في مواجهة جائحة كورونا أين طلبتنا والهيئة التّدريسيّة من العالم الافتراضي؟

الرجوع

سناء مظهر عبّاس

لا تزال قضيّة التّعلم عن بعد تلقي بظلالها على الحياة التّربويّة والتّعليميّة في البلاد والعالم أجمع، وتظهر انعكاس استخدام الأساليب الرّقميّة بشكلٍ واضح، في الوقت الذي حكم على الجميع الالتزام بالحجر المنزلي للحد من انتشار العدوى والحفاظ على سلامة الطّلبة والمعلمين. تحدٍ جديد ونمط تدريس جديد رافقا المؤسسات التّعليمية على مدار عامٍ ونيَّف، فأين نحن من هذا التّغيير، وما هي الآثار التي خلفها نظام التّعلم عن بعد؟

في تقريري هذا سأركز على أربعة محاور لأناقش من خلالها الموضوع بجوانبه المتعددة من تحدياتٍ وآثار واجهتها المؤسسات التّعليمية، وخاصةً تغيير طرائق التّدريس الاعتياديّة والتّوجه للعالم الافتراضي وإشراك الأهل في مسيرة التّعلم عن بعد.

 

دعم الطّالب، حمايته، ومده بالطّاقات الإيجابيّة!

خلال هذه الفترة واجه المعلمون عقبة ليست سهلة بسبب تفرعاتها التي تحتاج للصبر والقوة، واستثمار الوقت الكافِ لإيصال كلّ ما يحتاجه الطّالب، ولهذا حاورت المعلمة والمربيّة إلهام بلان دعبول من مدينة النّاصرة وبدأنا بالحديث عن المعضلة التي أمست بين وزارتي التّربيّة والتّعليم بسبب تلقي اللّقاح، وبدورها قالت: "أعتقد أنَ المعضلة موجودة في الكلمة ذاتها "معضلة"، إذ إنه من غير الصّحي أبدًا ومن غير التّربوي أن نضعَ الأطفال وذويهم ومعلّميهم والجمهور بشكل عام في حالة قلق دائم، والشّعور بعدم الأمان لوجود قاعدة ثابتة بخصوص الإجراءات التي يجب أن تتخذها الوزارة، إذ إنّنا بمرحلة متقلّبة ومحيّرة بشكلٍ متواصل".

وفي السّياق نفسه تطرقت دعبول إلى الجانب التّوعوي عند الأهل تجاه المحافظة على صحة الأبناء، والحفاظ على المستوى التّعليمي للطالب، فقد قالت: "صحيًّا، إذا كانت الجائحة تسبّب خطرًا مباشرًا على حياة الأطفال (لستُ خبيرةً بهذا)، من المفضّل اختيار التّعلم عن بُعد إلى حين أن نعرف كيف نتعامل مع الجائحة. وهذا ليس الحلّ الأفضل، لكنّه حلًّا مناسبًا في حالة الخطر المباشر. وعلينا نحن الأهل والمربّين أن نكفّ عن التذمّر من التّعامل مع التّكنولوجيا الجديدة دائمة التّغيير، ومواكبة العصر بتزويد الأطفال بالوسائل التي تساعدهم في تخطّي الأزمات، لا بل وتساهم في استيعابهم للعوالم الرّقميّة وحثّهم على المساهمة في عمليّات الانتاج والابتكار، أي تحويل الأزمة إلى تحدٍ وتخطّيها بأقل خسائر نفسيّة، والكفّ عن تبني شخصيّة المتلقّي التّقليدي".

أمّا وإن أصبحنا قادرين على التّعامل مع الجائحة دون أن نعرّض الأطفال لخطرٍ مباشر، فإنّ تواجد الطّلبة في مبنى المدرسة هو أمر مهمّ من جوانب عدة، أهمّها التّعامل المباشر مع زملائه وطاقم الهيئة التّدريسيّة وحتّى عمّال الصّيانة وغيرهم، ليستطيع تطوير منظومة أخلاقيّة وسلوكيّة ملائمة للبشر، بالإضافة إلى أهميّة اكتساب المهارات اللّغويّة والعلميّة والفنيّة وغيرها بإطار المنهج التّعليمي.

كما تطرقت المربيّة إلهام إلى موضوع النّظام والالتزام بالمسؤوليّة بحال التعلّم عن بُعد لفترة طويلة أو قصيرة، ووضحت أنه على الجميع التّكاتف لتسهيل عمليّة التّعلم والابتعاد قدر الإمكان عن الدّخول في صراعات لإلقاء المسؤوليّة على الطّرف الآخر في أيّ تقصير. مشيرةً إلى من يعد أنّ الطّفل هو المركزيّ هنا، لا بدّ أن يترفّع عن أي مناكفة ويكثف الجهود من أجل مصلحة الطّفل، ويوفر جميع الظّروف الملائمة للتعلّم عن بُعد، كالحواسيب، وشبكة انترنت وما إلى ذلك. كما ومن الضّروري جدًّا إتاحة المجال للطّفل أو حثّه لأخذ القسم الخاص به من المسؤوليّة للتعلّم بشكل منظّم والالتزام بالبرنامج التّعليمي المخصّص له وبأوقات المهام المحوسبة.

 

كيف كانت تجربة المعلم، وماذا عن الوضع الاجتماعي والنّفسي للطلبة؟

كان المعلم أكثر الأشخاص تأثرًا بعمليّة التّعلم عن بعد؛ كونه القائد لمسيرة تربويّة وتعليميّة مهمة جدًا، لكن كيف تعامل مع المنصات الرّقميّة، وكيف تجاوز الأزمة؟ للإجابة عن هذه التّساؤلات ولإبراز الدّور الذي قام به المعلم كانت لي مقابلة مع المربيّة آيات عبّاس من كفركنا التي استهلت حديثها قائلةً: "لم أتخيل أنْ يتغير نمط حياتنا وعملنا بهذا الشّكل وبهذه السّرعة! لا شك أنّ للفيروس سلبياتٍ كثيرة عانيت من نتائجها بصفتي معلمة؛ لكن بداية أذكر واحدة من إيجابيات هذه الجائحة وهي ممارسة عمليّة التّعلم عن بعد التي حسنت من قدرتي على استعمال التّكنولوجيا بصورةٍ أفضل، إذ تطورت عندي مهارات التّواصل إما عن طريق تطبيق (زوم) أو تطبيقات غيره".

وفي السّياق ذاته أشارت عبّاس إلى ضرورة تحضير الدّروس المحوسبة من خلال استعمال برامج عديدة لعرض المواد بطرائق تجذب الطّلبة، وتساعدهم على استقبال المواد بشكلٍ سلسٍ خالٍ من التّعقيدات.

من جهة أخرى أردفت المعلمة آيات بحديثها عن السّلبيات التي واجهت المعلم عمومًا ومنها:

  • حضور الحصة دون تواصل بصري، الأمر الذي يعيق عملية التّواصل على عكس التّعليم الوجاهي الذي يساعد على احتواء الطّالب وفهمه حتى دون أن يتكلم.
  • في التّعليم الوجاهي تكون طريقة الشّرح أسهل للمعلم والطّالب، ويتلقاها الأخير بشكلٍ أفضل.
  • التّعلم عن بعد قيدنا بوقت طويل (أطول من الدّوام المدرسيّ المعتاد)، وذلك بسبب التّحضير المستمر للدروس المحوسبة، وأيضًا للتواصل مع أولياء الأمور والطّلبة.
  • من الصّعب جدًا أن أكونَ مربيّة للصف الثّامن ولا أعرف طلبتي، حتى في حصة الأنشطة والفاعلّيات امتنعوا من الظّهور على الشّاشة.

في المقابل تحدثت عبَّاس عن الجانب الاجتماعي والنّفسي للطلبة، وقالت: "الكثير من الطّلبة لم تكن لديهم أي مشكلة بتمرير المواد عبر تطبيق (زوم)، وكانت علاقتهم مع التّكنولوجيا والأساليب الرّقميّة جيّدة جدًا، لكن المشكلة الأكبر تمحورت حول الجانب النّفسي والاجتماعي عند البعض، إذ ابتعد الطّالب سنة ونصف عن أبناء صفه الأمر الذي أثر سلبيًا على عَلاقته الاجتماعيّة مع الزّملاء والأصدقاء التي تلعب دورًا مهمًا في بناء شخصيته".

 

تحديات، ميزانيات، وتصنيف أحمر...

في ظلّ الصّعوبات لاجتياز هذه الجائحة تحتاج المؤسسات التّعليميّة رصد المساعدات والميزانيات الكافيّة لتجنيد كادر مهنيّ وغرف محوسبة جاهزة لأداء الرّسالة بشكلٍ واضح، ولفهم أبعاد هذه المرحلة حاورت مديرة مدرسة الرّواد الابتدائيّة "ج" في كفركنا المعلمة عبير عواودة التي استهلت كلامها قائلةً: "استطاعت مدرسة الرّواد أن تتجاوز تحديات هذه الأزمة وتذليل العقبات من خلال توفير حواسيب نقالة لكلّ طالب ليس بمقدوره حيازة حاسوب، بالإضافة للإرشاد والتّوجيه الدّائم لكادر التّدريس وللطلبة الذين مروا بأزمة".

وتابعت عواودة حديثها عن الصّعوبات التي واجهت الطّالب في البداية، مثل عدم تمكنه من استخدام الوسائل والتّقنيات التّكنولوجيّة الحديثة، وخاصةً عند العائلات كثيرة الأولاد التي تفقد السّيطرة أحيانًا على الالتزام والانتظام بوقت الدّرس، ممّا تسبب بمشكلات عاطفيّة تدخل في حلها الاختصاصي النّفسي المؤهل من قبل المدرسة.

وفي سياق متصل تحدثت المعلمة عبير عواودة عن الميزانيات المطلوبة موضحة أنه تم رصدها من السّنة الدّراسية المنصرمة لتوفير بنيّة محوسبة لكلّ مدرسة، وتزويد المدارس أيضًا بحواسيب نقالة للإعارة.

على جانب آخر تحدثنا عن احتماليّة عودة بلدة كفركنا للتصنيف الأحمر، إذ قالت المعلمة عبير: "مدرسة الرّواد جاهزة لمواصلة المسيرة التّعليميّة عن بعد، لافتة لطاقم المعلمين الذي اكتسب الكثير من المهارات التي تخوله لاستخدام برامج الدّيجتال، والتّمكن من إرشاد الطّلبة والأهل كذلك، من خلال عرض أفلام قصيرة أعدها مركز الحوسبة للشرح الكافِ حول كيفيّة استعمال الرّوابط والتّطبيقات الإلكترونيّة".

 

ماذا عن الأهل؟

تعد مشاركة الأهل في شرح الدّروس التّعليمية خطوة مهمة لمّا فيها من دعمٍ وتوجيه صحيح لبعض الأمور التي يحتاجها الطّالب، لكن خلال فترة التّعلم عن بعد تغير الوضع ووصل لمنحى سلبيّ جدًا، وخاصةً عند العائلة الكبيرة، أي التي تضم أربعة أو خمسة أولاد بمراحل تعليميّة مختلفة.

وبعد سماع الكثير من الآراء حول هذا الموضوع تصدرت كلمة "الفشل" رأس القائمة لأنه اتضح أن الأم تفقد السّيطرة على إلزام أولادها الخمسة في الانتظام لمشاهدة الدّرس. إضافة لكلّ هذا عدم تمكن العديد من أولياء الأمور شراء الأجهزة التّكنولوجيّة لكلّ فردٍ بالعائلة، الأمر الذي أجبرهم على حلّ الواجبات والمهام بشكل سريع ليتمكن الطّالب من إرسالها للمعلم بالوقت المطلوب.

مع كلّ هذه الانجازات والتّحديات لنجاح منظومة التّعلم عن بعد، لا يزال الطّالب بحاجة للدعم النّفسي والمعنوي وإثبات قدراته ليتمكن من اتمام السّنة الدّراسة بنفس المستوى التّحصيلي، ومد يد العون للكادر التّعليمي الذي أعطى من وقته وجهده الكثير من أجل نجاح أبناء المستقبل.

 


كتبت التّقرير: سناء مظهر عبَّاس، حاصلة على اللّقب الأوّل في اللّغة العربيّة والإعلام- الجامعة العربيّة الأميركيّة، وطالبة تحرير وتدقيق لغوي.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب