نكتب تاريخنا

الرجوع

حاتم الطحّان

نعتبر نحن الفلسطينيون -لقدرنا السيء -من الشعوب الزمنية التي وحدّت فهمها ووجودها وهويتها بحدثٍ قاسٍ ومؤلم. غيّر تاريخها وبدل نظمها التقليدية الاقتصادية والاجتماعية ليصبح مرجعها الزمني حدثاً صادماً ومفجعاً مرتبطاً بنكبة عام 1948. حمل بها الفلسطينيون ذكرياتهم وهويتهم مقاومين طغيان النسيان. في النكبة لم نخسر المكان فحسب بل حاول الاستعمار اقتلاع زمننا الفلسطيني وذاكرتنا. وارتبط زمننا ما بعد النكبة بالاعتقال، والحواجز، والسجن، والمخيمات، والغيتوهات، وحدود تفصلنا عن هويتنا.

من هنا كانت الفكرة. اننا كفلسطينيين لنا زمناً ومكاناً وتاريخاً وذاكرة. وطالما أن وجود الفلسطيني مهدد فتاريخه أيضا مهدد وبحاجة الى الحماية والتوثيق والحفظ. انطلقت خزائن قبل 5 سنوات كضرورة فرضها السياق الفلسطيني وما احتواه من انتفاضات وهبات شعبية والتي استدعت ضرورة بناء مشروع أرشيف يوثق هذه المتغيرات ويحفظها. أرشيف مجتمعي حقيقي يساهم الأفراد والعائلات ببنائه، يحفظ الذاكرة الفلسطينية ويعززها ويحميها من الفقدان والضياع. يرصد التفاعلات المجتمعية من جهة ويعكسها على الأحداث. ويقاوم كتابة التاريخ بكونه فقط حدثاً سياسياً يعزله عن بيئته الاجتماعية الحاضنة من افراد وعائلات ساهمت بحدوثه ويرجعه الى مصدر حقيقته وأصله بكونه فعل اجتماعي جمعي.

لنحقق هذه الغاية، آمنا كمجموعة شبابية بأهمية التأسيس والتحول من حراك شبابي مهتم بالأرشفة والتاريخ المجتمعي الى مؤسسة مستقلة غير ربحية. تعتمد بدرجة كبيرة على حلقات ودوائر مجتمعية مساندة تساهم تطوعا في دعم رؤيتها وتستند على الايمان المطلق بمركزية انخراط المجتمع في الدعم والمساهمة في التأسيس والحفاظ على الزمن الفلسطيني والمكان الفلسطيني والذاكرة الفلسطينية. فكانت الفكرة بأن يكون الفلسطيني نفسه فهو من يقوم بعملية بناء الأرشيف وهو الجزء المركزي بالعمل. مشارك به بفاعلية ومراقب له ويمنحه الدعم والمساندة ويوثق اسمه وذلك من خلال تأسيس خزائن خاصة بأسماء الافراد المساهمين معنا في بناء أرشيفاتهم داخل خزائن. فكل شخص يرفد خزائن بأي ورقة يتم افتتاح خزانة خاصة باسمه الشخصي او باسم عائلته. خزائن هي خزائن الناس. يبنون الأرشيف ويرفدون موادهم ووثائقهم داخله. وضمن هذه الرؤية تم اختيار اسم "خزائن" والذي جاء أولاً كاستلهام تاريخي حيث استخدمت هذا المصطلح دوماً للدلالة على المكتبات في التاريخ الإسلامي، كخزائن بيت الحكمة في بغداد وخزائن القيروان وخزائن قرطبة. وثانياً انطلاقاً من توجهها في بناء أرشيف مجتمعي حقيقي يساهم فيه المجتمع الفلسطيني بكل أماكن وجوده في تأسيسه، بحيث توضع مساهمة كل فرد ضمن خزانة خاصة به. أرشيف للناس العاديين والبسطاء يخرج من نطاق تعالي التاريخ النخبوي وينزع سلطة العائلات الاقطاعية التي هيمنت على تاريخ فلسطين ويحيّد مركزية التاريخ السياسي. ارشيف فلسطيني يوثق الحياة اليومية وقصص الناس. وذلك من خلال جمع مادة الأفيمرا "Ephemra"وهي عينة البحث والتوثيق الرئيسية لخزائن. "الأفيمرا" هي المواد الورقية قصيرة المدى مثل: الملصقات، المنشورات، المطويات، البروشورات، الإعلانات التجارية، دعوات الزواج. بطاقات العمل والمذكرات وقصاصات الورق بخط اليد وكل المواد التي لا تقع ضمن دائرة اهتمام الأرشيفات التقليدية الكلاسيكية والرسمية. بغض النظر عن سنة إصدارها او طباعتها او كتابتها. يتم تصنيف المواد الارشيفية وتبويبها وحفظها بصناديق وملفات مضادة للأكسدة حتى يتم الحفاظ عليها على مدى سنين ممتدة من الزمن. ومن ثم مسحها ضوئيا وبعد ذلك يتم رفع المناسب منها على المنصة خزائن الرقمية مع كامل التفاصيل المتعلقة بكل مادة. لقد اختارت خزائن مادة الأفيمرا كعينة جمع أساسية، نظراً لما تتعرض له هذه المواد من إهمال، وغياب أدنى اهتمام بجمعها، خاصة وأنها توفر مدخلاً حقيقياً لفهم التجربة الاجتماعية بتوجهاتها المختلفة، فالكثير من القضايا قد تصل إلى الكتب والمجلات، لكن مادة الأفيمرا توثق نشاط الانسان البسيط والعادي والمهمش وتفاعلاته مع محيطه، ومع المتغيرات من حوله. نرى من خلالها فلسطين من محاور متعددة اجتماعية، وسياسية، وثقافية، واقتصادية، وتربوية. مادة خام لم يطرق أحد أبوابها. إن جمع هذه المادة يعطي صورة فريدة للتفاعلات الاجتماعية في المراحل المختلفة وتحديدا في ظل ما تمر به فلسطين. من تدمير ونسف لمناطق سكانية وتغيير ديموغرافي وترحيل لأحياء ومناطق وحراك ومقاومة وتحدي وصمود، تصبح هذه المادة هي الشاهد الأخير على واقع الفلسطيني في وطنه. قيمة هذه المواد تأتي من قيمة الإنسان، فحق الإنسان في حماية ذاكرته وارثه هو حق مقدس ينهار في أوقات الأزمات والعنف والهبات الشعبية.

ضمن هذه المعطيات وتوجهات خزائن ورؤيتها في النظر الى الأرشيف وعلاقته مع المجتمع. اطلقت خزائن في شهر تموز –يوليو الماضي حملة شعبية لجمع مواد ورقية ورقمية من فلسطين والعالم تحت شعار "نكتب تاريخنا" قام خلالها نشطاء ومتطوعي وأصدقاء خزائن بجمع كل ما يوثق هبة الكرامة التي توثق الأحداث النضالية التي عاشتها البلاد منذ شهر أيار 2021 ، بدءاً من أحداث حي الشيخ جراح في القدس، وقمع الشرطة الإسرائيلية للمصلين في المسجد الأقصى، والعدوان على غزة، والمواجهات في طول البلاد وعرضها. حملة تطوعية شعبية جماعية نبني من خلالها مخزون معرفيّ يعكس مرحلة تاريخيّة هامة. كسر بها الشعب الفلسطيني حدود الجغرافيا وأزال الخط الأخضر وشطب الحدود المصطنعة. أكثر من 300 مادة جمعت خلال حملة "نكتب تاريخنا" قام فريق خزائن بمسح المواد الورقية ضوئيا ورقمنتها ورفعها على منصة خزائن www.Khazaaen.org اما التصاميم والمواد الرقمية فقد وثقت وأضيفت عليها شهادة النشطاء. وتم ربطها بالأحداث والمواجهات في الميدان في زمن حدوثها، وهو ما لم يحدث سابقا. المواد متاحة على صفحة خاصة ضمن المنصة الرقمية وستنضم لأكثر من 5500 مادة ارشيفية متاحة مجانا، ويمكن معاينتها ومراجعتها بسهولة. مما يوفر مادة أساسية وأولية للمؤرخ والباحث والكاتب والصحفي والفنان والمهتم ولكل الناس من القارئين باللغة العربية. مخزون معرفي تراكمي قام الشعب الفلسطيني نفسه بكتابته وبتوثيقه كونه هو من صنع احداثه. ويساعدنا جميعا في بناء وترسيخ الذاكرة الجماعية لنتعلم منها ونستلهم منها للمستقبل حتى لا تسرق منا سرديتنا الفلسطينية وحتى لا تزوّر او تحوّر او تختطف. حققت الحملة أهدافها وقدمت نموذجاً ناجحاً بأن يكون فعل الأرشفة مواكباً، ومسانداً، ومتزامناً مع الفعل النضالي في وقت حدوثه على أرض الميدان. واستطاعت خزائن من تقديم نموذج ناجح لتأريخ شعبي تطوعي جماعي غير ممول او مسيس من الممكن بسهولة استنساخه. حملة " نكتب تاريخنا " كتبناها نحن الفلسطينيون وحافظنا على تاريخنا حتى نستلهم الطريق مستقبلا ً لبناء غدٍ أفضل مؤمنين بقدومه.

 


كاتب المقال: حاتم الطحّان وهو مدير "منصة خزائن" .

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب