانيين فصوتنا مقموع في أحسن الأحوال ومحرض علينا في غالبيتها، فضلًا عن اعتداءات أفراد الشّرطة وغيرها من قوى الأمن التي اعتبرت نفسها فوق القانون عند تعاطيها معنا، في أيار لم يأمن رجل أو امرأة أو حتى طفل من هذه السّلوكيات القمعيّة.

باعتقادي نحن اليوم أمام مرحلة مفصليّة، فإن استمرت هذه السّياسة العنصرية والقمعية والتّحريضية اتجاه سكان اللّد العرب بذريعة رفضهم "التّعايش" مع اليهود، قد يتفاقم القهر والغضب عند الأجيال القادمة. أقول ذلك آملة أن يعود الرّشد لمن يمسكون بدفة الحكم، قبل المزيد من المتدهور الخطير الذي لن يحمد عقباه.

 


كاتبة المقال: مها النقيب وهي ناشطة سياسية واجتماعية في اللد وعضوة بلدية سابقة.

 

تصوير: أورن زيف وموقع "سيحا مكوميت".

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب