التّربية والتّعليم في ظلّ أزمة كورونا – عبر ودروس!

الرجوع

آيات استيتة

جائحه كورونا فرضت على جهاز التربية والتعليم والمنضوين بإطاره خوض تجربه جديده وفريدة بلا سابق إنذار ومغادرة "المنطقة الآمنة" المعتادة.

على المستوى الشخصي، كانت هذه تجربة أولى من نوعها خلال فتره عملي الممتد على 23عام، علما اننا لم نمر بتجارب مماثلة سابقا.

تجربه مليئة بالتحديات والصعوبات والتطور والتعلم الذاتي والإبداع وبذات الوقت مليئة بالتناقضات والتخبطات.

بدأت الازمه في شهر آذار عام 2020 ومعها التخبط والتحديات وضرورة تبني طرق وأساليب تعليم جديدة.

المستقبل بدا مجهولا آنذاك! وعلامات الاستفهام كثيرة، تحديدا بما يتعلق بماهية هذا الفيروس الجديد، ومدة بقائه معنا، وفترة الاغلاق المتوقعة، وكيف يؤثر في أماكن أخرى في العالم وغيرها الكثير من التساؤلات. ومع مرور الأيام زاد خوفنا وقلقنا انا وزملائي خاصة بشأن إمكانية عودتنا الى المدارس ومتابعة مسيرتنا المهنية وأحوال طلبتنا الصحية والنفسية وكذلك فيما إذا سنضطر الى التأقلم مع الازمة والتعامل معها على انها "الواقع الجديد"!

والنتيجة التي توصلت اليها كانت – اننا في واقع جديد يتطلب التأقلم من خلال ابتكار طرق وأساليب تعليم جديده تتلاءم والظروف الراهنة، ما دفعني الى اعادة تحضير المواد التعليمية من خلال ملفات محوسبه وشرائح ضوئية وغيرها من الوسائل الملائمة للعرض بشكل رقمي عن بعد، لتسهيل العملية التعليمية للطلبة.

أذكر مع تفشي الازمة انني لم اقم بما اعتدت عليه أي التعليم وانما ركزت طاقاتي بمتابعة أوضاع طلابي والاطمئنان على احوالهم واتاحة المجال لهم للحديث والتفريغ عن انفسهم والتعبير عن مشاعرهم والمشاركة باي إشكالية او تحد يواجههم.

وبعد المرحلة الأولى الصادمة عدنا لمتابعة التعليم ولو انه كان عن بعد، الذي لم يخلو من التحديات وبمقدمته تلك التقنية المتعلقة بجودة الصوت وضمان حضور الطلبة الفعلي خلف الشاشات السوداء.. وأذكر ان الصمت او المشاركة المتواضعة كانا سيدا الموقف!

إستمريت برغم تيقني ان قدرتي على الافادة كانت محدودة جدا في ظل الظروف القسرية واقنعت ذاتي بان التغيير يحتاج الى وقت وصبر واحتواء، لا سيما مع جيل الشباب الذي يخوض الكثير من التقلبات بمعزل عن الازمة الصحية التي اجتاحت حياته!

إجتزنا الاغلاق الأول وعدنا الى التعليم الوجاهي في المدارس وقمنا بمراجعه المواد التي سبق ودرسناها عن بعد؛ غير ان الطلاب لم يعودوا كما كانوا، ليس كما تعودنا عليهم سابقا. وبعضهم لم بعد أصلا الى

مقاعد الدراسة. تواصلنا معهم للاطمئنان على احوالهم وحثهم على العودة لتجنب اضرارا إضافية وخسارة مواد تعليمية واقناعهم على إجراء امتحانات البجروت.

إنتهت السنة الدراسية وهناك من انهوا المرحلة المدرسية، هذه الحقبة الهامة من حياتهم بغصة لاضطرارهم التخرج وحدهم بلا حضور ذويهم، وفقا لتعليمات وزاره الصحة.

أود الإشارة الى بعض التحديات والفرص التي يجدر الالتفات اليها وربما توظيفها مستقبلا عقب هذه التجربة الاستثنائية التي خضناها ولا زلنا نخوضها حتى اليوم:

 

أبرز التحديات:

  • العزلة الاجتماعية – عقب فقدان مهارات اجتماعيه مهمه وانقطاعهم عن أصدقائهم ومعلميهم، مما أدى الى إشكاليات حسية وفجوات تعليمية لدى الطلاب.
  • التعلم عن بعد – وما نجم عنه من تفاعل محدود بين الطلاب والمعلمين ومحدودية تمرير المواد التعليمية.
  • التواصل عبر الشاشات من البيوت – وما يترتب عليه من عدم راحة وعدم جهوزية لدى بعض الطلبة والمعلمين.
  • اشكالية البنى التحتية وغياب المعدات – الكثير من الطلاب لا يملكون حواسيب خاصة وغالبيتهم لا يمتلكون شبكة انترنت سريعة.

 

 أبرز الفرص:

  • قفزة نوعية في منظومة التعليم – لا يختلف اثنان ان التعليم عن بعد ولو كان قسريا خلال ازمة كورونا، أتاح للطلبة والطواقم التدريسية قفزة نوعية في منظومة التعليم خلال فترة قصيرة.
  • إبتكار أساليب تدريس جديدة – من خلال لجوء الطواقم التدريسية لاعتماد اساليب تعليم تفاعلية عن بعد.
  • رفع أداء الطواقم التدريسية - من خلال تعلم تقنيات وتطبيقات محوسبه تتماشى مع العصر ومستوى التطور التكنولوجي القائم لدى الكثير من الطلبة.
  • دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية – الذي لعب دورا محفزا لدى غالبية الطلاب والطواقم التدريسية.

 

في الختام، لا شك ان لا بديل للمدارس، كونها ملتقى اجتماعي هام للطلاب والمعلمين ومكان مركزي للتفاعل الإنساني والحسي والعاطفي، الذي يعتبر من اساسات تطوير المهارات الاجتماعية لدى الطالب.

ولنتذكر ان عملية التعلم الرقمي مع أهميتها في مواكبة العصر والتطور التكنولوجي، الا انها كشفت النقاب عن الفجوات الكبيرة بين الطلاب تحديدا في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، التي اثرت في قدرتم على التأقلم وجهوزيتهم لتذويت أنماط تعلم جديدة والاستفادة منها.

هذا الى جانب التحدي الموضوعي المتعلق بغياب المعدات وبمقدمتها الحواسيب والبنى التحتية للأنترنت لدى شرائح واسعة من الطلاب العرب، الامر الذي يستدعي حلا من قبل الجهات الحكومية المعنية، لا سيما مع استمرار هذه الازمة واحتمالات العودة الى التعلم عن بعد او حتى في حال تم دمج التعلم الرقمي بمنظومة التعلم الوجاهي التقليدي، كما يقتضي الامر في واقعنا الراهن.

واخيرًا، مسالة تسرب طلبة في المرحلة الثانوية التي ارتفعت إثر ازمة كورونا وخروج الكثير منهم الى سوق العمل لدعم عائلاتهم اقتصاديا ويواجهون صعوبة في العودة الى مقاعد الدراسة مجددا.

 


كاتبة المقال: آيات استيته وهي معلمة في مدرسة الجليل البلدية - الناصرة ومديرة مركز الموهوبين والمتميزين في الناصرة.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب