التّعلّم عن بعد.. قيمة حياتيّة عند الطّالب الموهوب!

الرجوع

مريم سلمان

تُعتبر عمليّة التّعلُّم عن بعد الّتي خاضها طلابُنا الموهوبون تجربة حياتيّة تركت أبعادًا فكريّة وحِسيّة هامّة لديهم، فبعدَ أنْ أُغلِقَت المدارس وتمَّ حجر الطّلاب في المنازل تراءت للجميع صورة من نهاية لحقبة تعليميّة تستوجب من الطّلاب الدّخول في حالة من السُّبات والضّياع، ليأتي التّعلّم عن بعد بكلّ أشكالِهِ وكافّة مساحاته ليُثبتَ للطّلاب أنّ لكلّ مشكلة حلّ، وأنَّ ما كان للأزمات الحياتيّة أن تًشكّل عائقًا لنا في الاستمرار في ممارسة حياتنا الطّبيعيّة، وأنَّه بإمكاننا دائمًا إيجاد حلول _ وإن كانت بديلة ومؤقّتة_ لتخطّي مختلف أزماتنا الحياتيّة، فهي بالتّالي درس تربويّ ذوّت في نفوسهم قِيمةً حياتيّة تربويّة هامّة.

أمّا الدّرس الثّاني الّذي كان للطّلاب استخلاصَه من هذه التّجربة أنّه بإمكانهم دائمًا من أكوام الشّوك المتراصة أنْ يجدوا ورودًا مزهرة وأعشابًا خضراء، فقد راح المعلّمون يحثّون الطّلاب بفعاليّات مختلفة على البحث عن أفضليّات التّعلُّم عن بعد، ليجد نفسَه الطّالب أمام قائمة طويلة تحمل أفضليّات ثريّة للتعلّم عن بعد وبالتّالي لخِصَ إلى أنَّ لكلّ شيء في الحياة حسنات وسيّئات، كما وأنّه ومن خلال بحثه نجح في اكتساب مهارة المقارنة وهي من إحدى المهارات التّفكيريّة العليا حين راح يُقارن بين عالمَين تعليميّين تجمعهما ميّزات مشتركة ومختلفة، عالم التّعليم الوجاهيّ وعالم التّعلّم عن بعد.

كما وكانَ لهذِهِ التّجربة إثارة روح الفضول وحبّ الاستطلاع لدى الطّالب الموهوب من حيثُ معاينته لهذا العالم التّكنولوجيّ الجديد، فيبحثُ في مسار الحصص ويتأمّل آملا أنْ يخترق هذا العالم وأن يتجاوزَ مساراتِه ليتألّق به _أيضًا_ وفعلا كان للطّالب الموهوب أنْ يدرس كافّة التّطبيقات، ليتحوّل إلى مرشدٍ وموجّه للمعلّم في كيفيّة تسيير كافّة التّطبيقات، حتّى أنّهم لم يتواروا عن تحضير دروس وتقديمها بثقة وثبات.

ومن جماليّات التّعلّم عن بعد الاعتماد على (الكلمة) وعلى حاسّة السّمع، فيتمّ التّركيز عمّا يُقال من كلام أو يُعرض من أصوات، ممّا يجعل للرّأي الآخر ولآرائه ولأفكاره قيمة عالية وأهميّة بالغة.

إنَّ تعزيز عمليّة التّعلّم عن بعد لقيمة (الكلمة) دفع بالعديد من الطّلاب إلى اكتساب مهارة التّعبير، فبرأيي لقد قدّمَت الشّاشات منصّة رحبة وحاضنة لكافّة الطّلاب الموهوبين بمختلف أنماطهم وطباعهم، حيثُ وجدَ الطّالب الخجول مكانًا آمنًا لهُ للتّعبير والإدلاء بمواقفه وآرائه من خلف الشّاشات، خاصّةً وأنّه يمتلك حقّ إطفاء الكاميرا ممّا يُعطيه مساحة من الرّاحة والثّقة، كما وأتاحت المجال للطّالب الجريء بالتّربّع على الشّاشة والتّعبير عمّا يختلج نفسَه.

إنَّ الطّالب الموهوب هو طالبٌ متألّق فكريًّا وحسيًّا، إذ يمتلك مجسّات تُمكّنه من استشعار كافّة ما يُحيطه من صوت وصورة، ومن التقاط ما يدور في نفس مُحيطيه، من هنا يستوجب التّعاطي معه حسيًّا وإتاحة له تلك المساحة الرّحبة للتّعبير عن ذاتِهِ وعمّا يجوب فكره وقلبَه، وإلا تنازل عن حضور الحصص فيكون حضوره جافًّا لا يتخطّى اسمًا مُدوّنًا في إحدى الخانات، من هنا تقع على معلّمي الطّلاب الموهوبين مهمّة البحث عن تطبيقات تستفزّ قدراتهم الفكريّة وتستنبط مشاعرهم الدّفينة، فكما أنَّ التّعليم الوجاهيّ يعتمد بالأساس على المعلّم وقدراته في الخلق والإبداع في تمرير الموادّ التّعليميّة بطرائق متعدّدة ومتنوّعة إيصالا إلى المادّة بالطّريقة الأنجع والأشدّ تأثيرًا، كذلك التّعلّم عن بعد فقد اعتمد نجاحه على روح الإبداع والتّجديد لدى المعلّم بحيثُ تقع عليه مسؤوليّة البحث عن مختلف التّطبيقات ودراستها واستخدام منها ما يُساهم في بناء حلقات وصل متينة بينَه وبين الطّالب.

لقد كان لي كمعلّمة صاحبة سنوات خدمة طويلة في مجال التّعليم وفي التّعامل مع الطّلاب تخوّفات جادّة في كيفيّة التّواصل مع الطّالب الموهوب عبر الشّاشات، إذ أرى بها وسيلة جافّة تسلب من كلا الطّرفَين _ الطّالب والمعلّم _ القدرة على التّواصل الصّحيّ الّذي يدفع العمليّة التّعليميّة إلى حيثُ يليق بها، فالطّالب الموهوب وغير الموهوب - على حدٍّ سواء -يبحث في العمليّة التّعليميّة، أوّلا، عن تلك الشّخصيّة الحاضنة الّتي تنجح في اختراق فكره وقلبه وفي بناء تلك العلاقة الإنسانيّة المُحتويّة الدّاعمة العاملة على إيصال الموادّ التّعليميّة بسلاسة وانسيابيّة إلى الطّالب، من هنا توجَّبَ عليّ بناء حصص تعتمد على التّواصل الفكريّ والحِسيّ مع الطّالب، من خلال تفعيل عدّة نشاطات تعمل على مخاطبة عالم الطّالب اليوميّ، لتتحوّل لقاءاتُنا إلى جلسات عائليّة تُعنى بالآخر وبسيرورة أيّامه في هذه الظّروف الجديدة المُغايرة، ومنها يكون لنا الانطلاق في مضامين اللّقاءات المربوطة بعالم الطّالب (التّعلّم ذو معنى)، إذ لا يُمكن للمعلّم التقوقع في موادّه التّقليديّة والمتعارف عليها في ممارسة عمليّة التّعليم عن بعد، بل يستوجب عليه الخروج من الأطر المتعارف عليها وتطويع نفسه وطرائق تعليمه للأوضاع المستجدّة، وبالتّالي عليه العمل على إيصال مهارات دون الالتزام بورقة أو كتاب أو مواد، فالمهارات هي الدّرع الواقي الّذي يُمكّن طلابنا من تخطّي كافة مسارات حياته بقوّة وعزيمة ونجاح.

 


كاتبة المقال: مريم سلمان وهي معلّمة لغة عربية في مركز الموهوبين والمتميّزين في النّاصرة.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب