تربيّة فالدروف

الرجوع

أمين سواعد

يعتمد أسلوب هذه التّربية على الانتروبوسوفيه أي حكمة الإنسان للفيلسوف رودولف شتاينر.
اقتباس عن شتاينر:
"بالقلب ينسج الإحساس
بالرأس ينير الفكر
بالأطراف تقوى الإرادة
نور ينسج
نسيج يقوى
قوة منيرة
هذه هو الإنسان".

من خلال دراستي للانتروبوسوفيه وعملي في مجال التّربية لسنين طويلة توصلت لقناعة لا يراودها أي شك بان فترة الحمل بالجنين لا تنحصر بفترة التّسعة أشهر، وأنها لا تنتهي عند الولادة بل إنّ هنالك ما قبل الحمل والكثير والأهم قادم ما بعد الولادة.

علينا كوالدين بداية وكمربين لاحقًا أنّ لهذا المولود أو لهذه المولودة كيان وذات خاصًا به وبها.
في مرحلة الأمومة المبكرة نرى أن الأم من خلال تعاملها مع المولود أو المولودة، تهيئه أو تهيئها لتقف أو يقف منتصب القامة في غضون سنة ويدب بخطاه أو تدب بخطاها على سطح الأرض.
على ضوء الانتروروبسوفيه بأن الطّفل أو الطّفلة جلَّ اهتمامه أو اهتمامها وطاقته أو طاقتها في السّبعة سنوات الأولى لبناء جسمه الفيزيائي أو جسمها مؤشر على تفرغه أو تفرغها لبداية مرحلة أخرى هو تبديل أسنان الحليب.

لذلك علينا كوالدين أن نحرص كلّ الحرص للبيئة والجو الذي يمر به ابننا أو تمر به ابنتنا في هذه الفترة من العمر، لأن كل ما يمر به أو تمر به يضع بصمته لباقي العمر.

في جيل السّابعة تنصب كلّ القوى لبناء ما يسمى جسم النّفس، هذه الفترة ترافق ابننا أو ابنتنا حتى نهاية جيل المراهقة. في جيل السّابعة يكون لدى ابننا أو ابنتنا الجاهزيّة لدخول ما نسميه المدارس، لديه أو لديها في هذا التّوقيت الجهوزيّة للجلوس على كرسي وراء الطّاولة والتّأمل والإصغاء لما ترويه المعلمة أو يرويه المعلم عند وقوفهم أمامه أو أمامها.

هنا تبدأ الشّراكة بين الأهل والمدرسة في الحمل المتواصل لكيان الطّفل أو الطّفلة، علينا أن لا ننسى أبدًا أن الطّفل أو الطّفلة قد ولدوا من رحم الأم وانتقلوا إلى ما اسميه رحم العالم، وقد أجازف إن قلت بأنّ الطّفل أو الطّفلة قد سبق وإن ولدوا من رحم الكون إلى رحم أمهم، لذلك جدير بنا كأهل ومربين أن نعي هذه الفكرة من خلال تعاملنا مع هذا الكائن الذي يتمتع بشخصيّة وذات مستقلة، وما علينا فقط إلّا أن نزيل العثرات من طريقها أو طريقه في هذه الحياة.

في نهاية جيل المراهقة يتفرغ ابننا أو ابنتنا إلى ما قد نسميه عالم الرّوح والفكر، وهذه المرحلة قد تستوفي في جيل الواحد والعشرين عند دخوله أو دخولها إلى عالم الكبار أو البالغين.

هكذا يتبيّن لنا أن الإنسان على هيئته يحمل ثلاثة أقسام: الجسم الفيزيائي، وجسم النّفس، وجسم الرّوح، ورابعها هي خصوصيّة الذّات أو ما قد يسمى ب"الأنا". لا ننكر بأنّ هذه المكونات موجودة كلها في كيان الطّفل أو الطّفلة من لحظة ولادته أو ولادتها من رحم إلى رحم آخر كبذرة تحتاج البيئة والوقت المناسبين لنموها.

مع كلّ ما ذكرت حتى الآن اسمحوا لي بأنّ أذكركم ونفسي بما قاله أستاذي جبران خليل جبران عن الأبناء:
"أن أولادكم ليسوا لكم.
انهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم.
ومع أنهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكًا لكم.
أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، لكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارًا خاصة بهم.
في طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادهم.
ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم.
فهي تقطن في مسكن الغد، الذي لا تستطيعون أن تزوروه ولا في أحلامكم.
وإن لكم أن تجاهدوا تصيروا مثلهم.
ولكنكم عبثًا تحاولون أن تجعلوهم مثلكم.
لأنّ الحياة لا ترجع إلى الوراء، ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس.
أنتم الأقواس وأولادكم سهامًا حيّة قد رمت بها الحياة عن أقواسكم.
فإن رامي السّهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهايّة، فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى.
لذلك فليكن التواؤكم بين يدي رامي السّهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة.
لأنه كما يحب السّهم الذي يطير من قوسه، هكذا يحب القوس التي تثبت بين يديه".

وفي الختام أتوجه لأبنائنا وبناتنا العائدين إلى مقاعد الدّراسة، كونوا كما أنتم سهامًا حيّة هدفها بعيد المدى، وإلى الأهل الأعزاء كونوا أقواسًا متينة حاملة بتلك السّهام وإلى زملائي المعلمين وزميلاتي المعلمات تذكروا أنّ علامتكم ليست فقط ما تدونوه على ورقة الامتحان بل إنها مدونة أيضًا في أجسام ونفوس وفكر أبنائنا وبناتنا.

 


كاتب المقال: أمين سواعد وهو من مؤسسي مدرسة فالدورف العربية في مدينة شفاعمرو.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب