خصوصيّة التّعليم في القدس الشرقيّة وصراع الهُويّة!

الرجوع

د. سميرة عليان

يشكل ملف التّعليم جزءًا من ملفات عدة تمس هُوية القدس الشرقيّة ومستقبلها، إذ يخضع القسم المركزي من ملف التّعليم في مدينة القدس لوزارة التّربية والتّعليم الإسرائيليّة وبلديّة القدس. ويستخدم التّعليم كوسيلة لطمس الهُوية والانتماء الفلسطيني. فكيف يتم ذلك؟ إنّ الصّراع القائم بين وزارة التّربية والتّعليم الإسرائيليّة والسّلطة الفلسطينيّة من سنة 1967 على المناهج والكتب المدرسية في مدينة القدس هو إحدى مؤشرات السّلطة والهيمنة على تفكير وبلورة الطّلاب في القدس الشّرقيّة.

أظهرت الدّراسات المتعدّدة أهميّة المناهج التّعليميّة، واعتبرت أنّ المناهج وكتب التّعليم في المواضيع الأدبيّة والاجتماعية ذات تأثير فعّال جدًا في بناء شخصيّة وهُويّة الطّالب ورؤيته المستقبليّة. هذه المناهج والكتب هي أداة قويّة ومؤثرة جدًا بيد صناع القرار في أي دولة في العالم، وخاصةً تلك الدّول التي تشرف بنفسها على جهاز التّربيّة والتّعليم وفي حالة القدس الشّرقية دولة إسرائيل.

إذ إنّ المناهج وكتب التّعليم التي تدرس في دول ذات صراع وحروب تستخدم من قبل الدّولة كوسيلة لفرض أيدولوجيات الدّولة وسياساتها، ورغم كلّ تطورات التّكنولوجيا ووسائل الاتصال البديلة الأخرى إلّا أنّ الكتب في هذه الدّول تحافظ على مكانتها وسلطتها وتستخدم كأداة الزاميّة للتعليم والتّعامل مع المادة التّعليميّة، وكوسيلة موثوق بها لدراسة الطّالب واجتيازه الامتحانات العامة، حيث إنّ النجاح في هذه الامتحانات هو عنوان مشروط للدخول إلى عالم المعرفة والمؤسسات التّعليمية العليا.

إذا درسنا وحلّلنا ماذا تحوى المناهج وهذه الكتب التي تدرس في مدارس القدس الشرقيّة في مواد الاجتماعيات (التاريخ، الجغرافيا والمدنيات وما شابه)؟ ونتساءل، لماذا على الرّغم من التّطور التّكنولوجي يستمر الصّراع القائم بين السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ودولة إسرائيل للسّيطرة على المناهج في القدس؟ نرى بأنّ هذه المناهج تطرح بمضامينها بالإضافة إلى المواد التّعليميّة للطالب، الموروث الثّقافي والرّواية الجمعيّة التي لها صلة مباشرة وأحيانًا غير مباشرة بفلسفة وأجندة الدّولة التي تؤثر على تكوين وبناء هُويات الطّالب المتعدّدة ومنها الوطنيّة والثّقافيّة والدّينيّة .

في السّنوات الأخيرة وما يحدث من تغيرات في جهاز التّعليم في القدس الشّرقية هو صراع البقاء والهيمنة على عقول الطّلاب، وانتمائهم للهُوية الوطنيّة والقوميّة، إذ إنّ وجود السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في القدس يتمثل أيضًا في مناهج التّوجيهي العامة. والحفاظ على مكانة هذه الامتحانات هي مؤشر لحفاظ السلطة على مكانتها في القدس الشّرقية، هذا وقد هدفت السّلطات الإسرائيليّة في هذا التّوجه إلى طمس الهُويّة الفلسطينيّة الوطنيّة وضعف المؤسسات التّعليمية الفلسطينيّة فيها، وعملت على إقرار وتطبيق المناهج الإسرائيليّة "البجروت" كبديل لامتحانات التّوجيهي، وهذا بهدف إكمال المشروع الصّهيوني في القدس الشّرقية وأسرلتها بالكامل.

أما عن البجروت الإسرائيلي فاستخدمت إسرائيل محاولات عدة في العقود الأخيرة لفرض مناهج البجروت الإسرائيلي على طلاب القدس الشّرقيّة ومعظمها باءت بالفشل، واستمروا سكان القدس الشّرقية في تعليم المناهج الفلسطينيّة التي كانت منذ 1967 أردنيّة مراقبة من قبل السّلطات الإسرائيليّة وبعد اتفاقيّة أوسلو وانتقال التّعليم ليّد السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة أصبحت المناهج والكتب التّعليميّة فلسطينيّة مراقبة أيضًا منذ عام 2000. ما يدور في السّنوات الأخيرة من حالة العزلة الإجباريّة التي تمييز سكان القدس الشّرقيّة بكونهم سكان مقيمين دائمين في بلادهم، لا يملكون المواطنة لأي دولة على الإطلاق مثل باقي السّكان في دولة إسرائيل، وكونهم مُقيمين في مدينة القدس لديهم هويّة شَخْصِيَّة إسرائيليّة ويمكنهم بها الانتخاب لصالح بلديّة القدس ولكن ليس للبرلمان- الكنيست. هذه الهويّة المركبة لأهالي القدس الشّرقيّة تضعهم في حالة عدم أمان واستقرار لكونهم مُنقَسِمون بَيْنَ وطينتهم الفلسطينيّة التي تنعكس في سلوكيّاتهم وبينَ مُحِيطهم الذي يُذَكِّرُهُم يوميًّا بالصِّرَاع نتيجة الاختلاف القوْمِي والبيروقراطيّة، وامتداد ذلك على التّعليم والتّوظيف، وخاصّةً مع تأثير القضايا السّياسيّة على تعليم الطّلاب في هذه المنطقة. إضافةً إلى إقامتهم المعقدة؛ فإنّ الأوضاع الاقتصادية الصّعبة التي تمر على أهالي شرقي القدس وبناء الجدار الفاصل الذي تسبب بمنع الكثير من أبناء القدس الشّرقيّة للتنقل إلى أماكن الضفة لأهداف كسب لقمة العيش والعمل، أو التّنقل بهدف التّعليم في الجامعات الفلسطينيّة وما شابة جعل من إسرائيل استغلال هذه الظّروف الصّعبة التي يمر بها المقدسيون وتحقيق هدفها في السّيطرة الكاملة على التّعليم في القدس الشّرقيّة، وإدخال مناهج البجروت الإسرائيليّة إلى المدارس الحكوميّة وفرضها على المدارس عليها.
إنّ التّغيرات التي حدثت في السّنوات الأخيرة لتطوير التّعليم العربي في البلاد (الخطة الخماسيّة) وتشمل تطورات في التّعليم في القدس الشّرقيّة كان من أوّل أهدافه المذكورة "إدخال المناهج الإسرائيليّة لمدارس شرقي القدس".

تشير وزارة التّربيّة والتّعليم أن الدّافع من وراء فرض المناهج الإسرائيليّة في القدس هو مصلحة أهالي القدس الشّرقيّة وذلك لكي تساعدهم في الاندماج في سوق العمل الإسرائيلي، والحد من ظاهرة التّسرب في المدارس التي تنجم بسبب السّلطة الفلسطينيّة وطريقة بنيّة نظام التّوجيهي، فقد يضطر الطّالب إعادة السّنة وجميع المواد في حال رسوبه في مادة واحدة من التّوجيهي.

الادعاء هنا لاتهام السّلطة ببنيّة نظام التّوجيهي هو ادعاء مثير للغاية ويوجد به نوع من المصداقيّة، لأن نظام التّوجيهي أثبت تحيزه لمجموعة من الطّلاب لديهم القدرة الإدراكيّة لاستيعاب كميّة هائلة من المواد وبصمها وتكرارها في أيامٍ معدودة في امتحانات التّوجيهي العامة، ولم يأخذ هذا النّظام بعين الاعتبار الفروق الفرديّة بين الطّلاب ولم يهتم بالطّلاب "الضّعفاء" في القدرة الإدراكيّة، وليس لديهم المقدرة في استيعاب العدّد الكبير من المعلومات وبصمها وطرحها في الامتحانات. لهذا وبما أنّ السّلطة الفلسطينيّة لم تأخذ دورًا فاعلًا وإيجابيًا خلال السّنوات الماضيّة لتغيير نظام التّوجيهي والحفاظ على المقدسيين وهويتهم الفلسطينيّة، فباعتقادي يوجد لها دور مهم من المسؤوليّة فيما يدور من تغييرات وإدخال مناهج البجروت الإسرائيلي لمدارس القدس الشّرقيّة. ولكن هذا الأمر لا يغيّر من الهدف الحقيقي لوزارة التّربيّة والتّعليم الإسرائيليّة بالسّيطرة الكاملة على جهاز التّعليم في القدس من حيث الهيكليّة البنيويّة والمضامين الدّاخليّة لأسرلة شرقي القدس. إسرائيل تملك القوة والسّيطرة وهنالك علاقة هرميّة واضحة بجميع القرارات التي تخص السّكان المقدسيين وتتعلق بجهاز التّعليم.

أما بالنسبة للمقدسيين فلا مفر لهم في هذه الأوضاع الصّعبة إلّا أن يتوجهوا إلى سوق العمل الإسرائيلي، الأمر الذي وضع المقدسي في حيرة والنّظر إلى مستقبل أفضل لأبنائهم في ظلّ هذه الظّروف الصّعبة. دراساتي الأخيرة عن التّعليم في شرقي القدس دلت على أن القسم الكبير من أهالي القدس الشّرقية يطمحون بمستقبلٍ أفضل لأبنائهم وذلك من خلال النّظر إلى فلسطينيّ الدّاخل الذين رأوا بهم كمثال بأنهم درسوا المناهج الإسرائيليّة واستطاعوا تغيير وضعهم الاقتصادي والاجتماعي خلال السّنوات من غير أن يتنازلوا عن هُويتهم الفلسطينيّة.

الأمر الذي خلق فئتين من أهالي القدس الشّرقيّة، الأولى التي تنظر إلى مستقبل أولادها وتريدهم أن يحصلوا على مستقبل أفضل من ناحيتهم، وأن ينخرطوا في سوق العمل الإسرائيلي والتّوجه للتعليم في الجامعات الإسرائيليّة وتعلّم اللّغة العبريّة بهدف تطوير النواحي الاقتصادية والاجتماعية، هذه الفئة هي التي قبلت المناهج الإسرائيليّة وجعلت أبناءها التّوجه إليها. أما الفئة الثّانية من أهالي القدس الشّرقيّة هي الفئة الحائرة والمبلبلة وتنقسم إلى هؤلاء الذين من ناحية يرفضون بتاتًا تعليم أبناءهم المناهج الإسرائيليّة والرّوايّة الصّهيونيّة، وتريد الحفاظ على مناهج السّلطة الفلسطينيّة في القدس وتعي بأن هذا سوف يضر بتقدم أبنائهم في إسرائيل؛ ولكنها تريد الحفاظ على هويتها الوطنيّة، ويوجد أيضًا هؤلاء الذين نسبتهم قليلة ويعدون اقتصاديًا واجتماعيًا بمكانة جيّدة وهدفهم تعليم أولادهم خارج البلاد، في الدّول العربيّة أو الغربيّة وهم ليسوا بحاجة للمناهج الإسرائيليّة للتقدم والتّطور، ولكن هذه الفئة قليلة ولا تمثل غالبيّة سكان القدس. إنّ الصّراع المستمر بين وزارة التّربيّة والتّعليم الإسرائيليّة، والسّلطة الفلسطينيّة على مضامين مناهج التّعليم في مدارس القدس الشّرقيّة يولد خطرًا كبيرًا على الوعي الفكري والقومي للطلاب، إذ إن مع الازدياد الملحوظ للمدارس التي تبنت المنهاج الإسرائيلي من غير التّدخل بمضامينها، وخاصةً بموضوع الاجتماعيات، يخلق قلقًا شديدًا على هوية الطّالب المقدسي وذلك لأن مناهج البجروت في هذه المواضيع تناولت المواطنين العرب الفلسطينيين من خلال انتماءاتهم الدّينية وليست القومية أو الوطنيّة فقط. وعلى الرّغم من أنها تعترف بوجود أقليّة عربيّة في إسرائيل إلّا أنها لا تعترف بها أقليّة قوميّة لها حقوق جماعيّة، قوميّة وسياسيّة، وتتجاهل بشدة الثّقافة العربيّة الفلسطينيّة وتركز على ثقافة وتاريخ الشعب اليهودي وبناء دولة إسرائيل والانتماء إليها. هذه المضامين التي تستنكر بتاتًا ثقافة الطّلاب المقدسيين وتشوش على عملية بناء الهويّة القوميّة الوطنيّة عندهم كما وتضعهم في حالة ضياع، الأمر الذي يثير الجدل ويطرح تساؤلاتٍ كثيرةً حول مستقبل هؤلاء الشّباب وكيفيّة تعاملهم في ظلّ هذه التّغيرات الواضحة في جهاز التّعليم في القدس الشّرقيّة.

 


كاتبة المقال: د. سميرة عليّان وهي محاضرة في قسم التربية في الجامعة العبرية في القدس وفي كلية التربية الاكاديمية دافيد - يلين في القدس. تحمل لقب الدكتوراه في مجال علم الاجتماع التربوي والبوست دكتوراه في مجال المناهج وتحليل الكتب في العالم.

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب